|
المنزل السادس: ولما كان صبيحة الثامن ركب السلطان على عادته ثم نزل ووصله من أخيه أن العدو على حركة وكانت الأطلاب قد باتت حول قيسارية في مواضعها فأمر بمد الطعام وأطعم الناس فوصل ثان وأخبر أن القوم قد ساروا فأمر بالكؤوس فدقت وركب وركب الناس وسار وسرت في خدمته حتى أتى عسكر العدو وصف الأطلاب حوله وأمرهم بقتالهم وأخرج الجاليش فكان النشاب بينهم كالمطر وكان عسكر العدو قد رتب فكانت الرجالة حوله كالسور وعليهم اللبود الثخينة والزرديات السابغة المحكمة بحيث يقع فيهم النشاب ولا يتأخرون وهم يرموننا بالزنبورك فيجرح خيل المسلمين وخيالتهم ولقد شاهدتهم ويتغرز في ظهر الواحد منهم الواحد والعشرة وهو يسر على هيئته من غير انزعاج. وثم قسم آخر من الرجالة مستريح يمشون على جانب البحر ولا قتال عليهم فإذا تعبت هذه المقاتلة أو أثخنتهم الجراح قام مقامهم المستريح واستراح القسم المقاتل. هذا والخيالة في وسطهم لا يخرجون عن الرجالة إلا في وقت الحملة لا غير وقد انقسموا أيضاً ثلاثة أقسام. القسم الأول الملك العتيق جفري وجماعة الساحلية معه في المقدمة والأنكتار والفرنسيس معه في الوسط. وأولاده الست أصحاب طبرية وطائفة أخرى في الساقة وفي وسط القوم برج على عجلة على ما وصفته من قبل أيضاً كالمنارة العظيمة هذا ترتيب القوم على ما شاهدته وأخبر به من خرج منهم من الأسرى والمستأمنين وساروا على هذا المثال وسوق الحرب قائمة والمسلمون يرمونهم بالنشاب من جوانبهم ويحركون عزائمهم حتى يخرجوا وهم يحفظون نفوسهم حفظاً شديداً ويقطعون الطريق على هذا الوضع ويسيرون سيراً رقيقاً ومراكبهم تسير في مقابلتهم في البحر إلى أن أتوا المنزل وكانت منازلهم قريبة لأجل الرجالة فإن المستريحين منهم كانوا يحملون أثقالهم وخيمهم لقلة الظهر عندهم فانظر إلى صبر هؤلاء القوم على الأعمال الشاقة عن غير دين ولا نفع وكانت منزلتهم قاطع نهر قيسارية يسر الله فتحها. المنزل السابع: ولما كانت صبيحة التاسع وصل من أخبر أن العدو قد ركب سائراً فركب السلطان أول الصبح وطلب الأطلاب وأخرج من كل جانب جاليشاً فسار يطلب القوم فأتاهم وهم سائرون على عادتهم ثلاثة أقسام وطاف الجاليش حولهم من كل جانب ورموهم بالنشاب وهم سائرون ثلاثة أقسام على المثال الذي حكيته وكلما ضعف قسم عاونه الذي يليه وهو يحفظ بعضهم بعضاً والمسلمون محدقون بهم من ثلاثة جوانب والقتال بينهم شديد والسلطان يقرب الأطلاب ورأيته وهو يسير بنفسه بين الجاليش ونشاب القوم يجاوزه وليس معه إلا صبيان بجنبيه لا غير وهو يسير من طلب إلى طلب يحثهم على التقدم ويأمرهم بمضايقة القوم ومقاتلتهم والكؤوس تخفق والبوقات تنعر والصياح بالتهليل والتكبير يعلو. هذا والقوم على أتم ثبات على ترتيبهم لا يتغيرون ولا ينزعجون وجرت حالات كثيرة ورجالتهم تجرح المسلمين وخيولهم بالزنبورك والنشاب ولم نزل حواليهم نقاتلهم ونحمل عليهم وهم يكرون بين أيدينا ويفرون إلى أن أتوا نهراً يقال له نهر القصب ونزلوا عليه وقد قامت الظهيرة وضربوا خيامهم وتراجع الناس عنهم فإنهم كانوا إذا نزلوا أيس الناس منهم ورجعوا عن قتالهم وفي ذلك اليوم قتل من فرسان الإسلام شجاع اسمه إياز الطويل بعض مماليك السلطان وكان قد فتك فيهم وقتل خلقاً من خيالتهم وشجاعتهم وكانت قد فاضت شجاعته بين العسكرين بحيث أنه جرت له وقعات كثيرة صدقت أخبار الأوائل وسار بحيث إذا عرفه الإفرنج في موضع يخافونه تقنطرت به فرسه واستشهد وحزن المسلمون عليه حزناُ عظيماً ودفن على تل مشرف على البركة ونزل السلطان بالثقل على البركة وهي موضع يجتمع فيه مياه كثيرة وأقام في تلك المنزلة إلى بعد صلاة العصر وأطعم الناس خبزاً واستراحوا ساعة ثم رحل وأتى نهر القصب ونزل عليه أيضاً فشرب منه قليل من أعلاه والعدو يشرب من أسفله ليس بيننا إلا مسافة يسيرة وبلغ ربع الشعير أربعة دراهم والخبز موجود كثيراً وسعره الرطل بنصف درهم وأقام ينتظر رحيل الإفرنج حتى يرحل في مقابلتهم فباتوا وبتنا أيضاً. ذكر وقعة جرت وذلك أن جماعة من العسكر الإسلامي كانوا مشرفين على العدو فصادفوا جماعة منهم يشرفون على العسكر الإسلامي وظفروا بهم وهجموا عليهم وجرى بينهم قتال عظيم فقتل من العدو جماعة وأحس بهم عسكر العدو فثار إليهم منهم جماعة واتصل بالحرب وقتل أيضاً من المسلمين نفران وأسر من العدو ثلاثة ومثلوا بخدمة السلطان فسألهم عن الأحوال فأخبروه أن الملك الأنكتار قد حضر عنده بعكا اثنان بدويان وأنهما أخبراه بقلة العسكر الإسلامي وذلك الذي أطمعه حتى خرج وأنه لما كان بالأمس يعني يوم الاثنين رأى من المسلمين قتالاً عظيماً واستكثر الأطلاب وأنه جرح زهاء ألف نفر وقتل جماعة وأن ذلك هو الذي أوجب إقامته اليوم حتى يستريح عسكره وأنا لما رأى ما أصابهم من القتل العظيم وكثرة المسلمين أحضر البدويين عنده وأوقفهما وضرب أعناقهما. وأقمنا في ذلك اليوم في تلك المنزلة لإقامة العدو بها وهو الثلاثاء العاشر من شعبان. المنزل الثامن: ولما كان ظهر اليوم المذكور رأى السلطان الرحيل والتقدم إلى قدام العدو فدق الكؤوس ورحل الناس ودخل في شعرا أرسوف حتى توسطها إلى تل عند قرية تسمى دير الراهب فنزل هناك ودهم الناس الليل فتقطعوا في الشعر وأصبح مقيماً ينتظر بقية العساكر إلى صباح الأربعاء الحادي عشر وتلاحقت العساكر وركب يرتاد موضعاً يصلح للقتال ولقاء العدو وأقام ذلك اليوم أجمع هناك. ومن أخبار العدو في تلك المنزلة أنه أقام على نهر القصب ذلك اليوم أيضاً وأنه لحقته نجدة من عكا في ثمان بطس كبار واليزك الإسلامي حوله يواصلون الأخبار المستجدة بهم وجرى بين اليزك وبين حشاشة العدو قتال وجرح من الطائفتين. ذكر مراسلة جرت في ذلك اليوم وذلك أن العدو طلب من اليزك من يتحدث معه وكان مقدم اليزك علم الدين سليمان فإنها كانت نوبته فلما مضى إليهم من سمع كلامهم كان كلامهم طلب الملك العادل حتى يتحدثوا معه فاستأذن ومضى وبات تلك الليلة في اليزك وتحدثوا معه وكان حاصل حديثهم أنا قد طال بيننا القتال وقد قتل من الجانبين الرجال الأبطال وأنا نحن جئنا في نصرة إفرنج الساحل فاصطلحوا أنتم وهم وكل منا يرجع إلى مكانه وكتب السلطان إلى أخيه في صبيحة يوم الخميس الثاني والعشرين رقعة يقول له فيها: إن قدرت أن تطاول الإفرنج فلعلهم يقيمون اليوم حتى يلحقنا التركمان فإنهم قد قربوا منا. ذكر اجتماع الملك العادل والأنكتار ولما علم الأنكتار وصول الملك العادل إلى اليزك طلب الاجتماع به فأجابه إلى ذلك فاجتمعا بفرقة من أصحابهما وكان يترجم بينهما ابن الهنغري وهو من إفرنج الساحل من كبارهم ورأيته يوم الصلح وهو ساب حسن إلا أنه محلوق اللحية على ما هو شعارهم. وكان الحديث بينهما أن الأنكتار شرع في ذكر الصلح وأن الملك العادل قال له أنتم تطلبون الصلح ولا تذكرون مطلوبكم فيه حتى أتوسط أنا الحال مع السلطان. فقال له الأنكتار: القاعدة أن تعود البلاد كلها إلينا وتنصرفوا إلى بلادكم. فأخشن له الجواب وجرت منافرة اقتضت أنهم رحلوا بعد انفصالهم ولما أحس السلطان برحيلهم أمر الثقل الرحيل ووقف هو وعبى الناس تعبية القتال وسار الثقل الصغير أيضاً حتى قارب الثقل الكبير ثم ورد أمر السلطان بعودهم إليه فعادوا ووصلوا وقد دخل الليل وتخبط الناس تلك الليلة تخبطاً عظيماً واستدعى أخاه ليعرفه ما جرى بينه وبين الملك وخلا به لذلك وذلك في ليلة الجمعة ليلة الثالث عشر وأما العدو فإنه سار ونزل على موضع يسمى البركة أيضاً يشرف على البحر وأصبح السلطان في يوم الجمعة متطلعاً إلى أخبار العدو فأحضر عنده اثنان من الإفرنج قد تخطفهما اليزك فأمر بضرب أعناقهما ووصل من أخبر أن العدو لم يرحل اليوم من منزلته تلك فنزل السلطان واجتمع بأخيه يتحدثان في هذا الأمر وما يصنع مع العدو وبات تلك الليلة في تلك المنزلة. ولما كان يوم السبت الرابع عشر بلغ السلطان أن العدو حرك الرحيل نحو أرسوف فركب ورتب الأطلاب للقتال وعزم على مضايقتهم في ذلك اليوم ومصادمتهم وأخرج الجاليش من كل طلب وسار العدو حتى قارب شعرا أرسوف وبساتينها فأطلق عليهم الجاليش النشاب ولزمتهم الأطلاب من كل جانب والسلطان يقرب بعضها ويوقف بعضها ليكون ردأً ويضايق العدو مضايقة عظيمة والتحم القتال واضطرمت ناره من الجاليش وقتل منهم وجرح فاشتدوا في السير عساهم يبلغون المنزلة فينزلوا واشتد بهم الأمر وضاق بهم الخناق والسلطان يطوف من الميمنة إلى الميسرة يحث الناس على الجهاد ولقيته مراراً ليس معه إلا صبيان بجنبيه لا غير ولقيت أخاه وهو على مثل هذه الحال والنشاب يتجاوزهما ولم يزل الأمر يشتد بالطمع للعدو وطمع المسلمون فيهم طمعاً عظيماً حتى وصل أوائل راجلهم إلى بساتين أرسوف ثم اجتمعت الخيالة وتواصلوا على الحملة خشية على القوم ورأوا أنه لا ينجيهم إلا الحملة. ولقد رأيتهم وقد أجمعوا في وسط الرجالة وأخذوا رماحهم وصاحوا صيحة الرجل الواحد وفرج لهم رجالتهم وحملوا حملة واحدة من الجوانب كلها فحملت طائفة على الميمنة وطائفة على الميسرة وطائفة على القلب فاندفع الناس بين أيديهم واتفق أني كنت في القلب ففر القلب فراراً عظيماً فنويت التحيز إلى الميسرة وكانت أقرب إليّ ووصلتها وقد انكسرت كسرة عظيمة وفرت أشدّ فرار من الكل فنويت التحيز إلى طلب السلطان وكان ردأ الأطلاب كلها كما جرت العادة ولم يبق للسلطان فيه إلاّ سبعة عشر مقاتلا لا غير وأخذ الباقون إلى القتال لكن الأعلام كلها باقية ثابتة والكؤوس تدق لا تفتر وأما السلطان لما رأى ما نزل بالمسلمين من هذه النازلة سار حتى أتى إلى طلبه فوجد فيه هذا النفر القليل فوقف فيه والناس ينفرون من الجوانب وهو يأمر أصحاب الكؤوس بالدق بحيث لا يفترون وكلما رأى فارّاً يأمر من يحضره عنده وفي الجملة ما قصر الناس بفرارهم فإن العدو حمل حملة ففروا ثم وقف خوفاً من الكمين فوقفوا وقاتلوا ثم حمل حملة ثانية ففروا وهم يقاتلون في فرارهم ثم وقف فوقفوا ثم حمل حملة ثالثة حتى بلغ إلى رؤوس روابٍ هناك وأعالي تلول ففرّوا إلى أن وقف العدو ووقفوا وكان كل من رأى طلب السلطان واقفاً والكؤوس تدق يستحي أن يجاوزه ويخاف غائلة ذلك فيعود إلى الطلب فاجتمع في القلب خلق عظيم ووقف العدو قبالتهم على رؤوس التلول والروابي والسلطان واقف في طلبه والناس يجتمعون عليه حتى أتت العساكر بأسرها وخاف العدو أن يكون في الشعرا كمين فتراجعوا يطلبون المنزلة وعاد السلطان إلى تل في أوائل الشعرا ونزل عليه في خيمته. ولقد كنت في خدمته أسليه وهو لا يقبل السلو وظل عليه بمنديل وسألناه أن يطعم شيئا فأحضر له شيء لطيف فتناول شيئاً يسيراً وبعث الناس للسقي فإن المكان كان بعيدا وجلس ينتظر الناس من العود من السقي والجرحى يحضرون بين يديه وهو يتقدم بمداواتهم وحملهم وقتل في ذلك اليوم رجالة كثيرة وجرح جماعة من الطائفتين. وكان ممن ثبت الملك العادل والطواشي قايماز النجمي والملك الأفضل ولده وصدم في ذلك اليوم وانفتح دمّل كان في وجهه وسال منه دم كثير على وجهه وهو صابر محتسب في ذلك كله وثبت أيضاً طلب الموصل ومقدمة علاء الدين وشكره السلطان على ذلك وتفقد الناس بعضهم بعضاً فوجدوا أن قد استشهد جماعة من العسكر عرف منهم شخصان أمير كبير مملوك وكان شجاعاً معروفاً وقايماز العادلي وكان مذكوراً وليفوش وكان شجاعاً وجرح خلق كثير وخيول كثيرة وقتل من العدو جماعة وأسر واحد وأحضر فأمر بضرب عنقه وأخذت منهم خيولُ أربعة وكان قد تقدم رحمه الله إلى الثقل أن يسير إلى العوجاء وذكر أن المنزل يكون على العوجاء فاستأذنته وقدمت إلى المنزل وجلس هو ينتظر اجتماع العساكر وما يرد من أخبار العدو وكان العدو قد نزل على أرسوف قبيلها. المنزل التاسع: وسرت بعد صلاة الظهر حتى أتيت الثقل وقد نزل قاطع النهر المعروف بالعوجاء في منزلة خضراء طيبة على جانب النهر ووصل السلطان إلى المنزلة أواخر النهار وازدحم الناس على القنطرة فنزل على تل مشرف على النهر ولم يعد إلى الخيمة وأمر الجاويش أن ينادي في العسكر بالعبور إليه وكان في قلبه من الوقعة أمر لا يعلمه إلاّ الله تعالى والناس بين جريح الجسد وجريح القلب وأقام السلطان إلى سحر الخامس عشر ودقّ الكؤوس وركب وركب الناس وسار راجعاً إلى جهة العدو حتى وصل إلى قريب أرسوف وصفّ الأطلاب للقتال رجاء خروج العدو ومسيره حتى يصاف فلم يرحل العدو في ذلك اليوم لما نالهم من التعب والجراح وأقام قبالتهم إلى آخر النهار وعاد إلى منزلته التي بات فيها. ولما كانت صبيحة السادس عشر دقّ الكؤوس وركب وركب الناس وسار نحوهم ووصل خبر العدو أنه قد رحل طلباً جهة يافا فقاربهم مقاربة عظيمة ورتب الأطلاب ترتيب القتال وأخرج الجاليش وأحدق العسكر الإسلامي بالقوم وألقوا عليهم من النشاب ما كان يسد الأفق وقاتلت قلوبهم قتال الحنق وقصد رحمه الله تحريك عزائمهم على الحملة حتى إذا حملوا ألقى الناس عليهم وقصدوهم ويعطي الله النصر لمن يشاء فلم يحملوا وحفظوا نفوسهم وساروا مصطفين على عادتهم حتى أتوا نهر العوجاء وهو النهر الذي منزلتنا أعلاه فنزل في أسفله وعبر بعضهم إلى غربي النهر وأقام الباقون من الجانب الشرقي فلما علم الناس بنزولهم تراجع الناس عنهم وعاد السلطان إلى الثقل ونزل في خيمته وأطعم الطعام وأتى بأربعة من الإفرنج قد أخذتهم العرب ومعهم امرأة فرفعوا إلى الزردخانات وأقام بقية ذلك اليوم يكتب الكتب إلى الأطراف باستحضار بقية العساكر وحضر من أخبر أنه قتل من العدو يوم أرسوف خيول كثيرة وأنه تتبعها العرب وعدّوها فزادت على مائة وأمر السلطان أن رحلت الجمال وتقدمت إلى الرملة وبات هو بتلك المنزلة. المنزل العاشر: ولما كان سابع عشر صلّى الصبح ورحل ورحل معه الثقل الصغير وسار يريد الرملة وأتى باثنين من الإفرنج فضرب أعناقهم ووصل من اليزك من أخبر أن العدو رحل من يافا وسار السلطان إلى أن أتى الرملة وأتى باثنين من الإفرنج أيضاً فسألهم عن أحوالهم فذكروا أنهم ربما أقاموا بيافا أيّاماً وفي أنفسهم عمارتها وشحنها بالرجال والعدد فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وأنها هل تخرب أو تبقى واتفق الرأي على أن يتخلف الملك العادل ومعه طائفة من العسكر مقارب العدو ليعرف أحوالهم واتصالها وأن يسير هو ويخرب عسقلان خشية أن يستولي عليها الإفرنج وهي عامرة فيقتلوا من بها من المسلمين ويأخذوا بها القدس الشريف ويقطعوا بها طريق مصر وخشي السلطان من ذلك وعلم عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم من عكا وما جرى على من كان مقيماً بها ويخيفوا الناس عن الدخول إلى عسقلان فادخرت القوة في عسكر الإسلام لحفظ القدس المحروس فتعين لذلك خراب عسقلان فسار الثقل والجمال من أوّل الليل وتقدم إلى ولده الملك الأفضل أن المنزل الحادي عشر: وهو على عسقلان. ولما كان يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر وصل السلطان إلى يبنا فنزل بها ضحى وأخذ الناس راحة ثم رحل وسار حتى أتى أرض عسقلان وقد ضربت خيمته بعيدا منها فبات هناك مهموماً بسبب الخراب وما نام إلاّ قليلا. ولقد دعاني في خدمت سحرا وكنت فارقت خدمته بعد مضي نصف الليل فحضرت وبدأ الحديث في معنى خرابها وأحضر ولده الملك الفضل وشاوره في ذلك وطال الحديث في المعنى. ولقد قال لي: والله لأن أفقد أولادي بأسرهم أحب إليّ من أن أهدم منها حجراً واحداً ولكن إذا قضى الله ذلك لحفظ مصلحة المسلمين كان ثم استخار الله تعالى فأوقع الله في نفسه أن المصلحة في خرابها لعجز المسلمين عن حفظها فاستحضر الوالي قيصر بها وهو من كبار مماليكه وذوي الآراء منهم فأمره بجمع العمال فيها ولقد رأيته وقد اجتاز بالسوق والوطاق بنفسه مستقر الناس للخراب وقسم السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من الناس العسكر بدونه معلومة وبرجا معلوما يخربونه ودخل الناس البلد ووقع الضجيج والبكاء وكان بلداً نضراً خفيفاً على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكناه فلحق الناس عليه حزن عظيم وعظم عويل أهله على مفارقة أوطانهم وشرعوا في بيع ما لا يمكن حمله فبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد واختبط البلد وخرج أهله إلى العسكر بذراريهم ونسائهم خشية أن يهجم الإفرنج وبذلوا في الكراء أضعاف ما يساوي قوم إلى مصر وقوم إلى الشام وقوم يمشون إذا لم يقع لهم كراء وجرت أمور عظيمة وفتنة هائلة لعلها لم تختص بالذين ظلموا وكان هو بنفسه وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في الخراب والحث عليه خشية أن يسمع العدو فيحضر ولا يمكن خرابها وبات الناس في الخيام على أتم حال من التعب والنصب وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل أن الإفرنج تحدثوا معه في الصلح وأنه خرج إليه ابن الهنغري وتحدث معه وأنه طلب جميع البلاد الساحلية فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما رأى في أنفس الناس من الضجر والسآمة من القتال والمصابرة وكثرة ما علاهم من الديون وكتب إليه يسمح في الحديث في ذلك وفوّض أمر ذلك إلى رأيه وأصبح في العشرين على الإصرار على الخراب واستعمال الناس فيه وحثهم عليه وأباحهم الهري الذي كان ذخيرة في البلد للعجز عن نقله وضيق الوقت والخوف من هجوم الإفرنج وأمر بحرق البلد فأضرمت النار في بيوته ودوره ورفض أهله بواقي الأقمشة للعجز عن نقلها والأخبار تتواتر من جانب العدو بعمارة يافا وكتب الملك العادل يخبر أن القوم لم يعلموا بخراب البلد وأن سوّف القوم وطوّل الحديث لعلّنا نتمكن من الخراب وأمر بحشو أبراج البلد بالأحطاب وأن تحرق وأصبح الحادي والعشرون فركب يحث الناس ودام يستعملهم على التخريب ويطوف عليهم بنفسه حتى التاث مزاجه التياثاً قويّاً امتنع بسببه من الركوب والغذاء يومين وأخبار العدو تتواصل إليه في كل وقت ويجري بينهم وبين اليزك والعسكر وقعات وهو يواظب على الحث على الخراب ونقل الثقل إلى قريب البلد ليعاونوا الغلمان والحمالين وغيرهم من ذلك فخرب من السور معظمه وكان عظيم البناء بحيث أنه كان عرضه في مواضع تسعة أذرع وفي مواضع عشرة أذرع وذكر بعض الحجارين للسلطان وأنا حاضر أن عرض السور الذي ينقبون فيه مقدار رمح ولم يزل التخريب و الحريق يعمل في البلد وأسواره إلى سلخ شعبان وعند ذلك وصل من جرديك كتاب يذكر فيه أن القوم يتفسحون وصاروا يخرجون من يافا يغيرون على البلاد القريبة منها فتحرك السلطان لعله يبلغ منهم غرضاً في غرّتهم فعزم على الرحيل على أن يخلف في عسقلان حجارين ومعهم خيل تحميهم ويستنهضونهم في الخراب ثم رأى أن يتأخر بحيث يحرق البرج المعروف بالأسبتار وكان برجاً عظيماً مشرفاً على البحر كالقلعة المنيعة ولقد دخلته وطفته فرأيت بناءه أحكم بناه يقرب من أن لا تعمل فيه المعاول وإنما أراد أن يحرقه حتى يبقى بالحريق قابلا للخراب ويعمل الهدم فيه. وأصبح مستهل رمضان فأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه. ولقد رأيته يحمل الخشب ويحشونه في البرج حتى امتلأ ثم أطلقت فيه النار فاشتعل الخشب وبقيت النار تشتعل فيه يومين بلياليهما ولم يركب السلطان في ذلك اليوم تسكينا لمزاجه وعرض لي أيضاً تشوش مزاج اقتضى انقطاعي عنه في ذلك اليوم ولقد تردد إلى من سأل عن مزاجي من عنده ثلاث مرات مع اشتغال قلبه بذلك المهم. فالله تعالى يرحمه لقد ماتت محاسن الأخلاق بموته. ذكر رحيله إلى الرملة ثم رحل السلطان ثاني رمضان نصف الليل خشية على مزاجه من الحر ووصل بنا ضحوة النهار ونزل في خيمة أخيه وبات في تلك المنزلة وأصبح ثالث الشهر راحلاً إلى جهة الرملة فسار حتى أتاها ضحوة النهار ونزل بالثقل الكبير نزول إقامة ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلباً وأطعم الناس الطعام وأخذ جزءاً من الراحة وركب بين صلاتي الظهر والعصر وسار إلى لد ورآها ورأى بيعتها وعظم بنائها فأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة فوقع الخراب في الموضعين في ذلك اليوم وفرق الناس فرقا لتخريب المكانين وأرباح ما فيها من التبن و الشعير في الأهراء السلطانية وأمر من كان فيها من المقيمين بالانتقال إلى المواضع العامرة وما كان بقي في المكانين إلا نفر يسير وظل الناس يخربون إلى أن أمسى المساء ثم عاد إلى خيمته وأصبح رابع رمضان فأقام الحجارين في المكانين ورتب عليهم من يستنجزهم في ذلك وهو يتردد عليهم في الأصائل حتى جاء وقت المغرب فمد الطعام وأفطر الناس وانفصلوا إلى خيمهم ووقع له أن يسير خفية في نفر يسير يشاهد أحوال القدس. فسار من أول الليل حتى أتى بيت نوبة فبات فيها حتى أتى الصباح وصلّى ثم سار حتى أتى القدس في خامس الشهر وخلف أخاه في العسكر يحث الناس على الخراب وأقام ذلك اليوم يتصفح أحوال القدس في عمارته وميرته وعدته ورجاله وغير ذلك وظفر في ذلك غلمان الطواشي قايماظ بنفر من النصارى ومعهم كتب قد كتبها الوالي إلى السلطان قريبة التاريخ يذكر فيها أعواز البلد الغلة والعدة والرجال فوقف على الكتب وضربت رقاب كل من كان معهم وما زال يتصفح أحوال المكان ويأمر بسد خلله إلى الثامن وخرج سائراً إلى العسكر بعد صلاة الظهر فبات في بيت نوبة. وفي هذا اليوم وصل عز الدين قيصر شاه صاحب ملطية ابن قليج أرسلان وافداً عليه مستنصراً به على أخوته وأبيه فإنهم كانوا يقصدون أخذ بلدة منه فلقيه الملك العادل قاطع لد فاحترمه وأكرمه ثم لقيه الملك الأفضل وضربت خيمته قريباً من لد. وفي ذلك اليوم خرج من العدو الحشاشة فحمل عليهم اليزك ووصل الخبر إلى عسكرهم فخرج إلى نصرتهم خيالة وجرى بينهم وبين اليزك قتال وذكر بعض الأسرى أنه كان معهم الأنكتار وأن مسلما قصد طعنه فحال بينه وبينه إفرنجي فقتل الإفرنج وجرح هو هكذا ذكروا والله أعلم. ولما كان التاسع وصل رحمه الله إلى العسكر ولقيه الناس مستبشرين بقدومه ولقيه ابن قليج أرسلان فنزل له واحترمه وأكرمه ونزل في خيمته وأقام يحث الناس على التخريب وتتواصل أخبار العدو إليه ويقع بينهم وبين اليزك وقعات ويسرق العرب من خيولهم ويقاتلهم رجالهم. ذكر وصول رسول مركيس وفي غضون ذلك وصل رسول المركيس يذكر أنه يصالح الإسلام بشرط أن يعطى صيدا وبيروت على أن يجاهر الإفرنج بالعداوة ويقصد عكا ويحاصرها ويأخذها منهم واشترط أن يبذل للسلطان اليمين على ذلك ابتداء قسير العدل النجيب وحمله الإجابة إلى ملتمسه لقصد فصله عن الإفرنج فإنه كان خبيثاً ملعوناً وكان قد استشعر منهم أخذ بلده وهي صور فانحاز عنهم واستعصم بصور وهي منيعة فقال ذلك القول لهذا السبب وسار النجيب العدل مع رسوله في الثاني عشر واشترط عليه أن يبدأ بمجاهرة القوم وحصار عكا أخذها وإطلاق من بها وبصور من الأسرى وعند ذلك يسلم إليه الموضعان. وفي عشية ذلك اليوم خرج رسول ملك الأنكتار إلى الملك العادل في تحريك سلسلة الحديث في الصلح. ولما كان الثالث عشر من رمضان رأى السلطان أن يتأخر العسكر الجميل ليتمكن الناس من إنقاذ دوابهم إلى العلوفة فإنّا كنّا على الرملة قريبين من العدو ولا يمكن التفريط في الدواب خشية المهاجمة فرحل ونزل على جبل متصل بجبل النطرون بالثقل الكبير وجمع العساكر ما عدا اليزك على العادة وذلك بعد خراب الرملة ولد ولما نزل هناك دار حول النطرون وأمر بخرابها وكانت قلعة منيعة حصينة من القلاع المذكورة فشرع في خرابها. وترددت الرسل بين الملك العادل والأنكتار يذكرون أنه قد سلم أمر الصلح إلى الملك العادل وأخلد إليه وخرج في عشرة أنفس إلى اليزك فأخبروه بأخبار طيّبة وكتب بها إلى السلطان في السابع عشر وكان مما اخبره به أخوه أن الملك افرنسيس مات وكان موته بأنطاكية عن مرض عرض له وأن الأنكتار عاد إلى عكا وكان سبب عوده أنه صح عند مراسلة المركيس للسلطان وبلغه أن المركيس قد انتظم الحال بيننا وبينه وأنه قد استقرت القاعدة على عكا فعاد هو إلى عكا لفسخ هذه المصالحة واسترجاع المركيس إليه فركب السلطان إلى اليزك واجتمع بأخيه في لد وسأله عن الأخبار وعاد إلى المخيم وقت العصر وأتى باثنين من الإفرنج قد تخطفهم اليزك فأخبروا بصحة موت الإفرنسيس وعود الأنكتار إلى عكا. ذكر مسير الملك العادل إلى القدس ولما كان التاسع عشر اقتضى الحال تفقد القدس والنظر في عمارته وكان الملك العادل قد عاد من اليزك وعلم بعد مسير مقدمي الإفرنج عنا فرأى أن يكون هو الذي يسير فسار في هذا اليوم لهذا الغرض. وفي تاريخ هذا اليوم وصل كتاب من تقي الدين يخبر فيه أن قزل صاحب ديار العجم ابن يلدكز قفز عليه أصحابه فقتلوه وقيل أن ذلك كان من تحت يد زوجته تعصباً للسلطان طغريل وجرى بسبب قتله خبط عظيم في بلاد العجم وكان قتله في أوائل شعبان من هذه السنة. ولما كان الحادي والعشرون من رمضان قدم الملك العادل من القدس وفي هذا التاريخ وصل كتاب من الديوان العزيز النبوي يذكر فيه قصد الملك المظفر تقي الدين خلاط ويذكر فيه العناية التامة ببكتمر ويشفع في حسن بن قفجاق والتقدم بإطلاقه وكان قد قبض عليه مظفر الدين بن زين الدين بإربل ويتقدم بمسير القاضي الفاضل إلى الديوان لبث حال وفصل أمر وسير الكتاب إلى الفاضل ليقف عليه ويكتب إلى تقي الدين. ذكر أخبار يزك كان على عكا ولصوص دخلوا في خيام العدو ولما كان الثاني والعشرون أحضر لصوص فرساً وبغلة قد دخلوا إلى خيم العدوّ وسرقوهما وكان قد رتب رحمه الله ثلاثمائة لص من شلوح العرب يدخلون ويسرقون منهم أموالهم وخيولهم ويسرقون الرجال أحيانا وذلك أنه يكون الواحد منهم نائماً فيوضع على حلقه الخنجر ثم يوقظ فيرى الشلح وقد وضع الخنجر على نحره فيسكت ولا يتجاسر أن يتكلم فيحمل وهو على هذا الوضع إلى أن يخرج من الخيم ويؤخذ أسيرا وتكلم منهم جماعة فنحروا فصار من أصابه ذلك لا يتكلم واختاروا الأسر على القتل وداموا على ذلك مدة طويلة إلى انتظام الصلح. وفي ذلك اليوم وصل من اليزك من أخبر أنهم خرجوا من عكا يتفسحون وأن اليزك حمل عليهم فأسر منهم أحداً وعشرين نفساً وأن الأسرى أخبروهم بصحة عود الأنكتار إلى عكا وأنه مريض بها وخبروا عن ضعف أهل عكا وفقرهم وقلة الميرة عندهم. وفي هذا التاريخ وصل للعدو مراكب عدة قيل أنها وصلت من عكا وأن فيها الأنكتار قد عاد بجماعة عظيمة ليقصد عسقلان ويعمرها وقيل يقصد القدس والله اعلم. ولما كان الرابع والعشرون وصل الأسرى المذكورون من الزيب وكان وصولهم فرحاً للمسلمين مبشراً بكل خير وفيه وصل رسول قزل وكان قد سيّره قبل وفاته ورسول ابن أخيه إيناج وفي عشيته وصل رسول من الأنكتار معه حصان إلى الملك العادل في مقابلة هدية كان أنفذها عليه وفيه وصل خبر وفاة حسام الدين لاجين بدمشق لمرض كان اعتراه فصعب على السلطان موته وشق عليه وفيه وصل كتاب من سامة يذكر فيه أن البرنس أغار على جبلة واللاذقية وانه كسر كسرة عظيمة وقتل منه جماعة وعاد إلى أنطاكية. ذكر رسول الملك العادل إلى الأنكتار ولما كان السادس والعشرون كان اليزك للعادل فطلب الأنكتار رسوله فأنفذ الصنيعة وهو كاتبه. وكان شاباً حسناً فوصل إليه وهو في بازور قد خرج في جمع كثير من الرجالة وانبثوا في تلك الأرض فاجتمع به وسار معه زمناً طويلا وحادثه في معنى الصلح وقال لا ارجع عن كلام أتحدث به من أخي وصديقي يعني العادل وذكر له كلاماً وعاد وأخبره به فكتبه الملك العادل في رقعة وأنفذها إلى السلطان وكان يتضمن أنك تسلم عليه وتقول له إن المسلمين والإفرنج قد هلكوا وخربت البلاد وخرجت من يد الفريقين بالكلية وقد تلفت الأموال والأرواح من الطائفتين وقد أخذ هذا الأمر حقه وليس هناك حديث سوى القدس والصليب والبلاد والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم يبق منا إلاّ واحدا. وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأردن. وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا مقدار له وهو عندنا عظيم فيمنّ به السلطان علينا ونصطلح ونستريح من هذا التعب. ولما وقف السلطان على هذه الرسالة استدعى أرباب المشورة في دولته واستشارهم في الجواب والذي رآه السلطان أن قال القدس لنا كما هو لكم وهو عندنا أعظم مما هو عندكم فإنّه مسرى نبيّنا ومجتمع الملائكة فلا تتصوّر أن ننزل عنه ولا نقدر على التفريط بذلك بين المسلمين وأما البلاد فهي أيضاً لنا في الأصل واستيلاؤكم عليها كان طارئاً عليها لضعف من كان فيها من المسلمين في ذلك الوقت وما يقدركم الله على عمارة حجر منها ما دام الحرب قائما وما في أيدينا منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به. وأما الصليب فهلاكه عندنا قربة عظيمة لا يجوز لنا أن نفرّط فيها إلا لمصلحة راجعة إلى الإسلام هي أوفى منها وسار هذا الجواب إليه مع الواصل منه. ذكر هرب شيركوه بن باخل الكردي من عكا وكان أسيراً ولما كان آخر السادس والعشرين وصل شيركوه بن باخل وهو من جملة الأمراء المأسورين بعكا وكان من قصته أنه هرب ليلة الحادي والعشرين وذلك أنه كان ادّخر له حبلاً في مخدّته وكان الأمير حسن بن باريك ادّخر له حبلاً في بيت الطهارة واتفقا على الهرب ونزلا من طاقة كانت في بيت الطّهارة وانحدرا من السور الأوّل وعبر شيركوه من الباشورة وكان ابن باريك حالة نزوله انقطع به الحبل ونزل شيركوه سليماً فرآه وقد تغير من الوقعة فكلّمه فلم يجبه وحرّكه فلم يتحرّك فهزّه لعلّه ينشط فيسير معه فلم يقدر فعلم أنه إذا أقام عنده أخذا جميعا فتركه وانصرف واشتد هرباً في قيوده حتى أتى تل العياضية وقد طلع الصبح فأكمن في الجبل حتى علا النهار وكسر قيده وسار وستر الله حتى أتى المعسكر ومثل بخدمة السلطان وكان من أخباره أن سيف الدين المشطوب ضيّق عليه وأنه قطع على نفسه قطيعة عظيمة من خيل وبغال وأنواع الأموال وأن الملك الأنكتار أتى عكا وأخذ كل ما له بها من خدمه ومماليكه وأقمشته ولم يبق له منها شيئاً وأن فلاحي الجبل يمدونه بالميرة مدداً عظيماً وأن طغرل السلحدار أخذ خواص مماليك السلطان وهربوا قبل هروبه. ذكر رسالة سيّرني فيها الملك العادل إلى السلطان مع جماعة من الأمراء وذلك أنه لما كان التاسع والعشرون من رمضان استدعاني الملك العادل في صحبته واحضر جماعة من الأمراء علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن المقدم وحسام الدين بشارة وشرح لنا ما عاد به رسوله من الأنكتار من الرسالة والكلام وذلك أنه ذكر أنه قد أراد أن يتزوج الملك العادل بأخت الأنكتار وكان قد استصحبها معه من صقلية فإنها كانت زوجة صاحبها وقد مات فأخذها أخوها لما اجتاز بصقلية فاستقرت القاعدة على أن يكون مستقر ملكها بالقدس وأن أخاها يعطيها بلاد الساحل التي بيده من عكا إلى يافا وعسقلان إلى غير ذلك ويجعلها ملكة الساحل ويجعله ملك الساحل ويكون ذلك مضافاً إلى ما في يده من البلاد والإقطاع وأنه يسلم إليه صليب الصلبوت وتكون القرى للداوية و الأسبتار والحصون لهما وأسرانا تفك وكذلك أسراهم وأن الصلح يستقر على هذه القاعدة ويرحل الأنكتار طالباً بلاده في البحر وينفصل الأمر هكذا ذكر رسول العادل عن الأنكتار. ولما عرف ذلك العادل بنى عليه أن استحضرنا عنده وحمّلنا هذه الرسالة إلى السلطان وجعلني المتكلم فيها ولجماعة يسمعون ونعرض عليه هذا الحديث فإن استصوبه ورآه مصلحة للمسلمين شهدنا عليه بالإذن في ذلك والرضا به وإن أباه شهدنا عليه أن الحال في الصلح قد انتهى إلى هذه الغاية وأنه هو الذي رأى إبطاله فلما مثلنا بالخدمة السلطانية عرضت عليه الحديث وتلونا عليه الرسالة بمحضر من الجماعة المذكورين فبادر إلى الرضا بهذه القاعدة معتقداً أن الأنكتار لا يوافق على ذلك أصلا فإن هذه منه مكر وهزل فكررت عليه الرضا بذلك ثلاث مرات وهو يقول نعم ويفرح ويشهد على نفسه به فلما تحققنا منه ذلك عدنا إلى الملك العادل فعرّفناه بما قال وعرّفه الجماعة أني كررت عليه الحديث في تقييد الشهادة عليه وأنه أصرّ على الإذن في ذلك واستقرّت القاعدة عليه. ذكر عودة الرسول إلى الأنكتار بالجواب عن هذه الرسالة ولما كان ثاني شوال سار ابن النحال رسولا من جانب السلطان ومن جانب الملك العادل فلما وصل إلى مخيم العدو وأنفذ من عرف الملك بقدومه أنفذ إليه من قال له أن الملكة عرض عليها أخوها النكاح فسقطت من ذلك وغضبت بسببه وأنكرت ذلك إنكاراً عظيماً وحلفت بدينها المغلظ من يمينها أنها لا تفعل ذلك وكيف تمكن مسلماً من غشيانها ثم قال أخوها: إن الملك العادل يتنصر وأنا أتمم ذلك وترك باب الكلام مفتوحا. ولما كان خامس شوال وصل الخبر أن الأسطول الإسلامي استولى على مراكب الإفرنج وفيها مركب يعرف بالسطح قيل أنه كان فيه أنفر وزائد على ذلك وأنه قتل منهم خلق عظيم واستبقى منهم أربعة مذكورون وسرّ المسلمون بذلك وضربت بشائر النصر ونعق بوق الظفر ولما كان سادس شوّال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته وشاورهم كيف يصنع إن خرج العدو وكان قد تواصلت الأخبار عنهم أنهم قد اتفقوا على الخروج إلى العسكر الإسلامي فانفصل الرأي بين ذوي الآراء على أنهم يقيمون بمنزلهم بعد تخفيف الأثقال فإن خرج الإفرنج كانوا على لقائهم. وفي عشية ذلك اليوم استأمن من الإفرنج اثنان على فرسين وأخبرا أن العدو على عزم الخروج وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس وذكر أنهم لا يعرفون قصدهم وهرب أسير مسلم من جانبهم وأخبر أنهم قد أظهر الخروج إلى الرملة ثم فيها يتعقون على موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان أمر الجاويش أن ينادي في العسكر حتى يتجهز جريدة وشدت الرايات واتفق على أنه يقف قبالة القوم إن خرجوا وسار في السابع مؤيداً منصوراً حتى أتى قبلي كنيسة الرملة ليلاً فخيّم هناك ليليه. ذكر خروج الإفرنج من يافا ولما كانت صبيحة الثامن رتب الأبطال للقتال وسلم اليزك للملك العادل وتبعه من يريد من الغزاة وكان قد وصل وجماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا في جملة من خرج فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية لقوة جأشهم وأنسهم بقتالهم وثقتهم بمراكبهم ورموا عليهم النشاب فرآهم الغزاة والواصلون من الروم فاغتروا بإقدامهم ووافقوهم في فعلهم وقاربوا عسكر العدو فلما رأى الإفرنج تلك المضايقة والمنازلة ثارت هممهم وحركتهم نخوتهم فركبوا من داخل الخيام وصاحوا صيحة الرجل الواحد وحملوا في جمع كثير فنجا من سبق به جواده وقدر في القدم نجاته وظفروا بجماعة فقتل منهم ثلاثة نفر ونقلوا خيامهم إلى بازور وأقام السلطان في تلك الليلة بمنزلته إلى الصباح. ذكر وفاة تقي الدين الملك المظفر ولما كان الحادي عشر ركب السلطان إلى جهة العدو فأسرف عليهم ثم عاد وأمرني بالإشارة إلى أخيه بأن يحضر معه علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن المقدم فلما مثل الجماعة بين يديه أمر خادماً أن يخلي المكان عن غير الحاضرين وكنت في جملتهم وأمر بإبعاد الناس عن الخيمة ثم أخرج كتاباً من قباه وفضّه ووقف عليه وبدت دموعه وغلبه البكاء والنحيب حتى وافقناه من غير أن نعلم السبب ما هو وفي أثناء ذلك ذكر أنه يتضمن وفاة الملك المظفر فأخذ الجماعة في البكاء حتى أتوا بوظيفته ثم ذكرته لله تعالى وانتهاء قضائه وقدره فقال أستغفر الله إنّا لله وإنّا إليه راجعون ثم قال: المصلحة كتم ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ونحن ننازله. ثم أحضر الطعام فأكلوا الجماعة وانفصلوا وكان الكتاب الواصل المتضمن نعيه هو غير الكتاب الواصل إلى حماة بنعيه في طي كتاب وصل من النائب بها وكانت وفاته بطريق خلاط عائداً إلى ميافارقين فحمل ميتاً إلى ميافارقين ثم عملت له تربة عليها مدرسة مشهورة بأرض حماة وحمل إليها وزرت ضريحه وكانت وفاته تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانين. ذكر كتاب وصل من بغداد ولما كان الثاني عشر من شوال وصل من دمشق كتاب من النواب بها في طيه كتاب من بغداد من الديوان العزيز النبوي مجده الله يتضمن فصولاً ثلاثة: الفصل الأول الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان العزيز لا يسلمه. والفصل الثاني يتضمن الإنكار على مظفر الدين في إمساك حسن بن قفجاق والأمر بإعادته إلى الكرخاني وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان العزيز لم يأذن لغيره في سكناها. وكانت قصة حسن بن قفجاق أنه قصد أرمية إلى السلطان طغريل فإنه كان قد نزل به في معونته لما هرب من ديار العجم واستنصر به وتزوج أخته ووقع في ذهنه أنه يكون أتابكه ويملك به البلاد فقصد أرمية فقتل أهلها على ما قيل وسبى نساءهم وذراريهم وتعرض للقوافل وكان معقله الكرخاني فلما وجد السلطان طغريل قوته تركه وانصرف عنه وعاد إلى بلاده وأظهر الفساد في الأرض والتعرض للقوافل على ما قيل فاستعطفه مظفر الدين صاحب إربل حتى عاد إليه وانخرط في سلك أصحابه وقبض عليه وأنفذ إلى الديوان العزيز ذلك وفي معناه استيلاء مظفر الدين على بلاده ولعله تشفع إلى الديوان فاقتضت عاطفته ذلك في حقه. وأما الفصل الثالث فكان يتقدم بإحضار القاضي الفاضل في الديوان رسولاً لتقرر عليه قواعد ويسر إليه أسباب. هكذا كان مضمون الكتاب وأما الجواب عنه فإن السلطان أجاب عن الفصل الأول بأنا لم نأمره بشيء من ذلك وإنما عبر ليجمع العساكر ويعود إلى الجهاد فاتفقت أسباب اقتضت ذلك وقد أمرنا بالعود. وأما الفصل الثاني فأجاب عنه بأن عرفهم حال بأن قفجاق وما تصدى له من الفساد في الأرض وأنه تقدم إلى مظفر الدين حتى يحضره معه إلى الشام فيقطعه فيه ويكون ملازماً للجهاد. وأما الفصل الثالث فإنه اعتذر عن القاضي الفاضل بأنه كثير الأمراض وقوته تضعف عن الحركة إلى العراق. فهذا اكن حاصل الجواب. ذكر وصول صاحب صيدا رسولاً ولما كان ثالث عشر شوال وصل من أخبر بوصول صاحب صيدا من جانب المركيس صاحب صور وكان قد جرى بيننا وبينه أحاديث مترددة حاصلها أنهم ينقطعون عن الإفرنج ونصرتهم ويصيرون معنا عليهم بناء على فتنة كانت جرت للمركيس مع الملوك بسبب امرأة تزوجها كانت زوجة لأخي الملك جفري وقبح نكاحها بأمر اقتضاه دينهم فاضطربت آراؤهم فيه فخاف المركيس على نفسه فأخذ زوجته وهرب تحت الليل إلى صور وأخلد إلى السلطان والاعتضاد به وكان في ذلك مصلحة للمسلمين لانقطاع المركيس عن الإفرنج فإنه كان أشدهم بأساً. وأعظمهم للحرب مراساً. وأثبتهم في التدبير أساساً. وحين اتصل خبر وصول هذا الرسول بالسلطان أمر بإجلاله واحترامه فضربت خيمة وضرب حولها شقة ووضع فيها من الطرح والفرش ما يليق بعظمائهم وملوكهم وأمر بإنزاله في الثقل يستريح ثم يجتمع به. ذكر واقعة الكمين الذي استشهد فيه إياس المهراني ولما كان سادس عشر شوال أمر السلطان الحلقة أن كمنت للعدو في بطون أودية هناك واستصحبوا جماعة من العرب فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت العرب على جاري عادتها في مناوشتها العدو وكان العدو تخرج منه جماعة للاحتشاش والاحتطاب قريباً من مخيمة تضرب العرب وتضرب العرب عليهم فضربوا عليهم ووقع الحرب وثار الصياح وسمع العدو فركب منهم جمع من الخيالة وطلبوا جهة العرب فانهزم العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين والعدو يتبعهم طمعاً حتى قاربوا الكمين فخرج الكمين عليهم وصاحوا بهم صيحة الرجل الواحد فانهزموا بين أيديهم نحو خيامهم واتصل الخبر بالعدو فركب منهم خلق عظيم وقصدوا نحو الوقعة والتحم القتال واشتد الأمر وقتل جمع من الطائفتين وأسر وجرح من العدو وأخذ منهم خيل كثيرة وكان سبب انفصال الحرب أن السلطان أحس بهذه الوقعة فأنفذ أمراء أخر أسلم وسيف الدين يازكج ومن يجري مجراهما ردأً للمسلمين وقال: إذا رأيتم الغلبة على الكمين فاظهروا. فلما رأوا الكثرة من جانب العدو وخرجوا بخيلهم ورجلهم ولما رأى العدو الأطلاب الإسلامية قد صوبت نحوه أعنة خيلها ولوا الأدبار نحو خيامهم والسيف يعمل في أقفيتهم حتى دخلوا الخيام. وانفصل الحرب قبيل الظهر وكان السلطان قد ركب متشوّفاً أخبار الكمين وكنت في خدمته وكان أول من دخل من الوقعة ووصل جماعة من العرب ومعهم خمس رؤوس من الخيل قد أخذوها وانفصلوا قبل انفصال الحرب وما زالت الطلائع تتواتر والبشائر تتواصل وقتل العدو زهاء ستين نفراً وجرح من المسلمين جماعة منهم إياس المهراني وكان شجاعاً معروفاً واستأمن اثنان بخيولهما وعدتهما وعاد السلطان إلى خيمته فرحاً مسروراً معرضاً من قتل وفي بقية هذا اليوم وصل رسول الأنكتار إلى الملك العادل يعتبه على الكمين ويطلب الاجتماع به.
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |