ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

 

  ذكر حريق الدبابة

وذلك أن العدو كان قد اصطنع دبابة عظيمة هائلة أربع طبقات الطبقة الأولى من الخشب والثانية من الرصاص والثالثة من الحديد والرابعة من النحاس وكانت تعلو على السور وكان يركب فيها المقاتلة وخاف أهل البلد منها خوفاً عظيماً وحدثتهم نفوسهم بطلب الأمان من العدو وكانوا قد قربوها من السور بحيث لم يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمسة أذرع على ما يشاهد برأي العين وأخذ أهل البلد في تولية ضربها بالنفط ليلاً ونهاراً حتى قدر الله تعالى حرقها واشتعال النار فيها وظهر له ذؤابة نار نحو السماء فاشتدت الأصوات بالتهليل والتكبير ورأوا الناس فيها لما ظهرت لها تلك النيران ولقوا جبراً من ذلك الوهن ومحواً لذلك الأثر ونعمة بعد نقمة وإيناساً بعد يأس وكان ذلك يوم غرق البطسة فوقع من المسلمين موقعاً عظيماً وكان مسلياً لحزنهم‏.‏

ولما كان يوم الجمعة تاسع عشر الشهر زحف العدو على البلد زحفاً عظيماً وضايقوه مضايقة شنيعة وكان قد استقر بيننا وبينهم أنهم متى زحف العدو عليهم ذقوا كؤوسهم فضربوا بكؤوسهم فأجابت كؤوس السلطان وركبت العساكر وضايقهم السلطان من خارج وزحف عليهم حتى هجم المسلمون عليهم في خيامهم فجازوا خنادقهم وأخذوا القدور وما فيها وحضر من الغنيمة المأخوذة من خيامهم شيء عند السلطان وأنا حاضر ولم يزل القتل يعمل حتى أيقن العدو أنه قد هجم عليه فأخذوا يتراجعون عن قتال البلد وشرعوا في قتال العساكر وانتشب الحرب بينهم ولم تزل ناشبة حتى قام قائم الظهيرة وغشي الناس من الحر أمر عظيم من الجانبين وتراجعت الطائفات إلى خيامهم وقد أخذ منهم التعب والحر‏.‏

ولما كان يوم الاثنين الثالث والعشرون دق كؤوس البد فجاوبه كؤوس السلطان وثار القتال بين الطائفتين ولج العدو في مضايقة البلد ثقة منهم أن الناس لا يهجمون على خيمهم وأنهم يهابونها فكذب العسكر ظنونهم وهجموا على الخيام أيضاً ونهبوا منها فتراجع العدو إلى قتالهم ووقع الصياح فيهم فلحقوا من المسلمين جماعة عظيمة داخل خنادقهم وأسوارهم وجرى بينهم وقعة عظيمة قتل فيها اثنان من المسلمين وجرح جماعة وقتل جماعة من العدو‏.‏

وأعجب ما في هذه الوقعة أنه كان وصل في هذا اليوم رجل كبير مذكور من أهل مازندران يريد الغزاة فوصل والحرب قائمة فلقي السلطان فاستأذنه في الجهاد وحمل حملة شديدة واستشهد في تلك الساعة‏.‏

ولما رأى العدو دخول المسلمين إلى خنادقهم وتوغلهم داخل أسوارهم داخلهم الحمية وبعثتهم النخوة فركب فارسهم وصحبه راجلهم وخرجوا إلى ظاهر أسوارهم وحملوا على المسلمين حملة الرجل الواحد فثبت المسلمون لهم ثبوتاً عظيماً لم يتحركوا من أماكنهم والتحم القتال من الجانبين واشتد الضرب من الطائفتين وصبر المسلمون صبر الكرام‏.‏

ودخلوا في الحرب بالتحام فلما رأى العدو ذلك الصبر المعجب والإقدام المزعج أنفذوا رسولاً في غضون ذلك يستأذنون بالرسول في الوصول فأذن له فوصل الرسول أولاً إلى الملك العادل فاستصحبه ووصل به إلى الخدمة السلطانية ومعه أيضاً الملك الأفضل فأدى الرسالة وكان حاصلها أن ملك الأنكتار يطلب الاجتماع بالسلطان فلما سمع السلطان الرسالة أجاب عنها في الحال من غير تفكر ولا ترو بأن قال‏:‏ إن الملوك لا يجتمعون إلا عن قاعدة ولا يحسن منهم الحرب بعد الاجتماع والمواكلة وإذا أراد ذلك فلا بد من تقرير قاعدة قبل هذه الحالة ولا بد من ترجمان نثق به في الوسط يفهم كل واحد منا ما يقول الآخر فليكن بيننا ذلك الترجمان فإذا استقرت القاعدة وقع الاجتماع بعد ذلك إن شاء الله تعالى‏.‏

ولما كان يوم السبت الثامن والعشرون خرج العدو راجلهم وفارسهم من جانب البحر شمالي البلد وعلم السلطان ذلك فركب وركب العسكر وانتشب القتال بين الطائفتين وقتل من المسلمين بدوي وكردي وقتل من العدو جماعة وأسروا واحداً بسلاحه وفرسه ومثل بين يد السلطان ولم يزل القتال يعمل حتى حال الليل بين الطائفتين ولما كان الأحد التاسع والعشرون خرج العدو برجالة كثيرة على شاطئ النهر الحلو فلقيهم طائفة من اليزك وجرى بينهم قتال عظيم ووصلت رجالة من المسلمين إلى الحرب فأسروا مسلماً وقتلوه وأحرقوه وأسر المسلمون منهم واحداً فقتلوه وأحرقوه ولقد رأيت النارين تشتعلان في زمان واحد ولم تزل الأخبار تتواصل من أهل البلد بالاحتفال بأمر العدو والشكوى من ملازمة قتالهم ليلاً ونهاراً وذكر ما ينالهم من التعب العظيم من تواتر الأعمال المختلفة عليهم من جريرة قدوم الأنكتار ثم مرض مرضاً شديداً أشفى فيه على الهلاك وخرج الفرنسيس ولم يزدهم ذلك إلا إصراراً وعتواً وكان لأخت ملك الأنكتار خادمان مسلمان في الباطن كانا في خدمتها في صقلية وكانت هي زوجة صاحب صقلية فلما مات ومر أخوها بالبلد أخذها وأصحابها معه إلى العسكر وهرب الخادمان إلى العسكر الإسلامي فقبلهما السلطان وأنعم عليهما إنعاماً عظيماً‏ .

ذكر هرب المركيس إلى صور

ولما كان يوم الاثنين سلخ جمادى الأولى قوي استشعار المركيس أنه إن أقام قبضوا عليه وأعطوا صور للملك القديم الذي كان قد أسره السلطان لما عاناه من الأسر في نصرة دين المسح‏.‏

ولما صح ذلك عنده هرب إلى صور فأنفذوا خلفه قسوساً ليردوه فلم يفعل وسار في البحر حتى أتى صور وشق ذلك عليهم وعظم لديهم فإنه كان ذا رأي وشجاعة وخبرة‏.‏

  ذكر وصول بقية عساكر الإسلام

وفي سلخ جمادى الأولى قدم عسكر سنجار يقدمه مجاهد الدين برتقش فلقيه السلطان واحترمه وكان ديناً عاقلاً محباً للغزو فأنزله السلطان في الميسرة بعد أن أكرمه وأنزله في خيمته وفرح بقدومه فرحاً شديداً في ذلك الوقت ثم قدم بعد ذلك قطعة عظيمة من عسكر مصر كعلم الدين كرجي وسيف الدين سنقر الداودار وجماعة عظيمة ثم قدم بعد ذلك علاء الدين صاحب الموصل وعسكرهم فلقيه السلطان بالخروبة ونزلوا هناك إلى بكرة اليوم الثاني من جمادى الآخرة وأصبح سائراً حتى أتى بجحفله قبالة العدو وعرض عسكره هناك وأنزله السلطان في خيمته وحمل له من التحف وقدم له من اللطائف ما يليق بكرمه وأنزله في الميمنة وفي الثالث قدمت طائفة من عسكر مصر أيضاً واشتد مرض الأنكتار بحيث شغل الإفرنج شدته عن الزحف وكان ذلك خيرة عظيمة من الله تعالى فإن البلد كان قد ضعف من فيه ضعفاً عظيماً وضاق بهم الخناق وهدمت المنجنيقات من السور مقدار قامة الرجل هذا واللصوص يدخلون إلى خيامهم ويسرقون أقمشتهم ويأخذون الرجال في غفلة بأن يجيئوا إلى الواحد وهو نائم فيضعوا على حلقه السكين ويوقظوه ويقولوا له بالإشارة إن تكلمت ذبحناك ويحملوه ويخرجوا به إلى العسكر وجرى ذلك مراراً وعساكر المسلمين تجتمع وتتواتر من كل جانب حتى تكامل وصولها‏.‏

  ذكر وصول رسولهم إلى السلطان

كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمس من جانب الأنكتار أن يجتمع بالسلطان وذكرت عذر السلطان عن ذلك وانقطع الرسول وعاد معاوداً في المعنى وكان في حديثه مع الملك العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج ويكون الاجتماع في المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان فلما أذن في ذلك تأخر الرسول أياماً عنده بسبب مرضه واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه وأنكروا عليه ذلك وقالوا هذه مخاطرة بدين النصرانية ثم بعد ذلك وصل رسوله يقول لا تظن تأخري بسبب ما قيل فإن زمام قيادي مفوض إلي وأنا أحكم ولا يحكم علي غير أن في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني من الحركة فهذا كان العذر في التأخير لا غير وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا وعندي ما يصلح للسلطان وأنا أستخرج الأذن من إيصاله إليه فقال له الملك العادل قد أذن في ذلك بشرط قبول المجازاة على الهدية فرضي الرسول بذلك وقال‏:‏ الهدية شيء من الجوارح قد جلب من وراء البحر وقد ضعف فيحسن أن يحمل إلينا طير ودجاج حتى نطعمها لتقوى ونحملها فداعبه الملك العادل وكان فقيهاً فيما يحدثهم به فقال‏:‏ الملك قد احتاج إلى فراريج ودجاج ويريد أن يأخذها منا بهذه الحجة‏.‏

ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر على أن قال الرسول‏:‏ ما الذي أردتم منا‏.‏

إن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع‏.‏

فقيل له عن ذلك‏:‏ نحن ما طلبناكم أنتم طلبتمونا فإن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع‏.‏

وانقطع حديث الرسالة إلى سادس جمادى الأخرى فخرج رسول الأنكتار إلى السلطان ومعه إنسان مصري قد أسروه من مدة طويلة وهو مسلم قد أهداه إلى السلطان فقبله وأحسن إليه وأعاد مشرفاً مكرماً إلى صاحبه وكان غرضه بتكرار الرسائل تعرف قوة النفس وضعفها وكان غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما عنده من ذلك أيضاً‏.‏

  ذكر قوة زحفهم على البلد ومضايقته

ولم يزالوا يوالون على الأسوار بالمناجيق المتواصلة والضرب وتنقلوا أحجارها حتى خلخلوا سور البلد وأضعفوا بنيانه وأنهك التعب والسهر أهل البلد لقلة عددهم وكثرة الأعمال حتى أن جماعة منهم بقوا ليالي لا ينامون أصلاً لا ليلاً ولا نهاراً والخلق الذين عليهم عدد كثير يتناوبون على قتالهم وهم نفر يسير قد تقسموا على الأسوار والخنادق والمنجنيقات والسفن ولما أحس العدو بذلك وظهر لهم تخلخل السور وتقلقل بنيانه شرعوا في الزحف من كل جانب وانقسموا أقساماً وتناوبوا فرقاً كلما تعب قسم استراح وقام غيره مقامه وشرعوا في ذلك شروعاً عظيماً براجلهم وفارسهم سابع الشهر هذا مع عمارتهم أسوارهم الدائرة على خنادقهم بالرجالة والمقاتلة ليلاً ونهاراً ولما علم السلطان بذلك بإخبار من يشاهده وإظهار العلامة التي بيننا وبينهم وهي دق الكؤوس ركب وركب العسكر إليهم وجرى في ذلك اليوم قتال عظيم من الجانبين وهو كالوالدة الثكلى يحول بفرسه من طلب إلى طلب ويحث الناس على الجهاد ولقد بلغنا أن الملك العادل حمل بنفسه في ذلك اليوم مرتين والسلطان يطوف بين الأطلاب بنفسه وينادي يا للإسلام وعيناه تذرفان بالدموع وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على القتال ولم يطعم في ذلك اليوم طعاماً البتة وإنما شرب أقداح مشروب كان يشير بها الطبيب وتأخرت عن حضور هذا الزحف لإلمام مرض شوش مزاجي لما عراني فكنت في الخيمة في تل العياضية وأنا أشاهد الجميع ولما هجم الليل عاد رحمه الله إلى الخيم بعد العشاء الآخرة وقد أخذ منه التعب والكآبة والحزن فنام لا عن عفو‏.‏

ولما كان سحر تلك الليلة أمر الكؤوس أن دقت وركب العساكر من كل جانب وأصبحوا على ما أمسوا عليه وفي ذلك اليوم وصلت مطالعة عن البلد يقولون فيها أنا قد بلغ منا العجز إلى غاية ما بعدها إلا التسليم ونحن في الغد ثامن الشهر إن لم تعملوا شيئاً نطلب الأمان ونسلم البلد ونشتري مجرد رقابنا وكان هذا أعظم خبر ورد على المسلمين وأنكى في قلوبهم فإن عكا كانت قد احتوت على جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر وجميع البلاد الإسلامية واحتوت على كبار من أمراء العسكر وشجعان الإسلام كسيف الدين المشطوب وبهاء الدين قراقوش وغيرهما وكان قراقوش ملتزماً بحراستها منذ نزل العدو عليها وأصاب السلطان ما لم يصبه شيء مثله وخيف على مزاجه التشويش وهو لا يقطع ذكر الله والرجوع إليه في جميع ذلك صابراً محتسباً ملازماً مجتهداً والله لا يضيع أجر المحسنين فرأى الدخول على القوم ومهاجمتهم فصاح في العسكر الصائح وركبت الأبطال فاجتمع الراجل والفارس واشتد الزحف ولم يساعده العسكر في ذلك اليوم على الهجوم على العدو فإن رجالته وقفوا كالسور المحكم البناء بالسلاح والزنبورك والنشاب من وراء أسوارهم وهجم عليهم بعض الناس من بعض أطرافهم فثبتوا وذبوا غاية الذب ولقد حكى بعض من دخل عليهم أسوارهم أنه كان هناك راجل واحد إفرنجي صعد سور خندقهم واستدبر المسلمين وإلى جانبه جماعة يناولونه الحجارة وهو يرميها على المسلمين الذين يلاصقون سور الخندق وقال إنه وقع فيه زهاء خمسين سهماً وحجراً ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذب والقتال حتى ضربه زراق مسلم بقارورة فارقه‏.‏

ولقد حكى لي شيخ عاقل جندي أنه كان من جملة من دخل قال وكان داخل سورهم امرأة عظيمة عليها ملوطة خضراء فما زالت ترمينا بقوس من خشب حتى خرجت منا جماعة وتكاثرنا عليها وقتلناها وأخذنا قوسها وحملنا إلى السلطان فعجب من ذلك عجباً عظيماً ولم يزل الحرب يعمل بين الطائفتين بالقتل والجرح حتى فصل بينهم الليل‏.‏

  ذكر ما آل إليه أمر البلد من الضعف

ووقوع المراسلة بين أهل البلد والإفرنج

ولما اشتد زحفهم على البلد وتكاثروا عليها من كل جانب وتناوب ضعف أهل البلد لما رأوه من عين الهلاك واستشعروا العجز عن الدفع وتمكن العدو من الخنادق فملكوها وتمكنوا من سور الباشورة فنقبوه وأشعلوا فيه النار بعد حشو النقب ووقعت بدنة من الباشورة ودخل العدو الباشورة وقتل منهم فيها مائة وخمسون نفراً وصاعداً وكان فيهم ستة من كبارهم فقال لهم واحد لا تقتلوني حتى أرحل الفرنج عنكم بالكلية فبادر رجل من الأكراد فقتله وقتل الخمسة الأخرى وفي الغد نادى الإفرنج احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم فقالوا قد قتلناهم فحزن الإفرنج لذلك حزناً عظيماً وطلبوا الزحف بعد ذلك أياماً ثلاثة‏.‏

وبلغنا أن سيف الدين المشطوب خرج بنفسه إلى ملك الفرنسيس بالأمان وقال له قد أخذنا منكم بلاداً عدة وكنا نهجم البلد وندخل فيه ومع هذا إذا سألونا الأمان أعطيناهم وحملناهم إلى مأمنهم وإكرامهم ونحن نسلم البلد وتعطينا الأمان على أنفسنا فأجابه بأن هؤلاء الملوك الذين أخذتموهم منا وأنتم أيضاً مماليكي وعبيدي فأرى فيكم رأيي وبلغنا أن المشطوب بعد ذلك أغلظ له في القول وقال أقاويل كثيرة في ذلك المقام منها أنا لا نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ولا يقتل منا واحد حتى يقتل خمسون نفساً من كباركم وانصرف عنه‏.‏

ولما دخل المشطوب البلد بهذا الخبر خاف جماعة ممن كانوا في البلد فأخذوا بركوساً وركبوا فيه ليلاً خارجين إلى العسكر الإسلامي منهم أرسل ولبن الجاولي وسنقر الوشاقي فأما أرسل وسنقر فإنهما تغيبا في العسكر ولم يعلم لهما مكان خشية من نقمة السلطان‏.‏

وأما ابن الجاولي وفي سحر تلك الليلة ركب السلطان مشعراً أنه يواصل كبس القوم ومعه المساحي وآلات طم الخنادق فما ساعده العسكر على ذلك وتخاذلوا عن ذلك وقالوا نخاطر بالإسلام كله ولا مصلحة في ذلك‏.‏

وفي ذلك اليوم خرج من الأنكتار رسل ثلاثة طلبوا فاكهة وثلجاً وذكروا أن مقدم الأسبتار يخرج في الغد يتحدث في معنى الصلح غير أن السلطان أكرمهم سوق العسكر وتفرجوا فيه وعادوا تلك الليلة إلى عسكرهم‏.‏

وفي ذلك اليوم تقدم إلى صارم الدين قايماز النجمي حتى يدخل هو وأصحابه إلى أسوارهم وترحل جماعة من أمراء الأكراد كالجناح وأصحابه وهو المشطوب وزحفوا حتى وصلوا أسوار الإفرنج ونصب قايماز بنفسه علمه على سورهم وقاتل عن العلم قطعة من النهار ووصل في ذلك اليوم عز الدين جرديك النوري وسوق الزحف قائم فترجل هو وجماعته وقاتل قتالاً شديداً واجتهد الناس اجتهاداً عظيماً‏.‏

وفي العاشر أصبح القوم ساكتين عن الزحف والعساكر الإسلامية محدقة بهم وقد باتوا ليلتهم شاكي السلاح راكبي ظهور خيلهم منتظرين عسى أن تمكنهم مساعدة إخوانهم المقيمين بعكا ويهجموا على طرف من الإفرنج فيكسروهم ويخرجوا يحمي بعضهم بعضاً ويخرج العسكر يجاوبهم من هذا الجانب فيسلم من سلم ويؤخذ من أخذ فلم يقدروا على الخروج وكان قد ثبت ذلك معهم فلم يتهيأ لهم في تلك الليلة خروج بسبب أنه كان هرب منهم بعض الغلمان فأخبر العدو بذلك فاحتاطوا بهم وحرسوهم حراسة عظيمة‏.‏

ولما كان يوم الجمعة العاشر خرج منهم رسل ثلاثة واجتمعوا بالملك العادل وتحادثوا معه ساعة زمانية وعادوا ولم ينفصل الحال وانقضى النهار على مقام المسلمين بالمرج في مقابلة العدو وباتوا على مثل ذلك‏.‏

ولما كان السبت الحادي عشر لبست الفرنج بأسرها لباس الحرب وتحركوا حركة عظيمة بحيث أنهم اعتقدوا رجلكان صاف واصطفوا وخرج من الباب الذي تحته القبة زهاء أربعين نفساً واستدعوا جماعة من المماليك وطلبوا منهم العدل الزيداني وذكروا أنه صاحب صيداً طليق السلطان فحضر العدل وجرى مبادلة أحاديث في معنى إطلاق العسكر الذي بعكا واشتطوا في ذلك اشتطاطاً عظيماً وتصرم نهار السبت ولم ينفصل حال‏.‏

  ذكر كتب وصلت من البلد

ولما كان يوم الأحد ثاني عشر وصلت كتب يقولون فيها إنا قد تبايعنا على الموت ولا نزال نقاتل حتى نقتل ولا نسلم هذا البلد ونحن أحياء فانظروا أنتم كيف تعملون في شغل العدو عنا ودفعه عن قتالنا فهذه عزائمنا وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو وتلينوا لهم فإنا نحن قد فات أمرنا وذكر العوام الواصل بهذه الكتب أنه لما وقع بالليل الصوت ظن الإفرنج أن عسكراً عظيماً عبر إلى عكا وسلم وسار فيها قال وجاء إنسان إفرنجي فوقف تحت السور وصاح إلى بعض من على السور وقال له بحق دينك إلا ما أخبرتني كم عدد العسكر الذي دخل إليكم البارحة يعني ليلة السبت وكان قد وقع بالليل صوت وانزعج الطائفتان ولم يكن له حقيقة فقال له ألف فارس فقال لا لكنه دون ذلك أنا رأيتهم لابسين ثياباً خضراً‏.‏

ثم تتابعت العساكر الإسلامية واندفع كيد العدو عن القوم في تلك الليلة بعد أن كان قد أشرف البلد على الأخذ وفي يوم الخميس سادس عشر وصل أسد الدين شيركوه واشتد ضعف البلد وكثرت ثغور سوره وجاهد المقيمون فيه وبنوا عوض الثلم سوراً من داخلها حتى إذا تم بناؤه اقتتلوا عليه واشتد ثبات الإفرنج على أنهم لا يصالحون ولا يعطون الذين في البلد أماناً حتى يطلق جميع الأسارى الذين في أيدي المسلمين وتعاد البلاد الساحلية إليهم وبذل لهم تسليم البلد وما فيه دون ما فيه فلم يفعلوا وبذل لهم أيضاً مع ذلك صليب الصلبوت فلم يفعلوا واشتد عتوهم واستفحل أمرهم وضاقت الحبل عنهم ومكروا والله خير الماكرين‏.‏

ولما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة خرج العوام من الثغر ونطقت الكتب عنهم أن أهل البلد ضاق بهم الأمر وكثرت الثغر وعجزوا عن الحفظ والدفع ورأوا عين الهلاك وتيقنوا أنه متى أخذت البلد عنوة ضربت أعناقهم عن آخرهم وأخذ جميع ما فيه من العدد والأسلحة والمراكب وغير ذلك فصالحهم على أن يسلمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد والمراكب ومائتي ألف دينار وألف وخمسمائة فارس أسير مجاهيل الأحوال ومائة فارس معينين من جانبهم يختارون وصليب الصلبوت ويخرجون بأنفسهم سالمين وما معهم من الأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونساؤهم وضمنوا للمركيس عشرة آلاف دينار أنه كان واسطة ولأصحابه أربعة آلاف دينار واستقرت القاعدة على ذلك‏.‏

  ذكر استيلاء العدو على عكا

ولما وقف السلطان على كتبهم وعلى مضمونها أنكر ذلك إنكاراً عظيماً وعظم عليه هذا الأمر وجمع أرباب المشورة وشاورهم فيما يصنع واضطرب الأمراء وتقسم فكره وتشوش وعزم على أن يكتب في الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه وهو في مثل هذه الحال فما أحس المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه وشعاره وناره على أسوار البلد وذلك في ظهر نهار الجمعة سابع عشر جمادى الآخرى سنة سبع وثمانين وخمسمائة وصاح الإفرنج صيحة واحدة وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزن الموحدين وانحصر كلام العقلاء من الناس في تلاوة إنّا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وغشي الناس بغتة عظيمة وحيرة شديدة ووقع في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب وكان لكل قلب حظ في ذلك قدر إيمانه ولكل إنسان نصيب من هذا الخطب على مقدار ديانته ونخوته وانقشعت الحال على أنه قد استقرت القاعدة بين أهل البلد وبين الإفرنج على ذلك الحال المتقدم وأن المركيس دخل البلد ومعه أعلام الملوك فنصب علماً على القلعة وعلماً على مأذنة الجامع في يوم الجمعة وعلماً على برج القتال عوضاً عن علم الإسلام وحيز المسلمون إلى بعض أطراف البلد وجرى على أهل الإسلام المشاهدين لذلك الحال ما كثر التعجب من الحياة معه ومثلت في خدمة السلطان وهو أشد حالة من الوالدة الثكلى والمولهة الحراء فسليته بما تيسر لي من التسلية وأذكرته في الفكر فيما يستقبله من الأمر في معنى البلاد الساحلية والقدس الشريف وكيفية الحال في ذلك وإعمال الفكر في خلاص المسلمين المأسورين في البلد وذلك في ليلة السبت الثامن عشر وانفصل الحل على أن رأى التأخير عن تلك المنازلة مصلحة فإنه لم يبق في المضايقة معنى فتقدم بنقل الأثقال ليلاً إلى المنزلة التي كان عليها أولاً بشفرعم وأقام هو جريدة في مكانه لينظر ماذا يكون من أمر العدو وحال أهل البلد وأقام هو راضياً راجياً من الله تعالى أنه ربما حملهم غرورهم بالخروج إليه والهجوم عليه فينال منهم غرضاً ويلقي نفسه عليهم ويعطي الله النصر لمن شاء فلم يفعل العدو شيئاً من ذلك واشتغلوا بالاستيلاء على البلد والتمكن منه فأقام إلى بكرة التاسع عشر من الشهر وانتقل إلى الثقل وفي ذلك اليوم خرج منهم ثلاثة نفر مع الحاجب قوس بهاء الدين قراقوش وكان رجلاً عاقلاً مستخبرين ما وقع عقد الصلح عليه من المال والأسرى فأقاموا ليلة مكرمين وساروا إلى دمشق يبصرون الأسرى في الحادي والعشرين وأنفذ السلطان رسولاً إلى الفرنج يسألهم كيف جرت الحال ويستعلم كم مدة تحصيل ما وقعت عليه المصالحة واستقرت عليه المهادنة‏.‏

ذكر وقعة جرت في أثناء ذلك

ولما كان سلخ الشهر خرج الإفرنج من جانب البحر شمالي البلد وانتشروا انتشاراً عظيماً راجلهم وفارسهم وضربوا أطلاباً للقتال فأخبر اليزك بذلك السلطان فدق في الكؤوس وركب وأنفذ إلى اليزك وقواه برجال كثيرة وتوقف حتى ركبت العساكر الإسلامية واجتمعوا فوقع بين اليزك وبين العدو وقعة عظيمة وقتال شديد قبل اتصال العساكر باليزك وكان اليزك قد قوي بما أنفذ إليه فحملوا على العدو حملة عظيمة فانكسر العدو من بين أيديهم وانهزمت الخيالة وسلمت الرجالة وظنوا أن وراء اليزك كميناً فاشتدوا نحو خيامهم ووقع اليزك في الرجالة فقتل منهم زهاء خمسين نفراً ولم يزل السيف يعمل فيهم حتى دخلوا خنادقهم‏.‏

وفي ذلك اليوم وصل رسل الإفرنج الذين ساروا إلى دمشق ليتفقدوا حال أسراهم ووصل معهم من مميزي أسراهم أربعة نفر ووصل في عيشته أيضاً رسل السلطان في تحرير أمر الأسارى المسلمين الذين كانوا بعكا ولم تزل الرسل تتردد بين الطرفين حتى كان تاسع رجب‏.‏

خروج ابن باريك وفي ذلك اليوم خرج حسام الدين بن باريك المهراني ومعه اثنان من أصحاب الأنكتار فأخبرني أن الملك افرنسيس سار إلى صور وذكروا في تحرير أمر الأسارى وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت وأنه في العسكر أو حمل إلى بغداد فأحضر صليب الصلبوت وشاهدوه وعظموه ورموا نفوسهم إلى الأرض ومرغوا وجوههم على التراب وخضعوا خضوعاً عظيماً لم ير مثله وذكروا أن الملوك قد أجابوا السلطان أن يكون ما وقع عليه القرار تروم ثلاثة كل شهر ترم ثم أرسل السلطان رسولاً إلى الفرنسيس سار إليه إلى صور بهدايا سنية وطيب كثير وثياب جميلة‏.‏

وفي صبيحة العاشر من رجب انتقل السلطان بحلقته وخواصه إلى تل ملاصق لشفرعم ونزلت العساكر في منازلها على حالهم قريباً من منزلته أولى ليس بينهما إلا الوادي ولم تزل الرسل تتواتر في تحرير القاعدة وتنجيزها حتى حصل لهم ما كانوا التمسوه من الأسرى والمال المختص بذلك الترم وهو الصليت ومائة ألف دينار وستمائة أسير وأنفذوا ثقاتهم وشاهدوا الجميع ما عدا الأسارى المعينين من جانبهم فإنهم لم يكونوا فرغوا من تعيينهم ولم يكملوهم حتى يحصلوا ولم يزالوا يطاولون ويقصرون الزمان حتى انقضى الترم الأول في ثامن عشر رجب ثم أنفذوا في ذلك اليوم يطلبون ذلك فقال لهم السلطان إما أن تنفذوا إلينا أصحابنا وتستلموا الذي عين لكم من هذا الترم ونعطيكم رهائن على الباقي تصل إليكم في ترومكم الباقية وإما أن تعطونا رهائن على ما نسلم إليكم إلى أن يخرج إلينا أصحابنا فقالوا لا نفعل شيئاً من ذلك بل تسلمون إلينا ما يقضيه هذا الترم وتقنعون بإيماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم فأبى السلطان ذلك لعلمه أنهم إن تسلموا المال والصليب والأسرى وأصحابنا عندهم لا يؤمن غدرهم ويكون وهن الإسلام عند ذلك وهناً عظيماً لا يكاد ينجبر‏.‏

  ذكر قتل المسلمين الذين كانوا بعكا رحمهم الله

ولما رأى الأنكتار الملعون توقف السلطان ببذل المال والأسرى والصليب غدر بأسرى المسلمين وكان قد صالحهم وتسلم البلد منهم على أن يكونوا آمنين على نفوسهم على كل حال وأنه إن دفع السلطان إليهم ما استقر أطلقهم بأموالهم ونسائهم وإن امتنع من ذلك ضرب عليهم الرق وأخذهم أسرى فغدرهم الملعون وأظهر ما كان أبطن وفعل ما أراد أن يفعله بعد أخذ المال والأسرى على ما أخبر به عنه أهل ملته فيما بعد وركب هو وجميع العسكر الإفرنجية راجلهم وفارسهم والتراكيل في وقت العصر من يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب وساروا حتى أتوا الآبار التي تحت تل العياضية وقدموا خيامهم إليها وساروا حتى توسطوا المرج بين تل كيسان وبين العياضية ثم أحضروا من أسارى المسلمين من كتب الله شهادته في ذلك اليوم وكانوا زهاء ثلاثة آلاف في الحبال وجملوا عليهم جملة الرجل الواحد فقتلوهم صبراً ضرباً وطعناً بالسيف واليزك الإسلامي يشاهدون ولا يعلمون ماذا يصنعون لبعدهم عنهم وكان اليزك قد أنفذ إلى السلطان وأعلموه بركوب القوم ووقوفهم فأنفذ إلى اليزك من قواه وبعد أن فرغوا منهم حمل المسلمون عليهم وجرت بينهم حرب قتل فيها وجرح من الجانبين ودام القتال إلى أن فصل الليل بين الفريقين وأصبح المسلمون يكشفون الحال فوجدوا الشهداء في مصارعهم وعرفوا من عرفوه منهم فغشي المسلمين من ذلك حزن عظيم وكآبة شديدة ولم يبقوا إلا رجلاً معروفاً مقداماً أو قوي يد لعمائرهم وذكر لقتلهم أسباب منها أنهم قتلوهم في مقابلة من قتل منهم وقيل إن الأنكتار كان قد عزم على السير إلى عسقلان للاستيلاء عليها فما رأى أن يخلف تلك العدة في البلد وراءه والله أعلم‏.‏

  ذكر مسير العدو إلى عسقلان

وانتقاله إلى طرف البحر من جانب الغرب

ولما كان التاسع والعشرون من رجب الإفرنج بأسرهم وقلعوا خيامهم وحملوها على دوابهم وساروا حتى قطعوا النهر إلى الجانب الغربي وضربوا الخيام على طريق عسقلان وأظهروا العزم على المسير على شاطئ البحر وأمر الأنكتار باقي الناس أن يدخلوا إلى البلد وكانوا قد سدوا ثغره وثلمه أو أصلحوا ما انهدم منه وكان مقدم العسكر الخارج السائر الأنكتار وجمع عظيم من الرجالة والخيالة ولما كان مستهل شعبان اشتعلت نيران العدو في سحر ذلك اليوم وعادتهم أنهم إذا أرادوا الرحيل أشعلوا نيرانهم وأخبر اليزك بحركاتهم فأمر السلطان الثقل أن يرفع حتى يبقى الناس على ظهر ففعل الناس ذلك وهلك من الناس قماش كثير وحوائج كثيرة من السوقة لم تكن معهم خيل ولا ظهر يحمل جميع ما عندهم لأن كل إنسان كان يحصل ما يحتاج إليه في أشهر وكل واحد من السوقة عنده ما ينفذ من منزل إلى منزل في مرار متعددة لكن هذا المنزل لم يمكن أن يتخلف فيه أحد لقربه من الإفرنج الذين بعكا والخوف منهم ولما أن علا النهار شرع العدو في السير على جانب البحر وتفرقوا قطعاً كثيرة كل قطعة تحمي عن نفسها وقوّى السلطان اليزك وأنفذ معظم العساكر قبالتهم فمضوا وقاتلوهم قتالاً شديداً وأنفذ ولده الملك الأفضل يخبر أنه قطع طائفة منهم عن الموافقة ولقد نازلناهم بالقتال ولو قوينا لأخذناهم فسير السلطان خلقاً عظيماً من العسكر وسار هو بنفسه وأنا في خدمته حتى أتى أوائل الرمل فلقينا الملك العادل فأخبر أخاه أن تلك الطائفة قد التجأت بالطائفة الأولى ومعظم القوم قد عبروا نهر حيفا وقد نزلوا والباقون قد لحقوا بهم وليس للمسير وراءهم حاصل إلا إتعاب العسكر وضياع النشاب لا غير فتراجع السلطان عن القوم لما تحقق ذلك وأمر طائفة من العسكر أن تسير وراء الثقل تلحق ضعيفهم بقويهم وتكف عنهم أن يلحق بهم من العدو والطماعة وسار هو حتى وصل إلى القيمون عصر ذلك النهار فنزل وضرب له الدهليز وشق دائرة حوله لا غير واستحضر الجماعة فأكلوا شيئاً واستشارهم فيما يفعل‏.‏

المنزل الثاني‏:‏ اتفق رأي جماعة على أنهم يرحلون بكرة غد‏.‏

هذا وقد رتب حول الإفرنج يزكاً يبيتون حوله يرقبون أمره‏.‏

ولما كان صباح ثاني شعبان رحل السلطان الثقل وأقام هو يترصد أخبار العدو فلم يصل منهم شيء إلى أن علا النهار فسار في أثر الثقل حتى أتى قرية يقال لها الصباغين فجلس ساعة يترقب أخبار العدو وكان قد خلف جرديك قريب العدو وتعقب خلق عظيم باتوا قريب العدو فلم يصله خبر أصلاً فسار حتى أتى الثقل في منزلة يقال لها عيون الأساود ولما بلغنا المنزل رأينا خياماً فسأل عنها فقيل إنها خيام الملك العادل فعدل لينزل عنده فأقام عنده ساعة ثم أتى خيمته وفقد الخبز في هذه المنزلة بالكلية وغلا الشعير حتى بلغ درهماً وبلغ رطل البقسماط درهمين ثم أقام السلطان حتى عبر وقت الظهر وركب وسار إلى موضع يسمى الملاحة يكون منزلاً للعدو إذا رحلوا من حيفا وكان قد سبق ليفقد المكان هل يصلح للمصاف أم لا ويتفقد أراضي قيسارية بأسرها إلى الشعرا وعاد إلى المنزل بعد دخول وقت العشاء الآخرة وقد أخذ منه التعب وسألته عما بلغه من خبر العدو فقال وصل إلينا من أخبرنا أنه ما رحل من حيفا إلى عصر يومنا هذا يعني ثاني شعبان وها نحن مقيمون مرتقبون أخبارهم ويكون العمل بمقتضاها وبات تلك الليلة وأصبح مقيماً بتل الزلزلة ينتظر العدو نادى الجاويش بالعسكر للعرض فركب الناس على ترتيب المصاف وأبهته‏.‏

ولما علا النهار نزل السلطان في خيمته وأخذ نصيباً من الراحة بعد الغداء ومثول جماعة من الأمراء إلى خدمته وأخذ رأيهم فيما يصنعون ثم صلى الظهر وجلس يطلق أثمان الخيول المجروحة وغيرها إلى العشاء الآخرة من مائة دينار إلى مائة وخمسين ديناراً وزائد وناقص فما رأيت أسح صدراً منه ولا أبسط وجهاً في العطاء واتفق الرأي على رحيل الثقل في عصر ذلك اليوم إلى مجدل يافا‏.‏

المنزل الثالث‏:‏ وأقام هو جريدة بالمنزل إلى الصباح رابع الشهر وركب وسار في رأس النهر الجاري إلى قيسارية ونزل هناك وبلغ رطل البقسماط أربع دراهم وربع الشعير درهمين ونصفاً والخبز لم يوجد أصلاً ونزل في خيمة وأكل خبزاً وصلى الظهر وركب إلى طريق العدو لتجديد إرشاده في ضرب المصاف ولم يعد إلى أن دخل وقت العصر فجلس ساعة وأخذ جزءاً من الراحة ثم عاد وركب وأمر الناس بالرحيل ورمى خيمته ورمى الناس خيامهم في أواخر النهار‏.‏

المنزل الرابع‏:‏ وكان الرحيل إلى رابية متأخراً عن تلك الرابية وفي ذلك المنزل أتي باثنين من الإفرنج قد تخطفهم اليزك فأمر بضرب رقابهما فقتلا وتكاثر الناس عليهما بالسيوف تشفياً ثم بات هناك وأصبح مقيماً بالمنزل لأنه لم يصح عن العدو رحيل وأنفذ إلى الثقل حتى يعود إليه في تلك الليلة مما طرأ على الناس من الضيق في المآكل والقضم وركب في وقت عادته إلى جهة العدو وأشرف على قيسارية وعاد إلى الثقل قريب الظهر وقد وصل الخبر أن العدو لم يرحل بعد من الملاحة وأحضر عنده اثنان أيضاً قد أخذ من أطراف العدو فقتلا شر قتلة وكان في حدة الضيقة لما جرى على أسرى عكا ثم أخذ جزء من الراحة وجلس بعد صلاة الظهر وحضرت عنده وقد أحضر بين يديه من العدو فارس مذكور هيئته تخبر عن أنه متقدم فيهم فأحضر ترجماناً وبحث عن أحوال القوم وسأله كيف يسوى الطعام عندكم فقال‏:‏ أول يوم رحلنا من عكا كان الإنسان يشبع بستة قراطيس فلم يزل السعر يغلو حتى صار يشبع بثمانية قراطيس‏.‏

وسأل عن سبب تأخرهم في المنازل‏.‏

فقال‏:‏ لانتظار وصول المراكب بالرجال والميرة‏.‏

فسأل عن القتلى والجرحى في يوم رحيلهم فقال كثير‏.‏

فسأل عن الخيل التي هلكت في ذلك اليوم فقال مقدار أربعمائة فرس فأمر بضرب عنقه ونهى عن التمثيل به فسأل الترجمان عما قال السلطان فأخبره بما قال فتغير تغيراً عظيماً وقال أنا أخلص لكم أسيراً من عكا‏.‏

فقال رحمه الله‏:‏ بل أميراً‏.‏

فقال‏:‏ لا أقدر على خلاص أمير فشفع الطمع فيه وحسن خلقه فإني ما رأيت أتم خلقاً منه مع ترف في الأطراف ورفاهية فأمر أن يترك الآن ويؤخر أمره فصفده وعاتبه على ما بدا منهم من الغدر وقتل الأسرى فاعترف بأنه قبيح ولم يجر إلا برضا الملك وحده وركب السلطان بعد صلاة العصر على عادته وبعد أن نزل أمر بقتل الفارس المذكور وأتي بعده باثنين فأمر بقتلهما وبات في ذلك المنزل المذكور وذكر له في السحر أن العدو قد تحرك نحو قيسارية وقارب أوائلهم البلد فرأى أن يتأخر من طريق العدو منزلاً آخر‏.‏

المنزل الخامس‏:‏ فرحل ورحل الناس إلى قريب التل الذي كنا عليه فنزل الناس وضربت الخيام ومضى هو يرتاد الأراضي الكائنة في طريق العدو لينظر أيها أصلح للمصاف ونزل قريب الظهر واستدعى أخاه الملك العادل وعلم الدين سليمان وأخذ رأيهما فيما يصنع وأخذ جزءاً من الراحة وأذّن الظهر فصلى وركب ليشرف وليكشف عن العدو ويتنسم أخباره وأتاه اثنان من الإفرنج قد نهبا فأمر بقتلهما ثم أتي باثنين آخرين فقتلا أيضاً وجيء في أواخر النهار باثنين فقتلا أيضاً وعاد من الركوب وصلى صلاة المغرب وجلس على عادته واستدعى أخاه وصرف الناس وخلا به إلى هزيع من الليل ثم بات وأصبح ونادى الجاويش لعرض الحلقة لا غير وركب إلى جهة العدو ووقف على تلول مشرفة على قيسارية وكان العدو قد وصل إليها نهار الجمعة سادس شعبان ولم يزل يعرض هناك إلى أن علا النهار ثم نزل وأكل الطعام وركب إلى أخيه وعاد بعد صلاة الظهر وأخذ جزءاً من الراحة وجلس وأتي بأربعة من الإفرنج وامرأة إفرنجية بينهم أسيرة وهي بنت الفارس المذكور ومعها أسيرة مسلمة قد أخذتها فأطلقت المسلمة ودفع الباقون إلى الزردخانة وهؤلاء أتي بهم من بيروت أخذوا في مراكب من جملة عدة كثيرة فقتلوا‏.‏

كل ذلك في نهار السبت سابع الشهر وهو في المنزلة ينتظر رحيل العدو مجمعاً على لقائه إذا رحل‏.‏

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >