ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

 

  ذكر ما جرى للملك العادل والأنكتار واجتماعهما

ولما كان الثامن عشر سار الملك العادل إلى اليزك وضربت له قبة عظيمة وسار ومعه من الأطعمة والحلاوات والتجملات والتحف وما جرت العادة أن يحمل من ملك إلى ملك وهو إذا تجمل في ذلك لا يغلب وسار الأنكتار إلى خيمته وحضر عنده فاحترمه احتراماً عظيماً ووصل مع الأنكتار إلى خيمته وأحضر من طعامهم الذي يختصون به ما أتحف به الملك العادل على وجه المطايبة فتناول منه الملك العادل وتناول هو وأصحابه الواصلون معه من طعام الملك العادل وتحادثا معظم ذلك النهار وتفاصلا على تواد ومحبة أكيدة‏.‏

ذكر الرسالة التي أنفذها الأنكتار إلى السلطان وفي ذلك اليوم سأل الأنكتار الملك العادل أن يلتمس من السلطان الاجتماع به والمثول بين يديه‏.‏

ولما وصلت هذه الرسالة شاور السلطان الجماعة في الجواب فما منهم من وقع له ما وقع للسلطان‏.‏

وذلك أنه قال‏:‏ الملوك إذا اجتمعوا يقبح منهم المخاصمة بعد ذلك فإذا انقطع أمر حسن الاجتماع والاجتماع لا يكون إلا لمفاضة في مهم وأنا لا أفهم بلسانك وأنت تفهم بلساني ولا بد من ترجمان بيننا نثق أنا وأنت به فليكن ذلك الترجمان رسولاً حتى يستقر أمر وتستتب قاعدة وعند ذلك يكون الاجتماع الذي يعقبه الوداد والمحبة‏.‏

قال الرسول‏:‏ ولما سمع الأنكتار هذا الجواب استعظمه وعلم أنه لا يقدر على بلوغ غرض إلا بالدخول تحت المراضي السلطانية ولما كان التاسع عشر جلس السلطان واستحضر صاحب صيدا لسماع رسالته وكلامه فحضر وحضر معه جماعة وصلوا معه وكنت حاضر المجلس فأكرمه إكراماً عظيماً وحادثهم وقدم بين أيديهم ما جرت به العادة‏.‏

ولما فرغ الطعام خلا بهم وكان حديثهم في أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور وكان قد انضم إليه جماعة من أكابر الإفرنجية منهم صاحب صيدا وغيره من المعروفين وقد سبقت قصته وكان من شروط الصلح معه إظهار عداوة الإفرنج البحرية وكان سبب ذلك شدة خوفه منهم وواقعة وقعت له معهم بسبب الزوجة وبذل له السلطان الموافقة على شروط قصد بها الإيقاع بينهم وأن يقتل بعضهم فلما سمع السلطان حديثه وعد أن يرد عليه الجواب فيما بعد وانصرف عنه في ذلك اليوم‏.‏

  ذكر وصول رسول الأنكتار

وهو ابن الهنغري وصل وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة فأحضره السلطان عنده وسمع كلامه‏.‏

وكانت رسالته أن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنك ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن تكون حكماً بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس الشريف ومقصودي أن نقسم بحيث لا يكون عليه لوم من المسلمين ولا علي لوم من الإفرنجية فأجابه في الحال بوعد جميل ثم أذن له في العود في الحال وتأثر بذلك تأثراً عظيماً وأنفذ وراءهم من سألهم عن حديث الأسارى وكان منفصلاً عن حديث الصلح‏.‏

فقال‏:‏ إن كان صلح فعلى الجميع وإن لم يكن صلح فلا يكون من حديث الأسارى شيء وكان غرضه رحمه الله أن ينسخ قاعدة الصلح فإنه التفت إلي في آخر المجلس بعد انفصالهم وقال متى ما صالحناهم لا تؤمن غائلتهم فإنني لو حدث لي حادث الموت ما تكاد تجتمع هذه العساكر وتقوى الإفرنج فالمصلحة أن لا نزال على الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت‏.‏

هذا كان رأيه قدس الله روحه وإنما غلب على الصلح‏.‏

  ذكر مشورة ضربها في التخيير بين الصلح بين الأنكتار والمركيس

ولما كان حادي عشر شوال جمع السلطان الأمراء والأكابر وأرباب المشورة وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من جانبه عليها وهي أخذ صيدا وأن يكون معنا على الإفرنج ويقاتلهم ويجاهرهم بالعدوان وذكر ما التمسه الملك من تقرير قاعدة الصلح وهي أن تكون لنا من القرى الساحلية مواضع معينة وتكون لنا الجبليات بأسرها أو تكون القرى كلها مناصفة وعلى هذين القسمين يكون لهم قسوس فيبيع القدس الشريف وكنائسه‏.‏

وكان الأنكتار قد خيرنا بين هذين القسمين فشرح قدس الله روحه الحال في القاعدتين للأمراء واستنبط آراءهم في ترجيح أحد الحالين فرأى أرباب الرأي أنه إن كان صلح فليكن مع الملك فإن مصافاة الإفرنج للمسلمين بحيث يخالطوهم بعيدة غير مأمونة الغائلة‏.‏

وانفض الناس وبقي الحديث متردداً في الصلح والرسل تتواتر في تقرير قواعد الصلح‏.‏

وأصل التقاعد أن الملك قد بذل أخته للملك العادل بطريق النرويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية لهما فأما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال‏:‏ إن معاشر دين النصرانية قد أنكروا علي وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمه وها أنا أسيّر رسولاً يعود في ستة أشهر فإن أذنت فيها ونعمت وإلا زوجتك ابنة أخي وما أحتاج إلى إذنه في ذلك‏.‏

هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عليهم ضربة لازم وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان ويشرف على الإفرنج وهم كلما رأوه تحركوا لطلب الصلح خوفاً من أن ينضاف المركيس إلى المسلمين وعند ذلك تنكسر شوكتهم ولم يزل الحال كذلك إلى خامس عشر شوال‏.‏

ذكر رحيله رحمه الله إلى تل الجزر ولما كان ذلك اليوم أصبح الملك على عزم الرحيل وأحضر أرباب الرأي وشاورهم في جواب رسالة القوم وعرض عليهم حديثه وذكر ما عندهم في ذلك وأحضر الرسل وكان ابن الهنغري يترجم بينه وبين البحرين واستقرت القاعدة على أن ينفذ معهم رسولين‏:‏ رسولاً من جانبه ومن جانب العادل الآخر لأن الحديث كان يتعلق به وكان من جملة من رسالتهم أن البابا إن أذن في هذا العقد تم وإن لم يأذن زوجنا الملك العادل بابنة أخي الملك وهي بكر وذكروا أن من ينهم أن البابا إنما يحتاج إلى إذنه في تزويج الثيب من بنات الملوك وأما الأبكار فيزوجها أهلها‏.‏

وانفصل الحال على ذلك وسارت الرسل إلى خيم الملك العادل ليجهز رسول السلطان ويلحقه ثم وصل بعد ذلك من اليزك من أخبر أن الفرنج قد انتشر منهم راجل كثير وخرجوا عن الأسوار التي لهم ولم يظهر لخروجهم غائلة وسار رحمة الله عليه إلى تل الجزر لارتياد اليزك وتبعه الناس في الرحيل فما كان الظهر إلا ورحل الناس إلى السلطان ونزلنا بتل الجزر‏.‏

ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين وأقام السلطان بتل الجزر ثم رحل إلى جهة القدس الشريف ورحل الإفرنج إلى جهة بلادهم واشتد الشتاء واعظمت الأمطار وسار السلطان إلى القدس الشريف وأعطى العسكر دستوراً وأقمنا بالقدس في ذلك الشتاء أجمع‏.‏

وعاد العدو إلى بلادهم ووصل الأنكتار عساكره إلى يافا وعاد إلى عكا ينظر في أحوالها فأقام مدة ثم وصل منه رسول يقول إني أوثر الاجتماع بالملك العادل ففيه مصلحة تعود على الطائفتين فقد بلغني أن السلطان فوض أمر الصلح إلى أخيه الملك العادل فاتفق الرأي في مضي الملك العادل على أنه يمضي بحيث يجتمع بعساكرنا التي في الغور وكوكب وتلك النواحي ويحدثه ويقول له أن الحديث جرى بيننا مراراً وما أسفر عن مصلحة فإن كانت هذه الدفعة كتلك الدفعات فلا حاجة إلى الحديث وإن كان الغرض بت حال فقارب الحال وأنا لا أجتمع بك إلا أن رأي ما يقارب فصل الحال وقرر مع الملك العادل أن رأى ما يمكن معه فصل الحال وإلا طاوله وماطله إلى أن تصل العساكر من الأطراف فالتمس الملك العادل تذكرة تتضمن إنهاء ما ينفصل الحال عليه فكتب تذكرة فيها المناصفات وذكر فيها من أمر بيروت أنه أصر على طلبها وأن نعطي صليب الصلبوت ويكون لهم في القمامة قس ويفتح لهم باب زيارتها بشرط أن لا يحملوا السلاح وكان الحامل على ذلك ما أخذ الناس من تعب مواظبة الغزاة وكثرة الديون والبعد عن الأوطان فإن من الناس من كان لا يفارق السلطان ولا يمكنه طلب دستور منه‏.‏

  ذكر مسير الملك العادل

وكان مسيره من القدس الشريف عصر الجمعة رابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ثم وصل كتابه من كيسان يخبر أنه لقيه الهنغري مع الحاجب أبي بكر رسولاً من الأنكتار يقوا إنا قد وافقنا على قسمة البلاد وأن كل من في يده شيء فهو له فإن كان ما في أيدينا زائداً أخذتم في مقابله ما يقابل الزيادة مما يخصنا وإن كان ما في أيديكم أكثر فعلنا كذلك ويكون القدس لنا ولكم فيه الصخرة‏.‏

هكذا كان مضمون الكتاب‏.‏

فأوقف السلطان عليه الأمراء فاستصوب ذلك الأمير أبو الهيجاء ورأى من حال هذا المقال أن يوافق عليه الملك العادل وهو مصلحة‏.‏

وسار الجواب إلى الملك العادل في ذلك‏.‏

ولما كان حادي عشر ربيع الأول وصل الحاجب أبو بكر صاحب الملك العادل يخبر أن الأنكتار سار إلى يافا من عكا وأن الملك العادل ما رأى أن يجتمع بخ إلا عن قاعدة منفصلة وأنه جرى بين هذا الحاجب وبين الأنكتار مفاوضات كثيرة حاصلها أنه نزل على أن تكون الصخرة لنا والقلعة في أيدينا والباقي مناصفة وأن لا يكون في البلد منهم مذكور وأن تكون قرى القدس وباطنه مناصفة ثم قدم الملك العادل في سادس عشر ربيع الأول من الغور ولقيه السلطان وحكى ما سبق من الخبر‏.‏

وفي بقية ذلك اليوم وصل من أخبر أن الإفرنج أغاروا على حلة عرب قريبة من الدارون وأنهم أخذوا منهم جماعة وأنهم أخذوا منهم زهاء ألف رأس غنم فعظم ذلك على السلطان وشق عليه فسير جماعة فلم تلحقهم‏ .

ذكر انفصال رسول المركيس

وكان قد وصل يوسف غلام صاحب صيدا رسولاً من جانب المركيس يلتمس الصلح مع المسلمين فاشترط رحمه الله عليه شروطاً منها أن يقاتل جنسه ويباينهم‏.‏

ومنها أن ما يأخذه من البلاد الإفرنجية بعد الصلح بانفراده يكون له وما نأخذه نحن بانفرادنا يكون لنا وما نتفق نحن وهو على أخذه تكون له نفس البلد ويكون لنا ما فيه من أسرى المسلمين وغير ذلك من الأموال‏.‏

ومنها أن يطلق لنا كل أسير مسلم في مملكته‏.‏

ومنها أن فوض الأنكتار إليه أمر البلاد أمر يجري بينهم كان الصلح بيننا وبينه على ما استقر بيننا وبين الأنكتار ما عدا عسقلان وما بعدها فلا يدخل في الصلح وتكون الساحليات له وما في أيدينا لنا وما في الوسط مناصفة وسار رسوله على هذه القاعدة‏.‏

ولما كان يوم الاثنين الثامن والعشرون من ربيع الأول وصل أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه ووصل جريدة مقدماً على عسكره‏.‏

  ذكر خروج سيف الدين المشطوب من الأسر

وكان وصوله إلى القدس الشريف يوم الخميس مستهل جمادى الآخرى‏.‏

دخل على السلطان بغتة وعنده أخوه الملك العادل فنهض له وعانقه وسر به سروراً عظيماً وأخلى المكان وتحدث معه بطرف من أحاديث العدو وسأله عن حديث الصلح فذكر أن الأنكتار سكت عنه‏.‏

وفي هذا اليوم كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل أن يسير إلى قاطع الغزاة ويستلم البلاد من الملك المنصور بن الملك المظفر وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف من السلطان على نفسه وأظهر ذلك ودخل في أمره الملك العادل وسير إلى الملك العادل حتى يتحدث في أمره‏.‏

وكان ذلك قد شق على السلطان وأثار منه غيظاً عظيماً كيف يكون هذا الأمر من أهله ولم يكن أحد من أهله خاف منه ولا طلب يمينه وهذا كان السبب في توقف الأنكتار في الصلح فإنه ظن أن خلافه يكدر للسلطان شرب الغزاة ويحوجه إلى الموافقة على ما يرضاه فأنفذ إلى الملك الأفضل أن يسير إلى البلاد وكتب إلى الملك الظاهر بحلب المحروسة أن أخاه إن احتاج إلى معونة عاونه وجهزه بحملة كبيرة وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكراماً عظيماً وعمل له ضيافة تامة وقدم بين يديه تقدمة سنية‏.‏

وعدنا إلى حديث العدو‏.‏

  ذكر عودة رسول صور

ولما كان سادس ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وصل يوسف من جانب المركيس يجدد حديث الصلح ويقول قد انفصل الحال على شيء بينه وبين الإفرنجية فإن نجز في هذه الأيام سارت الفرنسيسية في البجر وإن تأخر بطل الحديث في الصلح بالكلية فرأى السلطان الصلح مع المركيس مصلحة لاشتغال قلبه من جانب الشرق وخاف أن يتصل ابن تقي الدين بكتمر فيحدث من ذلك ما يشتغل الخاطر من الجهاد فأجاب إلى ملتمس المركيس وكتب مع صاحبه مواضعة علة نعت ما تقدم وسار يوسف الرسول بالجواب تاسع ربيع الآخر‏.‏

ذكر قتل المركيس ولما كان السادس عشر من الشهر وصل من الرسول المنفذ إلى المركيس كتاب أن المركيس قتل وعجل الله بروحه إلى النار وكانت صورة قتله أنه تقدم يوم الثلاثاء ثالث عشر عند الأسقف ثم خرج فقفز عليه اثنان من أصحابه بالسكاكين وكان خفيفاً من الرجال فما زالا يضربانه حتى عجل الله بروحه إلى النار وأمسك الشخصان وسئلا عن هذا الأمر ومن حضهما عليه فقالا‏:‏ إن الأنكتار حملنا عليه وقام بالأمر اثنان فحفظا القلعة إلى أن اتصل الخبر بالملوك وانعقد الأمر وتدبر المكان‏.‏

  ذكر تتمة خبر الملك المنصور وما جرى له

وذلك أنه لما بلغه مؤاخذة السلطان أنفذ إلى الملك العادل رسولا يشفع به ليطيب قلب السلطان ويقترح عليه أحد قسمين إما حرّان والرها وسميساط وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة مع كفالة أخوته فراجع الملك العادل السلطان مراراً فلم يجبه إلى شيء من ذلك فكثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء وهزت شجر رأفة منه فرجع خلقه النبوي وحلف له على حران والرها وسميساط على أنه إذا عبر الفرات أعطي المواضع أفرجها وتكفل أخوته ويتخلى عن تلك المواضع التي في يده ودخلت تحت ضمان الملك العادل ثم التمس الملك العادل خط السلطان ثانياً ولج عليه فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر وانفصل الحال وانقطع الحديث وكنت المتردد بينهما في ذلكن وأخذ الغيظ السلطان كيف يخاطب بمثل ذلك من جانب أولاد أولاده‏.‏

  ذكر قدوم رسول ملك الروم

ولما كان مستهل جمادى الأولى وصل رسول من قسطنطينية الكبرى والتقى بالاحترام والإكرام ومثل بالخدمة السلطانية في ثالث الشهر وكانت رسالته تشتمل على مطالب منها صليب الصلبوت ومنها أن تكون القمامة بيد قسوس من جانبه وكذا سائر كنائس القدس ومنها أن يكون الاتفاق معه على أن يكون عدوّ من عاداه وصديق من صادقه وأن يوافق على قصد جزيرة قبرص فأقام عنده يومين ثم سيّر معه رسولً يقال له ابن البزاز من الديار المصرية وأجيب بالمنع عن جميع مقترحاته وقيل إن الصليب قد بذل فيه ملك الكرج مائتي ألف دينار فلم يجب إلى ذلك‏.‏

  ذكر ما جرى للملك العادل

في البلاد التي هي قاطع الفرات

وذلك أنه لما سار الملك الأفضل رقق الملك العادل قلب السلطان على ابن تقي الدين وقد كثر الحديث في معناه وأنفذني السلطان لمشاورة الأمراء في خدمة الملك العادل في أمره فجمعهم في خدمته فذكرت لهم ما راسلني فيه إليهم فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهيجاء للجواب وقال نحن عبيده ومماليكه وذلك صبي وربما حمله خوفه أن انضاف إلى جانب آخر ونحن لا نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار فإن أراد أننا نقاتل المسلمين صالحنا الكفار وسرنا إلى ذلك الجانب وقاتلنا بين يديه وإن أراد منا ملازمة الغزاة صالح المسلمين وسامحهم‏.‏

وهذا كان جواب الجميع فرق السلطان وجدد نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها وأعطاه خطه بما استقر من القاعدة‏.‏

ثم إن الملك العادل التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين بعد استقلاله وجرت مراجعات كثيرة في العوض عنها وكنت الرسول بينهما وكان آخر ما استقر أنه يسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات ما عدا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء وحاصه بمصر بعد النزول عن الجيزة وعليه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى المقدس والمغل في السنة المذكورة في مواضعه له ومغل قاطع الفرات في هذه السنة للسلطان أيضاً وأخذ خط السلطان بذلك وسار بنفسه يصلح أمر ابن تقي الدين ويطيب قلبه وكان مسيره في ثامن جمادى الأولى‏.‏

وكان الإفرنج خذلهم الله تعالى لما رأوا أن السلطان قد أعطى العساكر دستوراً وتفرقت العساكر عنه نزلوا على الدارون طمعاً فيه وكان بيد علم الدين قيصر وفيه نوابه‏.‏

ولما كان يوم تاسع جمادى الأولى اشتد زحف العدو على المكان راجلاً وفارساً وكان الأنكتار قد استنفذ من نوبة عكا نقابين جبليين فتمكنوا من نقب المكان وأحرقوا النقب وطلب أهل الحصن مهلة بحيث يشاورون السلطان فلم يمهلوهم واشتدوا في القتال عليه فأخذوه عنوة واستشهد فيه من قدر الله له ذلك وأسر من قدر له ذلك وكان ذلك قدراً مقدّراً‏.‏

ذكر قصدهم لمجدل يابا ولما استولى الإفرنج على الدارون ساروا بعد أن قرروا أمره ووضعوا فيه من اختاروا حتى نزلوا على منزلة يقال لها الحسي وهي قريب من جبل الخليل عليه السلام وذلك رابع عشر جمادى الأولى فأقاموا عليه ثم تأهبوا بقصد حصن يقال له مجدل يابا فأتوه جريدة وخلفوا خيامهم في منزلتهم وكان بها عسكر إسلامي فلقيهم وجرى بينهم قتال عظيم وقتل من العدو كند مذكور واستشهد من المسلمين فارس واحد كان سبب قتله أنه وقع رمحه فنزل ليأخذه فمنعه فرسه الركوب فبادروه وقتلوه وعادوا إلى خيامهم بقية اليوم خائبين ولله الحمد‏.‏

ولما كان سادس عشر جمادى وصل كتاب من حسام الدين بشارة يذكر أنه تخلف في صور مائة راكب وانضم إليهم من عكا خمسون وطمعوا فخرجوا لشن الغارات على البلاد الإسلامية فوقع عليهم العسكر المرصد لحفظ البلاد من ذلك الطرف وجرى بينهم قتال شديد وقتل من العدو خمسة عشر نفراً ولم يقتل من المسلمين أحد وعادوا خائبين ولله الحمد‏.‏

ذكر قدوم العساكر الإسلامية للجهاد ولما رأى السلطان ما جرى من العدو من التنبط سير إلى العساكر من سائر الأطراف أن يسابقوا إلى الحضور وكان أول قادم بدر الدين دلدرم مع خلق كثير من التركمان فلقيه السلطان واحترمه ووصل بعده عز الدين بن المقدم في سابع عشر جمادى الأولى بعسكر حسن وآلات جميلة ففرح بها السلطان‏.‏

وأما العدو فإنه رحل من الحسي ونزل على مفرق طرق منها طريق عسقلان وطريق إلى بيت جبرين وإلى غير ذلك من الحصون الإسلامية ولما بلغ السلطان ذلك أمر العساكر أن سارت نحوه فخرج أبو الهيجاء السمين وبدر الدين دلدرم وابن المقدم وتتابعت العسكر وتخلف هو في القدس لنوع التياث كان عرض له فلما أحس العدو المخذول بظهور العساكر الإسلامية عاد خائباً خاسراً ناكصاً على عقبيه ووصلت الكتب من الأمراء مخبرين برحيل العدو إلى عسقلان‏.‏

ذكر تعبية العدو لقصد القدس الشريف ولما كان يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى وصل قاصد من العسكر يخبر أن العدو قد خرج في راجله وفارسه وسواد عظيم وخيم على تل الصافية فسير السلطان إلى العساكر الإسلامية ينذرها ويحذرها واستدعى الأمراء جريدة إليه ليعقدوا رأياً فيما يقع العمل بمقتضاه فوصل ورحل العدو من تل الصافية إلى جانب النطرون فنزل شماليه وذلك في السادس عشر من جمادى الأولى وكانت قد سارت من عرب الإسلام جماعة للغزاة على يافا فوصلوا بليل من غير علم بحركة العدو فنزلوا في بعض الطريق يقسمون فوقعت عليهم عساكر العدو فأخذوهم وهرب منهم ستة نفر فوصلوا إلى السلطان وأخبروه الخبر ووصلت الجواسيس وتواترت الأخبار من جانب العدو أنه مقيم بالنطرون لنقل الأزواد والآلات التي تدعو الحاجة إليها في الحرب فإذا حصل عندهم ما يحتاجون إليه قصدوا القدس الشريف حرسه الله تعالى‏.‏

وفي يوم الأربعاء وصل منهم رسول صحبته غلام كان للمشطوب عندهم يحدث في ذكر نزولهم في بيت نوبة وهو موضع وطأة بين جبال يبنا بينه وبين القدس مرحلة رحل العدو من النطرون يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى ونزلوا بيت نوبة‏.‏

ولما عرف السلطان ذلك استحضر الأمراء وضرب المشورة فيما يفعل فكانت خلاصة الرأي أن يقسم الأسوار على الأمراء ويخرج ببقية العسكر جريدة إلى جهة العدو فإذا عرف كل قوم موضعهم من السور استعدوا فإن دعت الحاجة إليهم خرجوا وإن دعت الحاجة إلى ملازمة مواضعهم لازموها فكتبت الرقاع وسيرت الأمراء‏.‏

وكانت طريق يافا سابلة لمن ينقل الميرة إلى العدو فأمر السلطان من في اليزك أن يعمل معهم ما يمكنه وكان في اليزك بدر الدين دلدرم فكمن حول الطريق جماعة جيدة فمرّ بهم جمع من خيالة العدو ويحمون قافلة تحمل ميرة فاستضعفوهم فحملوا عليهم وجرى قتال عظيم كانت الدائرة فيه على العدو وقتل منهم ثلاثون نفراً وأسر جماعة ووصل الأسارى في التاسع والعشرين من جمادى الأولى إلى القدس وكان لدخولهم وقع عظيم وجرى على العدو من ذلك وهن كبير وقويت قلوب اليزكية وانبعثت همومهم حتى حملوا على العسكر ونزلوا إلى أطراف الخيم ولله الحمد‏.‏

ولما علم المسلمون أن القوافل لا تنقطع خرج جماعة وأخذوا معهم عرباً كثيراً وكمنوا كميناً واجتازت القافلة ومعها جماعة كثيرة فخرجت العرب على القافلة وتبعتهم الخيالة فدحروا بين أيديهم منهزمين نحو المسلمين فخرجت الأتراك عليهم فأخذوا وقتلوا وجرح من الأتراك جماعة وذلك في ثالث جمادى الآخرة‏.‏

  ذكر أخذ قافلة مصر حرسها الله تعالى

وذلك أنه كان قد تقدم إلى عسكر مصر بالمسير وأوصاهم بالاحتراز والاحتياط عند مقاربة العدو فأقاموا ببلبيس أيّاماً حتى اجتمعت القوافل إليهم واتصل خبرهم بالعدو ثم ساروا طالبين البلاد والعدو يترقب أخبارهم ويتوصل إليها بالعرب المفسدين‏.‏

ولما تحقق العدو خبر القوافل أمر عسكره بالاحتياط والتحفظ وسار حتى أتى تل الصافية فبات ثم سار حتى أتى الصافية ثم علق على خيله فئة وسار حتى أتى ماء يقابل حسي واتصل خبر نهضة العدو بالسلطان فأنفذ بنذير للقافلة وكان المندوب لذلك الأمير أخر أسلم والطنبا العادلي وجماعة من الفرسان المذكورين وأمرهم أن يبعدوا بالقافلة في البرية ويتباعدوا عن العدو ما أمكن فاتفق أن العسكر وصل الحسي قبل وصول العدو عليه فلم يقيموا عليه وساروا حتى وصلوا القفل والعسكر المصري فأتوا بالقفل على ذلك الطريق ثقة منهم بأنهم لم يجدوا فيه ذاعراً ولا أحسوا فيه بمخوف فرغبوا في قرب الطريق وسلكوا بالناس هذا الطريق حتى وصلوا إلى ماء الخويلفة وتفرق الناس لأجل الماء فأخبر العرب العدو بذلك وهو نازل برأس الحسي فقام من وقته وسرى حتى أتاهم قبيل الصبح وكان مقدم العسكر فلك الدين أخو الملك العادل لأمه فأشار أسلم بالمسير ليلاً للطريق واستظهارا بالصعود إلى الجبل فخاف فلك الدين أنه إن رحل بالليل جرى أمر على القافلة لتبددها فنادى في الناس أن لا يرحلوا إلى الصباح‏.‏

وأما الأنكتار فبلغنا أنه لما بلغه الخبر لم يصدقه وركب مع العرب بجمع يسير وسار حتى أتى القفل فطاف حوله في صورة عربي ورآهم ساكنين قد غشيهم النعاس فعاد واستركب عسكره وكانت الكبسة قريب الصباح فبغت الناس ووقع عليهم بخيله ورجله وكان الشجاع هو الذي ركب فرسه ونجا بنفسه وانهزم الناس إلى جهة القفل والعدو يتلوهم فلما رأوا القفل أعرضوا عن قتال العسكر وطلبوا القفل فانقسم القفل ثلاثة أقسام قسم قصدوا الكرك مع جماعة من العرب وعسكر الملك العادل وقسم أوغلوا في البرية مع جماعة من العرب أيضاً‏.‏

وقسم استولى عليهم العدو فساقهم بجمالهم وأحمالهم وجميع ما كان معهم وكانت وقعة شنعاء لم يصب الإسلام بمثلها من مدة مديدة‏.‏

وكان في العسكر المصري جماعة من المذكورين كحسين الجراحي وفلك الدين وبني الجاولي وغيرهم من المذكورين‏.‏

وقتل من العدو زهاء مائتي فارس على رواية وعشرة انفس على رواية‏.‏

ولم يقتل من المسلمين معروف سوى الحاجب يوسف وابن الجاولي الصغير فإنهما استشهدا إلى رحمة الله تعالى وتبدد الناس في البرية ورموا أموالهم وكان السعيد منهم من نجا بنفسه وجمع العدو ما أمكنهم جمعه من الخيل والبغال والجمال والأقمشة وسائر أنواع الأموال وكلف الجمالين خدمة الجمال والخربندية خدمة البغال والساسة خدمة الخيل وسار في جحفل من الغنية يطلب عسكره فنزل على الخويلفة فاستقى منها ثم سار حتى أتى الحسي‏.‏

ولقد حكى لي من كان أسيراً معهم في تلك الليلة وقع فيهم الصوت أن عسكر السلطان قد قصدهم فتركوا الغنيمة وانهزموا وبعدوا عنها زمانا ولما انكشف لهم أن العسكر لم يلحقهم عادوا إلى الرحل وهرب في تلك الغيبة جمع من أسارى المسلمين وكان الحاكي منهم فسألته بكم حزرتم الجمال والخيل فاخبر أن الجمال تناهز ثلاثة آلاف والأسارى خمسمائة وتقرب من ذلك عدة الخيل‏.‏

وكانت هذه الوقعة صبيحة الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة ووصل الخبر إلى السلطان في عشية ذلك اليوم بعد العشاء الآخرة وكنت جالساً في خدمتهن وأوصل الخبر شاب من الإصطبلية فما مرّ بالسلطان خبر أنكى منه في قلبه ولا أكثر تشويشاً لباطنه وأخذت في وكان أصل هذه القضية أن الأمير أسلم أشار عليهم أن يصعدوا الجبل فلم يفعلوا فصعد هو وأصحابه فلما وقعت الكبسة كان هو على الجبل فلم يصل إليه أحد من العدو ولم يشعروا به‏.‏

ولما انهزم المسلمون تبعتهم خيالة الإفرنج وأقام الرجالة منهم يستولون على ما تخلّف من المسلمين من الأقمشة ولما تحقق الأمير أسلم أن الخيالة قد بعدت عن الرجالة نزل إليهم بمن معه من الخيالة وكبسهم من حيث لم يشعروا وقتلوا منهم جماعة وغنموا منهم دواب من جملتها بغلة كانت تحت هذا القاصد‏.‏

ثم سار العدو يطلب خيامه فكان وصوله إلى المخيم يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة وكان يوماً عظيماً عندهم أظهروا فيه من السرور وأسبابه ما لا يمكن وصفه وأعادوا خيمهم إلى الوطأة على بيت نوبة وصح عزمهم على القدس وقويت نفوسهم بما حصلوا عليه من الأموال والجمال التي كانت تحمل الميرة والزاد الواصلة من مصر مع عسكرها ورتبوا جماعة على لد يحفظون الطريق على من ينقلون الميرة وأنفذوا الكند هري إلى صور وطرابلس وعكا يستحضر من فيها من المقاتلة ليصعدوا إلى القدس ولما عرف السلطان ذلك منهم عاد إلى الأسوار فقسمها على الأمراء وتقدم إليهم بتهيئة أسباب الحصار واخذ في إفساد المياه بظاهر القدس وتخريب الصهاريج والجباب بحيث لم يبق حول القدس ماء يشرب أصلا وأطنب في ذلك إطناباً عظيماً وأرض القدس لا يطمع في حفر بئر بها فيها ماء معين لأنها جبل ذكر قدوم الملك الأفضل وأمره بالعود عن تلك البلاد وكان قد وصل إلى حلب المحروسة ولما وصل أمر السلطان غليه بالعود عاد مع انكسار في قلبه وتشويش في باطنه فوصل إلى دمشق مستعتباً ولم يحضر إلى خدمة السلطان فلما اشتد خبر الإفرنج سيّر غليه وطلبه فما وسعه التأخر فسار مع من كان قد وصل من العساكر الشرقية إلى دمشق وكان وصله في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة ولقيه السلطان قريباً من العازرية فترجل له جبراً لقلبه وتعظيماً لأمره وسار وفي خدمته أخوه الملك الظافر وقطب الدين إلى ظاهر القدس‏.‏

  ذكر عود العدو إلى بلادهم وسبب ذلك

ولما كانت ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة استحضر السلطان الأمراء عنده فحضر الأمير أبو الهيجاء السمين بمشقة عظيمة وجلس على كرسي في خيمة السلطان وحضر المشطوب والأسدية بأسرهم وجماعة الأمراء ثم مرني أن أكلمهم وأحثهم على الجهاد فذكرت ما يسّره الله من ذلك‏.‏

وكان مما قلته أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما اشتد به الأمر بايعه الصحابة رضي الله عنهم على الموت في لقاء العدو ونحن أولى من تأسّى به صلّى الله عليه وسلّم والمصلحة الاجتماع عند الصخرة والتحالف على الموت ولعل ببركة هذه النية يندفع هذا العدو فاستحسن الجماعة ذلك ووافقوا عليه ثم شرع السلطان بعد أن سكت زماناً في صورة مفكر والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير فقال‏:‏ الحمد لله والصلاة على رسول الله اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم معلقة بذممكم وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من تلقاه إلاّ أنتم فإن وليتم بأنفسكم والعياذ بالله طوى البلاد طي السجل للكتاب وكان ذلك في ذمتكم فإنكم أنتم الذين تصدّيتم لهذا وأكلتم مال بيت المال فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام‏.‏

فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال‏:‏ يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك وأنت أنعمت علينا وكبرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وليس لنا إلا رقابنا وهي بين يديك والله لا يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن نموت‏.‏

فقال الجماعة مثل ما قال‏.‏

فانبسطت نفسه بذلك المجلس وطاب قلبه وأطعمهم ثم انصرفوا وانقضى يوم الخميس على أشد حال التأهب والاهتمام حتى كانت العشاء الآخرة وجميعنا في خدمته على العادة وسهرنا حتى مضى من الليل هزيع وهو غير منبسط على عادته ثم صلينا العشاء وكانت العشاء هي الدستور العام فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني فلما جلست في خدمته قال لي علمت ما الذي تجدد قلت‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ إن أبا الهيجاء السمين أنفذ إليّ اليوم وقال أنه اجتمع عنده جماعة من المماليك وأنكروا علينا مواقفنا على الحصار وقالوا لا مصلحة في ذلك فإنا نخاف أن نحصر ويجري علينا مثل ما جرى على عكا وحينئذ تؤخذ بلاد الإسلام أجمع والرأي أن نلقى مصاف فإن قدّر الله تعالى أن نهزمهم ملكنا بقية بلادهم‏.‏

وإن تكن الأخرى يسلم العسكر ويمض القدس وقد حفظ الإسلام بعساكره مدة بغير القدس وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال فشقت عليه هذه الرسالة‏.‏

وأقمت تلك الليلة في خدمته وهي من الليالي التي أحييتها في سبيل الله‏.‏

وكان مما قالوه في الرسالة إن أردت أن نقيم فتكون معنا أنت أو بعض أهلك وإلاّ فالأكراد لا يدينون للأتراك والأتراك كذلك فانفصل الحال على أن يقيم من أهله مجد الدين بن فخروشاه وصاحب بعلبك‏.‏

وكان رحمه الله يحدث نفسه بالمقام ثم صرف رأيه عنه لما فيه من الخطر على الإسلام فلما أن قارب الصبح وأشفقت عليه خاطبته في أن يستريح ساعة وانصرفت عنه فما وصلت إلا والمؤذن قد أذّن فأخذت في أسباب الوضوء فما فرغت إلا والصبح قد طلع فعدت إلى خدمته وهو يجدد الوضوء فصلينا ثم قلت له قد وقع لي واقع أعرضه قال وما هو قلت‏:‏ من كثر اهتمامه بما قد حمل على نفسه وقد عجزت أسبابه الأرضية ينبغي له أن يرجع إلى الله وهذا يوم الجمعة وهو أبرك أيام الأسبوع فيه دعوة مستجابة ونحن في أبر موضع فالسلطان يغتسل ويتصدق بصدقة خفية بحيث لا يشعر أحد أنها منه ويصلي بين الأذان والإقامة ركعتين يناجي فيهماربه ويفوض مقاليد أموره إليه ويعترف بالعجز عما تصدق له فلعل الله يرحمه ويستجيب دعاءه‏.‏

وكان حسن العقيدة تام الإيمان يتلقى الأمور الشرعية بأكمل انقياد‏.‏

ثم انفصلنا فلما جاء وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى فصلى ركعتين ورأيته ساجداً وهو يذكر كلمات ودموعه تتقاطر على مصلاه ثم انقضت الجمعة بخير ولما كانت عشيتها ونحن في خدمته على العادة وصلت رقعة من جرديك وكان في اليزك وكان جملة ما فيها أن القوم ركبوا بأسرهم ووقفوا في التل وقت الظهيرة ثم عادوا إلى خيامهم وقد سيّرنا جواسيس تكشف أخبارهم‏.‏

ولما كانت صبيحة السبت وصلت رقعة أخرى يخبر فيها أن الجواسيس رجعوا وأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس وقالوا نحن إنما جئنا من بلادنا بسبب القدس ولا نرجع دونه‏.‏

وقال الأنكتار إن هذا الموقع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء أصلا فمن أين نشرب فقالوا له نشرب من نهر نقوع بينه وبين القدس مقدار فرسخ فقال كيف نذهب إلى السقي فقالوا ننقسم قسمين قسم يركب إلى السقي وقسم يبقى على البلد في المنازلة ويكون الشرب في اليوم مرة فقال الأنكتار‏:‏ إذاً يؤخذ العسكر البراني الذي يذهب مع الدواب ويخرج عسكر البلد على الباقين ويذهب دين النصرانية فانفصل الحال على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم وحكم الثلاثمائة اثني عشر وحكم الإثنا عشر ثلاثة منهم وقد بانوا على حكم الثلاثة فما أمروا به فعلوه فلما أصبحوا حكموا بالرحيل فلم تمكنهم المخالفة وأصبحوا في بكرة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة راحلين نحو الرملة وعلى أعقابهم ناكصين ولله الحمد‏.‏

ومضى عسكرهم شاكياً السلاح ولم يبق في المنزلة إلا الآثار ثم نزلوا الرملة وتواترت الأخبار بذلك فركب السلطان وركب الناس وكان يوم سرور وفرح‏.‏

  ذكر رسالة الكندهري

ولما فرغ بال السلطان برحيل العدو حضر رسول الكندهري يقول أن الأنكتار قد أعطاني البلاد الساحلية وهي الآن لي فأعد علي بلادي حتى أصالحك وأكون أحد أولادك فغضب السلطان لذلك غضباً عظيماً بحيث أنه كاد يبطش به فأقيم بين يديه فسأل أن يمهل ليقول كلمة أخرى فأذن له في ذلك فقال يقول إن البلاد في يدك فما الذي تعطيني منها فانتهزه وأقامه‏.‏

ولما كان اليوم الثالث والعشرين حضر الرسول وكان جوابه أن يكون الحديث بيننا في صور وعكا على ما كان مع المركيس ثم وصل بعد ذلك الحاجب يوسف صاحب المشطوب من عند الإفرنج وذكر أن الأنكتار أحضره وأحضر الكندهري وأخلى المجلس وقال له قيل لصاحبك أنّا قد هلكنا نحن وأنتم والأصلح حقن الدماء ولا ينبغي أن تعتقد أن ذلك لضعف مني بل للمصلحة ولا تغتر بتأخري عن منزلي فالكبش يتأخر لينطح وأن يكون هو الواسطة بينهم وبين السلطان وأنفذ مع الحاجب شخصين يسمعان الكلام من المشطوب وكان ظاهر الحال الكلام في إطلاق بهاء الدين قراقوش وباطنه في معنى آخر وأخبر الحاجب أنهم رحلوا عن الرملة قاصدين يافا وأنهم على غاية الضعف والعجز عن قصد مكان آخر فاستحضر المشطوب من نابلس لسماع الرسالة وكان الجواب إلى الكندهري أن نعطي عكا ونصالحه على مال ويتركنا والأنكتار على بقية البلاد‏.‏

وكان رحمه الله قد جعل في مقابلة عكا عسكراً خشية خروج العدو إلى النواحي التي تليها فلما كان الثاني والعشرون خرج العدو من عكا غائرين على ما يليها من البلاد والرساتيق فثارت عليهم الكمينات من الجوانب وكان قد شعر العسكر الإسلامي بخروجهم فكمن لهم فأخذوا منهم جماعة وقتلوا جماعة ولله الحمد‏.‏

  ذكر عود رسولهم في معنى الصلح

ولما كان يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر عاد رسولهم صحبة الحاجب يوسف وقد حمل رسالة يؤديها بحضور صاحبهم وهي أن الملك الأنكتار يقول إني راغب في مودتك وصداقتك وأنه لا يريد أن يكون فرعون بملك الأرض ولا يطن ذلك فيك ولا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم ولا يجوز لي أن أهلك الإفرنج كلهم وهذا ابن أختي الكندهري قد ملكته هذه الديار وسلمته إليك ليكون هو وعسكره تحت حكمك ولو استدعيتهم إلى الشنق سمعوا وأطاعوا ويقول إن جماعة من الرهبان المنقطعين قد طلبوا منك كنائس فما بخلت عليهم وأنا أطلب منك كنيسة وتلك الأمور التي كانت تضيق صدرك مما كان يجري في المراسلة مع الملك العادل تركتها وأعرضت عنها ولو أعطيتني مقرعة أو خربة قبلتها‏.‏

فلما سمع السلطان هذه الرسالة جمع أرباب الرأي وأصحاب مشورته وسألهم عما يكون الجواب لهذه الرسالة فما منهم إلا من أشار بالمحاسنة وعقد الصلح لما كان قد أخذ المسلمين من الضجر والتعب وعلاهم من الديون‏.‏

واستقر الحال على هذا الجواب‏.‏

إذا دخلت معنا هذا الدخول فما جزاء الإحسان إلا الإحسان إن ابن أختك يكون عندي كبعض أولادي وسيبلغك ما فعل معه وأنا أعطيك أكبر الكنائس وهي القمامة وأما بقية البلاد فنقسمها فالساحلية التي بيدك تكون بيدك والذي بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا وما بين العملين يكون مناصفة وعسقلان وما وراءها يكون خراباً لا لنا ولا لكم وإن أردتم قراها كانت وانفصل الرسول طيب النفس وذلك في ثاني يوم قدومه وهو الثامن والعشرون واتصل الخبر بعد وصول الرسول إليهم أنهم راحلون إلى عسقلان طالبون جهة مصر ووصل رسول من جانب قطب الدين بن قليج أرسلان يقول إن البابا قد وصل إلى القسطنطينية في خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وقال الرسول إني قتلت في الطريق اثني عشر فارساً‏.‏

ويقول تقدم إلى من يستلم بلادي مني فإني قد عجزت عن حفظها فلم يصدق السلطان هذا الخبر ولم يكترث به‏.‏

  ذكر عود رسول الإفرنج ثالثاً

ولما كان التاسع والعشرون وصل الحاجب صاحب المشطوب ومعه جفري رسول الملك فقال إن الملك شكر إنعام السلطان وقال إن الذي أطلبه منك أن يكون لنا في قلعة القدس عشرون رجلاً وأن من سكن من النصارى والإفرنج لا يتعرض إليهم وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة والبلاد الجبلية لكم‏.‏

وأخبرنا الرسول من عند نفسه مناصحة أنه قد نزل عن حديث القدس ما عدا الزيارة ولكن يقول ذلك تصنعاً لضعفنا وأنهم راغبون في الصلح وأن الأنكتار لا بد له من الرواح إلى بلده وأقام يوم الاثنين سلخ الشهر وكان معه في هذه الدفعة بازيان هدية للسلطان فاستحضر الأمراء بأسرهم وشاورهم فيما يكون الجواب لهذه الرسالة وانفصل الحال على هذا الجواب وهو أن القدس ليس لكم فيه حديث سوى الزيارة فقال الرسول وليس على الزوار شيء يؤخذ منهم‏.‏

فعلم من هذا القول الموافقة وأما البلاد كعسقلان وما وراءها فلا بد من خرابه فقال الرسول قد خسر الملك على سورها مالاً جزيلاً فقال المشطوب للسلطان المصلحة أن نجعل مزارعها وقراها في مقابلة خسارتها فأجاب وأن الدارون وغيره تخرب وتكون بلادها مناصفة‏.‏

وأما باقي البلاد فتكون لهم من يافا إلى صور بأعمالها‏.‏

ومهما اختلفنا في قرية كانت مناصفة‏.‏

هكذا كان جواب رسالته وسار في يوم الثلاثاء مستهل رجب ومعه الحاجب يوسف وكان قد طلب رسولاً مذكوراً يحلفه إن استقرت القاعدة فأخر السلطان تسيير الرسول إلى حين استقرار القاعدة وأنفذ لهم هدية حسنة في مقابل هديتهم وما كان يغلب في الهدايا‏.‏

  ذكر عود الرسول

كان عوده وقد مضى هزيع من ليلة ثالث رجب فحضر الحاجب ليلاً وأخبر السلطان الخبر وحضر الرسول في بكرة الخميس الثالث من رجب وأدى الرسالة وهي أن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة العامرة وأي قدر لها في ملكك وعظمتك وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها وقد ترك القدس بالكلية فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة وحدها فأنت تترك له هذه البلاد ويكون الصلح عاماً فيكون لهم كل ما في أيديهم من الدارون إلى أنطاكية ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج وإن لم ينتظم الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح ولا يمكنه مخالفتهم‏.‏

فانظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى‏.‏

وكان لعنه الله مضطراً إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله الولي في أن يقي المسلمين شره فما بلونا أعظم حيلة ولا أشد إقداماً منه‏.‏

ولما سمع السلطان هذه الرسالة أحضر الأمراء وأرباب الرأي من دولته وسألهم عن الجواب ما يكون فكا خلاصة الرأي هذا الجواب وهو‏:‏ إن أهل أنطاكية لنا معهم حديث ورسلنا عندهم فإن عادوا بما نريد أدخلناهم في الصلح وإلا فلا‏.‏

وأما البلاد التي سألها فلا يوافق المسلمون على دفعها إليه وإن كانت لا قدر لها‏.‏

وأما سور عسقلان فيأخذ في مقابلة ما خسر عليه لدافي الوطأة وسير الرسول صبيحة الجمعة رابع رجب‏.‏

ولما كان الخامس من رجب وصل ولده الملك الظاهر عز نصره وكان كثير المحبة له والإيثار لجانبه لما يراه فيه من أمارات السعادة وصفات الكفاءة وتوسم الملك فخرج السلطان إلى لقائه ولما كان السابع وصل الحاجب يوسف وحده وذكر أن الملك قال له لا يمكن أن نخرب من عسقلان حجراً واحداً ولا يسمع عنا في البلاد مثل ذلك‏.‏

وأما البلاد فحدودها معروفة ولا مناكرة فيها وعند ذلك تأهب السلطان للخروج إلى جهة العدو وأظهر القوة وشدة العزم على اللقاء‏.‏

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >