ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

 

  ذكر فتوح بغراس

وهي قلعة منيعة أقرب إلى أنطاكية من دربساك وكانت كثيرة العدة والرجال فنزل العسكر في مرج لها وأحدق العسكر بها جريدة مع أنّا احتجنا إلى يزك في تلك المنزلة يحفظ جانب أنطاكية لئلا يخرج منها من يهاجم العسكر فضرب يزك الإسلام على باب أنطاكية بحيث لا يشذ عنه من يخرج منها وأنا ممن كان في اليزك بعض الأيام لرؤية البلد وزيارة حبيب النجار المدفون فيها ولم يزل يقاتل بغراس مقاتلة شديدة حتى طلبوا الأمان على استئذان أنطاكية ورقي العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان وفي بقية ذلك اليوم عاد رحمه الله إلى المخيم الأكبر وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر وقوة قلق عماد الدين صاحب سنجار في طلب الدستور وعقد الصلح بيننا وبين أنطاكية من بلاد الإفرنج لا غير على أن يطلقوا جميع أسارى المسلمين الذين عندهم وكان إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد إلى السلطان‏.‏

ورحل يطلب دمشق فسأله ولده الملك الظاهر أن يجتاز به فأجابه وسار حتى أتى حلب حادي عشر شعبان وأقام بقلعتها ثلاثة أيام وولده يقوم بالضيافة حق القيام ولم يبق من العسكر إلا من ناله من نعمته منال وأكثر ظني أنه أشفق عليه والده وسار من حلب يريد دمشق فاعترضه ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين وأصعده إلى قلعة حماة واصطنع له طعاماً حسناً وأحضر له سماع الصوفية وبات فيها ليلة واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية وسار على طريق بعلبك حتى أتاها وأقام بمرجها يوماً ودخل إلى حمامها وسار منها حتى دخل رمضان وما كان يرى تخلية وقته عن الجهاد مهما أمكنه وكان قد بقي له القلاع القريبة من حوران التي يخاف عليها من جانبها كصفد وكوكب فرأى أن يشغل الوقت بفتح المكانين في الصوم‏.‏

ثم سار في أوائل رمضان من دمشق يريد صفد ولم يلتفت إلى مفارقة الأهل والأولاد والوطن في هذا الشهر الذي يسافر الإنسان أين كان فيجتمع فيه بأهله‏.‏

اللهم إنه احتمل ذلك ابتغاء مرضاتك فآته أجراً عظيماً‏.‏

فسار حتى أتى صفد وهي قلعة منيعة قد تقاطعت حولها أودية من سائر جوانبها فأحدق العسكر بها ونصب عليها المناجيق في أثناء شهر رمضان المبارك وكانت الأمطار شديدة والوحول عظيمة ولم يمنعه ذلك عن جده ولقد كنت عنده في خدمته ليلة وقد عين مواضع خمس مناجيق فقال ما ننام حتى تنصب الخمسة وسلم كل منجنيق إلى قوم ورسله تتواتر إليهم يعرفونهم كيف يصنعون حتى أظله الصبح وقد فرغت المنجنيقات ولم يبق إلا تركيب خنازيرها فيها فرويت له الحديث المشهور في الصحاح وبشرته بمقتضاه وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم‏:‏ ‏"‏ عينان لا تمسهما النار عين باتت تحرس في سبيل الله وعين بكت من خشية الله ‏"‏ وفي أثناء شهر رمضان سلمت الكرك من جانب نواب صاحبها وخلصوه بها من الأسر وكان قد أسر في وقعة حطين المباركة ثم لم يزل القتال على صفد متواصلاً بالبون مع الصوم حتى سلمت بالأمان في رابع عشر شوال‏.‏

  ذكر فتح كوكب

ثم سار يريد كوكب فنزل على الجبل وجرد العسكر وأحدق بالقلعة وضايقها بالكلية بحيث اتخذ له موضعاً يتجاوز نشاب العدو ونباله حائطاً من حجر وطين يستتر وراءه حتى لا يقدر أحد يقف على باب خيمة إلا إن كان ملبساً وكانت الأمطار متواترة والوحول عظيمة وعانى شدائد وأهوالاً من شدة الرياح وتراكم الأمطار وكون العدو مسلطاً عليهم بعلو مكانه وقتل وجرح جماعة ولم يزل راكباً مركب الجد حتى تمكن من النقب من سورها ولما أحس العدو المخذول أنه مأخوذ طلب الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم وتسلمها في منتصف ذي القعدة ونزل على الفور إلى الثقل وكان قد أنزله من شدة الوحل والريح في سطح الجبل فأقام بقية الشهر يراجعه أخوه الملك العادل في أشغال شخصية حتى هل هلال ذي الحجة وأعطى الجماعة دستوراً وسار مع أخيه يريد القدس لزيارته ووداع أخيه فإنه عائداً إلى مصر فوصلا إليه يوم الجمعة ثامن ذي الحجة وصلينا الجمعة في قبة الصخرة الشريفة وصلينا صلاة العيد الأعظم بها أيضاً يوم الأحد وسار حادي عشر طالباً عسقلان لينظر في حالها فأقام بها أياماً يلم شعثها ويصلح أحوالها فودع أخاه وأعطاه الكرك وأخذ منه عسقلان وعاد يطلب عكا على طريق الساحل ويمر على البلاد يتفقد أحوالها ويودعها الرجال والعدد حتى أتى عكا فأقام بها معظم محرم سنة خمسة وثمانين ورتب بها بهاء الدين قراقوش والياً وأمره بعمارة السور والإطناب فيه‏.‏

  ذكر توجهه إلى شقيف أرنون

وهي السفرة المتواصلة بواقعة عكا وأقام بدمشق حتى دخل ربيع الأول ثلاثة أيام ووصله في أثناء ربيع الأول رسل الخليفة الناصر لدين الله يأمره بالخطبة لولده ولي العهد فخطب له وجدد عزمه على قصد شقيف أرنون وهو موضع حصين قريب من بانياس وكان تبريزه في الثالث فسار حتى نزل مرج برغوث وأقام به ينتظر العساكر إلى حادي عشرة ورحل حتى أتى بانياس ثم رحل منها حتى أتى مرج عيون في السابع عشر فخيم به وهو قريب من شقيف أرنون بحيث يركب كل يوم بشارفه والعساكر تجتمع وتطلبه من كل صوب وأوب فأقمنا أياماً نشرف كل يوم على الشقيف والعساكر الإسلامية في كل يوم تصبح متزايدة العدد والعدد وصاحب الشقيف يرى ما يتيقن معه عدم السلامية فرأى أن إصلاح حاله معه قد تعين طريقاً إلى سلامته فنزل بنفسه وما أحسسنا به إلا وهو قائم على باب خيمة السلطان فأذن له فدخل فاحترمه وأكرمه وكان من كبار الإفرنجية وعقلائها وكان يعرف بالعربية وعنده إطلاع على شيء من التواريخ وبلغني أنه كان عنده مسلم يقرأ له ويفهمه وكان عنده ثاني فحضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام ثم خلا به وذكر له أنه مملوك وأنه تحت طاعته وأنه يسلم المكان إليه من غير تعب واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الإفرنج وإقطاعاً بدمشق يقوم به وبأهله وأن يمكن من الإقامة بموضعه وهو يتردد إلى الخدمة ثلاثة أشهر من تاريخ اليوم الذي كان فيه حتى يتمكن من تخليص أهله وجماعته من صور فأجيب إلى ذلك كله وأقام يتردد إلى خدمة السلطان في كل وقت ويناظره في دينه ونناظره في بطلانه وكان حسن المحاورة ومتأدباً في كلامه وفي أثناء ربيع الأول وصل الخبر بتسليم الشوبك وكان قد أقام السلطان عليه جمعاً عظيماً يحاصرونه مدة سنة حتى فرغ زادهم وسلموه بالأمان‏.‏

  ذكر اجتماع الإفرنج تقصد عكا

وكان السلطان اشترط على نفسه حين تسلم عسقلان أنه إن أمر الملك بتسليمها أطلقه فأمرهم بتسليمها وسلموها فطالبه الملك بإطلاقه فأطلقه وفاءً بالشرط ونحن على حصن الأكراد من أنطرسوس واشترط عليه أن لا يشهر في وجهه سيفاً أبداً ويكون غلامه ومملوكه وطليقه أبداً فنكث لعنه الله فجمع جموعاً وأتى صور يطلب الدخول إليها فخيم على بابها يراجع المركيس الذي كان بها في ذلك الوقت وكان المركيس اللعين رجلاً عظيماً ذا رأي وبأس شديد في دينه وصرامة عظيمة فقال إني نائب للملوك الذين وراء البحر وما أذنوا لي في تسليمها إليك وطالت المراجعة واستقرت القاعدة بينهما على أن يتفقوا جميعاً على المسلمين وتجمع العساكر بصور وغيرها من الإفرنجية على المسلمين وعسكروا على باب صور‏.‏

  ذكر الواقعة التي استشهد فيها أيبك الأخرش

وذلك أنه لما كان يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأول من السنة المذكورة بلغ السلطان من اليزك أن الإفرنج قد قطعوا الجسر الفاصل بين أرض صور وأرض صيدا وبقيت الأرض التي نحن عليها فركب السلطان وصاح الجاووش فركب العسكر يريدون نحو اليزك فوصل العسكر وقد انفصلت الوقعة وذلك أن الإفرنج عبر منهم جماعة الجسر فنهض لهم اليزك الإسلامي وكانوا في قوة وعدة فقاتلوهم قتالاً شديداً وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وجرحوا أضعاف ما قتلوا ورموا في النهر جماعة فغرقوا ونصر الله الإسلام وأهله ولم يقتل من المسلمين إلا مملوك للسلطان يعرف بأيبك الأخرش فإنه استشهد في ذلك اليوم وكان شجاعاً باسلاً مجرباً في الحرب فارساً تقنطر به فرسه فلجأ إلى صخرة فقاتل بالنشاب حتى فني ثم بالسيف حتى قتل جماعة ثم تكاثروا عليه فقتلوه ووَجِد السلطان عليه لمكان شجاعته وعاد السلطان إلى خيم كانت قد ضربت له ذكر وقعة ثانية استشهد فيها جمع من رجاله المسلمين وأقام في تلك الخيم إلى التاسع عشر وركب يشرف على القوم على عادة فتبع العسكر خلق عظيم من الرجالة والغزاة والسوقة وحرص في ردهم فلم يفعلوا ولقد أمر من ضربهم فلم يفعلوا وخاف عليهم فإن المكان كان حرجاً ليس للراجل فيه ملجأ ثم هجم الرجالة إلى الجسر وناوشوا العدو وعبر منهم جماعة إليهم وجرى بينهم قتال شديد واجتمع بهم من الإفرنج خلق عظيم وهم لا يشعرون وكشفوهم بحيث علموا أن ليس وراءهم كمين فحملوا عليهم حملة واحدة على غرة من السلطان فإنه كان بعيداً عنهم ولم يكن معه عسكر فإنه لم يخرج بتعبية قتال وإنما ركب مستشرفاً عليهم على العادة من كل يوم ولما بان له الوقعة وظهر له غبارها بعث إليهم من كان معه ليردوهم فوجدوا الأمر قد فرط والإفرنج قد تكاثروا حتى خافت منهم السرية التي بعثها السلطان وظفروا بالرجالة ظفرة عظيمة وجرى بينهم وبين السرية قتال شديد وأسر جماعة من الرجالة وقتلوا جماعة وكان عدد الشهداء مائة وثمانين نفراً وقتل أيضاً من الإفرنج عدة عظيمة وغرق أيضاً منهم عدة وكان ممن قتل منهم مقدم الألمانية وكان عندهم عظيماً محترماً واستشهد من المعروفين من المسلمين ابن البصاروا وكان شاباً حسناً شجاعاً واحتسبه والده في سبيل الله ولم تقطر من عينه عليه دمعة على ما ذكر جماعة لازموه وهذه الوقعة لم يتفق للإفرنج مثلها في هذه الوقائع التي حضرتها وشاهدتها ولم ينالوا من المسلمين مثل هذه العدة في هذه المدة‏.‏

  ذكر مسيرة الجريدة إلى عكا وسبب ذلك

ولما رأى السلطان ما حل بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة جمع أصحابه وشاورهم وقدر معهم أنه يهجم على الإفرنج ويعبر الجسر ويقتلهم ويستأصل شأفتهم وكان الإفرنج قد رحلوا من صور ونزلوا قريب الجسر وبين الجسر وصور مقدار فرسخ وزائد على فرسخ فلما صمم العزم على ذلك أصبح يوم الخميس سابع عشر وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر ولما وصل أواخر الناس إلى أوائلهم وجدوا اليزك عائداً وخيامهم قد قلعت فسئلوا عن سبب ذلك فذكروا أن الإفرنج رحلوا راجعين إلى صور ملتجئين إلى سورها معتصمين بقربها وأنهم لما بلغهم ذلك عادوا ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما بني من سورها ويحث على الباقي فمضى إلى عكا ورتب أحوالها وأمر بتتمة عمارة سورها وإتقانه وإحكامه وأمرهم بالاحتياط والاحتراز وعاد إلى العسكر المنصور إلى مرج عيون منتظراً مهلة صاحب الشقيف لعنه الله‏.‏

ولما كان يوم السبت سادس جمادى الآخرى بلغه أن جماعة من رجالة العدو يسطون ويصلون إلى جبل تبنين يحتطبون وفي قلبه من رجالة المسلمين وما جرى عليهم أمر عظيم فرأى أن يقرر قاعدة وكميناً يرتبه لهم ويأخذهم فيه وبلغه أنه يخرج وراءهم أيضاً خيلاً تحفظهم فعمل كميناً يصلح للقاء الجميع ثم أنفذ إلى عسكر تبنين وتقدم إليهم أن يخرجوا في نفر يسير غائرين على تلك الرجالة وأن خيل العدو إذا تبعتهم ينهزمون إلى جهة عينها لهم وأن يكون ذلك صبيحة الاثنين ثامن جمادى الآخرى وأرسل إلى عسكر عكا أن يسير حتى يكون وراء عسكر العدو حتى إذا تحركوا في نصرة أصحابهم قصدوا خيمهم وركب هو وجحفله فجر يوم الاثنين شاكي السلاح متجردين ليس معهم خيمة إلى الجهة التي عينها لهزيمة عسكر تبنين ورتب العسكر ثمانية أطلاب واستخرج من كل طلب عشرين فارساً من الشجعان الجياد الخيل وأمرهم أن يتراأوا للعدو حتى يظهر واليهم ويناوشوهم وينهزموا بين أيديهم حتى يصلوا إلى الكمين ففعلوا ذلك وظهر لهم من الإفرنج معظم عسكرهم يقدمهم الملك وكان قد بلغهم الخبر وتعبوا تعبية القتال وجرى بينهم وبين هذه السرية اليسير قتال شديد والتزمت السرية القتال وأنفوا عن الانهزام بين أيديهم وحملتهم الحمية على مخالفة السلطان ولقائهم العدو الكثير بذلك الجمع اليسير واتصل الحرب بينهم إلى أواخر نهار الاثنين ولم يرجع منهم أحد إلى العسكر ليخبرهم بما جرى واتصل الخبر بالسلطان في أواخر الأمر وقد هجم الليل فبعث إليهم بعوثاً كثيرة حين علم ضيق الوقت عن المصاف وفوات الأمر ولما بصر الإفرنج بأوائل المدد قد لحق السرية عادوا منهزمين ناكصين على أعقابهم بعد أن جرت مقتلة عظيمة من الجانبين وكانت القتلى من الإفرنج على ما ذكر من حضر فإني لم أكن حاضرها زهاء عشرة أنفس ومن المسلمين ستة أنفار اثنان من اليزك وأربعة من العرب منهم الأمير رامل وكان شاباً تاماً حسن الشباب مقدم عشيرته‏.‏

وكان سبب قتله أنه تقنطرت به فرسه ففداه ابن عمه بفرسه فتقنطرت به أيضاً وأسر هو وثلاثة من أهله‏.‏

ولما بصر الإفرنج بالمدد للعسكر قتلوهم خشية الاستنقاذ وجرح خلق كثير من الطائفتين وخيل كثيرة‏.‏

ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوك السلطان أثخن بالجراح حتى وقع بين القتلى وجراحاته تشخب دماً وبات ليلته أجمع على تلك الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء فتفقده أصحابه فلم يجدوه فعرفوا السلطان فقده فأنفذ من يكشف خبره فوجدوه بين القتلى على مثال هذه الحالة فحملوه ونقلوه إلى المخيم على تلك الحال وعافاه الله وعاد السلطان إلى المخيم يوم الأربعاء عاشر الشهر منصوراً فرحاً مسروراً‏.‏

  ذكر أخذ أصحاب الشقيف وسبب ذلك

ثم استفاض بين الناس أن صاحب الشقيف فعل ما فعله من المهلة غيلة لا أنه صادق في ذلك وإنما قصد فيه تدفع الزمان وظهر لذلك مخائل كثيرة من الحرص في تحصيل الميرة وإتقان الأبواب وغير ذلك فرأى السلطان أن يصعد إلى سطح الجبل ليقرب من المكان ويرسل سراً من يمنع من دخول النجدة والميرة إليه وأظهر أن سبب ذلك شدة حر الزمان والفرار من وخم المرج‏.‏

وكان انتقاله إلى سطح الجبل ليلة الثاني عشر من الشهر وقد مضى من الليل ربعه فما أصبح صاحب الشقيف إلا والخيمة مضروبة وبقي بعض العساكر بالمرج على حاله فلما رأى أصحاب الشقيف قرب العسكر منه وعلم أنه بقي من المدة بقية جمادى الآخرى حدثته نفسه أنه ينزل إلى خدمة السلطان ويستعطفه ويستزيده في المدة وتخيل له بما رأى من أخلاق السلطان ولطافته أن ذلك يتم فنزل إلى الخدمة وعرض المكان وقال المدة لم يبق منها إلا اليسير وأي فرق بين التسليم اليوم أو غداً وأظهر أنه بقي من أهله جماعة بصور وأنهم على الخروج منها في هذه الأيام وأقام في الخدمة ذلك اليوم إلى الليل وصعد القلعة ولم يظهر له السلطان شيئاً وأجراه على عادته وتقضى مدته ثم عاد ونزل أيام وقد قرب انتهاء المدة والفراغ منها وطلب الخلوة بالسلطان وسأل منه أن يمهله تمام السنة تسعة أشهر فأحس السلطان منه الغدر فماطله وما أيسه وقال نتفكر في ذلك ونجمع الجماعة ونأخذ رأيهم وما ينفصل الحال عليه نعرفك وضرب له خيمة قريبة من خيمته وأقام عليها حرساً لا يشعر بهم وهو على غاية من الإكرام والاحترام له والمراجعة والمراسلة بينهم في ذلك الفن مستمرة حتى انقضت الأيام وطولب بتسليم المكان فكشف له أنك أضمرت الغدر وجددت في المكان عمائر وحملت إليه ذخائر فأنكر ذلك واستقرت القاعدة على أن ينفذ من عنده ثقته وينفذ السلطان ثقة يتسلم المكان وينظر هل تجدد فيه شيء من البناء أم لا فمضوا إليه فلم يلتفت أصحابه المقيمون إليهم ووجدوه قد جدد باباً للسور لم يكن فأقيم الحرس الشديد عليه وأظهر ذلك ومنع من الدخول إلى الخدمة وقيل له قد انقضت المدة ولا بد من التسليم وهو يغالط عن ذلك ويدافع عن الجواب عنه ولما كان الثامن عشر من جمادى الآخرة وفيه اعترف بانتهاء المدة قال أنا أمضي وأسلم المكان وسار معه جمع كثير من الأمراء والأجناد حتى أتى الشقيف وأمرهم بالتسليم فأبوا فخرج إليه قسيس وحدثه بلسانه ثم عاد واشتد امتناعهم بعد عود القسيس إليهم فظن أنه أكد الوصية على القسيس في الامتناع وأقام ذلك اليوم والحديث يتردد فلم يتلفتوا وأعيد إلى المخيم المنصور وسير من ليلته إلى بانياس وأحيط عليه بقلعتها فأحدق العسكر بالشقيف مقاتلين ومحاصرين وأقام صاحب الشقيف ببانياس إلى سادس رجب واشتد حنق السلطان على صاحب الشقيف بسبب تضييع ثلاثة أشهر عليه وعلى عسكره ولم يعملوا فيها شيئاً فأحضر إلى المخيم وهدد ليلة وصوله بأمور عظيمة فلم يفعل وأصبح السلطان ثامن رجب ورقي إلى سنام الجبل مخيمه وهو موضع مشرف على الشقيف من المكان الذي كان فيه أولى وأبعد من الوخم وكان قد تغير مزاجه ثم بلغنا بعد ذلك أن الإفرنج بصور مع الملك قد ساروا نحو النواقير يريدون جهة عكا وإن بعضهم نزل بالإسكندرية وجرى بينهم وبين رجالة المسلمين مناوشة وقتل منهم المسلمون نفراً يسيراً وأقاموا هناك‏.‏

  ذكر وقعة عكا

وذلك أنه لما بلغ السلطان حركة الإفرنج إلى تلك الجهة عظم عليه ولم ير المسارعة خوفاً من أن يكون قصدهم ترحيله عن الشقيف لا قصد المكان فأقام مستكشفاً للحال إلى ثاني عشر رجب فوصل قاصداً آخر أن الإفرنج في بقية ذلك اليوم رحلوا ونزلوا عين بصة ووصل أوائلهم إلى الزيت فعظم ذلك عنده وكتب إلى سائر أرباب الأطراف يتقدمون بالعساكر الإسلامية بالمسير إلى المخيم المحروس وعاد فجدد الكتب والحث وتقدم إلى الثقل أن سار الليل وأصبح هو صبيحة الثالث عشر سائراً إلى عكا على طريق طبرية إذ لم يكن ثم طريق يسع العساكر إلا هو وسير جماعة على طريق تبنين يستطلعون العدو ويواصلون بإخباره وسرنا حتى أتينا الحولة منتصف النهار فنزل بها ساعة ثم رحل وسار طول الليل حتى أتينا موضعاً يقال له المنية صباح اليوم الرابع عشر وفيه بلغنا نزول الإفرنج على عكا يوم الاثنين الثالث عشر وسير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة على سوء صنيعه وسار هو جريدة من المنية حتى اجتمع ببقية العسكر الذي كان أنفذه على طريق تبنين بمرج صفورية فإن كان واعدهم إليه وتقدم إلى الثقل أن يلحقه إلى مرج صفورية ولم يزل حتى شارف العدو من الخروبة وبعث بعض العسكر ودخل عكا على غرة من العدو تقوية لمن فيها ولم يزل يبعث إليها بعثاً بعد بعث حتى حصل فيها خلق كثير وعدد وافر ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلباً وسار من الخروبة وكان قد نزل عليها خامس عشر الشهر فسار منها حتى أتى تل كيسان في أوائل مرج عكا وأمر الناس أن ينزلوا به على تلك التعبية وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو وآخر الميمنة مقارب تل العياضية فاحتاط العسكر الإسلامي المنصور بالعدو المخذول وأخذ عليهم الطرف من الجوانب وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت ورتب اليزك الدائم والجاليش في كل يوم مع العدو وحصر العدو في خيامه من كل جانب بحيث لا يقدر أن يخرج منها واحد إلا ويجرح أو يقتل وكان معسكر العدو على شطر من عكا وخيمة ملكهم على تل المصليين قريباً من باب البلد وكان عدد راكبهم ألفي فارس وعدد راجلهم ثلاثين ألفاً وما رأيت من أنقصهم عن ذلك ورأيت من حزرهم بزيادة على ذلك ومددهم من البحر لا ينقطع وجرى بينهم وبين اليزك مقاتلات عظيمة متواترة والمسلمون يتهافتون على قتالهم والسلطان يمنعهم من ذلك إلى وقته والبعوث من العساكر الإسلامية تتواصل والملوك والأمراء من الأقطار تتابع فأول من وصل الأمير الكبير مظفر الدين بن زين الدين ثم قدم بعده الملك المظفر صاحب حماة وفي أثناء هذا الحال توفي حسام الدين سنقر الأخلاطي وأسف المسلمون عليه أسفاً شديداً فإنه كان شجاعاً ديّناً ثم إن الإفرنج لما تكاثروا واستفحل أمرهم استداروا بعكا حيث منعوا من الدخول والخروج وذلك في يوم الخميس سلخ رجب ولما رأى السلطان ذلك عظم لديه وضاق صدره وثارت همته العلية وفتح الطريق إلى عكا لتستمر السابلة إليها بالميرة والنجدة وغير ذلك فأحضر أمراءه وأصحاب الرأي من دولته وشاورهم في مضايقة القوم وانفصل لحمال على أنه يضايقهم مضايقة شديدة بحيث ينفصل أمرهم بالكلية ويفتح وباب والطريق إلى عكا فباكرهم صبيحة الجمعة مستهل شعبان وسار مع العسكر القد رتبه للقتال ميمنة وميسرة وقلباً وضايقهم مضايقة شديدة وكانت الحملة بعد صلاة الجمعة اغتناماً لدعاء الخطباء على المنابر وجرت حملات عظيمة وقلبات كثيرة واتصل الحرب إلى أن حال بين الفئتين هجوم الليل وبات الناس على حالهم من الجانبين شاكي السلاح تحرس كل طائفة نفسها من الطائفة الأخرى‏.‏

ولما كانت صبيحة السبت أصبح الناس على القتال وأنفذ السلطان طائفة من شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا ولم يكن هناك للعدو خيم لكن العسكر كان قد امتد جريدة إلى البحر فحملوا عليهم فانكسروا بين أيديهم كسرة عظيمة وقتلوا منهم جمعاً كثيراً وانكف السالمون منهم إلى خيامهم وهجم المسلمون خلفهم إلى أوائل خيامهم وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة الملك إلى باب قراقوش الذي جدده وصار الطريق مهيعاً يمر فيه السوقي ومعه الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة واليزك بين الطريق وبين العدو مانعاً من يخرج من عسكرهم أو يدخل ودخل السلطان في ذلك اليوم إلى عكا ورقي على السور ونظر إلى عسكر العدو تحت السور وفرح المسلمون بنصر الله وخرج العسكر الذي كان في خدمة السلطان واستدار العسكر الإسلامي حول المعسكر الإفرنجي وأحدقوا بهم من كل جانب ولما استقر به ذلك تراجع الناس عن القتال وذلك بعد الظهر لسقي الدواب وأخذ الراحة وكان نزولهم على أنهم إذا أخذوا حظاً من الراحة عادوا إلى القتال لمناجزة القوم وضاق الوقت وأخذ الضجر والتعب من الناس فلم يرجعوا إلى القتال في ذلك اليوم وبات الناس على أنهم يصبحونهم بكرة الأحد إلى القتال رجاء المناجزة بالكلية واختفى العدو في خيامهم بحيث لم يظهر منهم أحد‏.‏

ولما كانت بكرة الأحد ثالث شعبان تعبى الناس للقتال وأحدقوا بالعدو وعزموا على مهاجمة القوم وعلى أن يترجل الأمراء ومعظم العسكر ويقاتلوا العدو في خيامه فلما تهيئوا لذلك رأى بعض الأمراء تأخير ذلك إلى بكرة الاثنين رابع شعبان وأن يدخل الراجل كله إلى داخل عكا ويخرجوا مع العسكر المقيم بالبلد من أبواب البلد على العدو من ورائه وتركب العساكر الإسلامية من خارج من سائر الجوانب ويحملوا حملة الرجل الواحد والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه ويكافحها بذاته لا يتخلف عن مقام من هذه المقامات وهو من شدة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى ولقد أخبرني بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا شيئاً يسيراً لفرط اهتمامه وفعلوا ما كان عزم عليه واشتدت منعة العدو وحمى نفسه في خيامه ولم تزل سوق الحرب قائمة تباع فيها النفوس بالنفائس وتمطر سماء حربها الرؤوس من كل رئيس ومترائس حتى كان يوم الجمعة ثامن شعبان‏.‏

  ذكر تأخر الناس إلى تل العياضية

ولما كان الثامن عزم العدو على الخروج بجموعهم فخرج راجلهم وفارسهم وامتدوا على التلول وساروا الهوينا غير مفرطين في أنفسهم ولا خارجين من راجلهم حيث كانت الرجالة حولهم كالسور المبني يتلو بعضه بعضاً حتى قاربوا خيام اليزك ولما رأى المسلمون ذلك وإقدام العدو عليهم شدوا وتنازعت الشجعان وتنازلت الكماة إلى الأقران وصاح السلطان بالعساكر الإسلامية يا للإسلام فركب الناس بأجمعهم ووافق فارسهم راجلهم وشابهم وشيخهم وحملوا حملة الرجل الواحد على العدو المخذول فعاد ناكصاً على عقبيه والسيف يعمل فيهم والسالم منهم جريح‏.‏

والعاطب طريح مشتدون هزيمة يعبر جريحهم بقتيلهم ولا تلوي الجماعة منهم على قتيلهم حتى لقي الخيام من سلم منهم وانكفوا عن القتال أياماً وكان رأيهم أن يحفظوا نفوسهم ويحرسوا رؤوسهم واستقر فتح طريق عكا والمسلمون يترددون إليها وكنت ممن دخل ورقي على السور ورمى العدو بما يسر الله تعالى من فوق السور ودام القتال بين الفئتين متصلاً الليل والنهار حتى كان الحادي عشر من شعبان ورأى السلطان توسيع الدائرة عليهم لعلهم يخرجون إلى مصارعهم فنقل الثقل إلى تل العياضية وهو تل قبالة تل المصليين مشرف على عكا وخيام العدو وفي هذه المنزلة توفي حسام الدين طمان وكان من الشجعان ودفن في سفح هذا التل وصليت عليه مع جماعة من الفقهاء ليلة نصف شعبان وقد مضى من الليل هزيع رحمه الله‏.‏

  ذكر وقعة جرت للعرب مع العدو

وكان سبب ذلك أنه بلغنا أن جمعاً من العدو يخرجون للاحتشاش من طرف النهر مما ينبت عليه فأكمن السلطان لهم جماعة من العرب وقصد العرب لخفتهم على خيلهم وأمنه عليهم فخرجوا ولم يشعروا بهم فهجموا عليهم وقتلوا منهم خلقاً عظيماً وأسروا جماعة وأحضروا رؤوساً عديدة بين يديه فخلع عليهم وأحسن إليهم وكان ذلك في السادس عشر وفي عشية ذلك اليوم وقع بين العدو وبين أهل البلد حرب عظيم قتل فيه جمع عظيم من الطائفتين فطال الأمر بين الفئتين وما يخلوا يوماً من قتل وجرح وسبي ونهب وأنس البعض بالبعض بحيث أن الطائفتين كانا يتحدثان ويتركان القتال وربما غنى البعض ورقص البعض لطول المعاشرة ثم يرجعون إلى القتال بعد ساعة وكان الرجال يوماً من الطائفتين قد سئموا من القتال فقالوا إلى كم نقاتل الكبار وليس للصغار حظ نريد أن يتصارع صبيان منا ومنكم فأخرج صبيّان من البلد إلى صبيين من الإفرنج واشتد الحرب بينهم فوثب أحد الصبيين المسلمين إلى أحد الكافرين فاختطفه وضرب به الأرض وقبضه أسيراً فاشتراه بعض الإفرنج بدينارين وقالوا هو أسيرك حقاً فخذ الدينارين وأطلقه‏.‏

وهذه نادرة غريبة ووصل للفرنج مركب فيه خيل فهرب منها فرس ووقع في البحر وما زال يسبح وهم حوله يردونه حتى دخل ميناء عكا وأخذه المسلمون‏.‏

  ذكر المصاف الأعظم على عكا

وذلك أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرون تحركت عساكر الإفرنج حركة لم تكن لهم بمثلها عادة فارسهم وراجلهم وكبيرهم وصغيرهم فاصطفوا خارج خيمهم قلباً وميمنة وميسرة وفي القلب الملك وبين يديه الإنجيل محمولاً مستوراً بثوب أطلس مغطى يمسكه أربعة أنفس بأربعة أطراف وهم يسيرون بين يدي الملك وامتدت الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من أولها إلى آخرها وكذلك ميسرة العدو في مقابلة ميمنتنا إلى آخرها وملكوا رؤوس التلال وكان طرف ميمنتهم إلى النهر وطرف ميسرتهم إلى البحر‏.‏

وأما العسكر الإسلامي المنصور فإن السلطان أمر الجاويش أن نادى في الناس يا للإسلام وعساكر الموحدين فركب الناس وقد باعوا أنفسهم بالجنة ووقفوا بين أيدي خيامهم وامتدت الميمنة إلى البحر والميسرة إلى النهر كذلك أيضاً وكان رحمه الله قد أنزل الناس في الخيم ميمنة وميسرة وقلباً تعبية الحرب حتى إذا وقعت صيحة لا يحتاجون إلى تجديد ترتيب وكان هو في القلب وفي ميمنة القلب ولده الملك الأفضل ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهر الدين بن البلنكري ثم عسكر ديار بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن ثم حسام الدين بن لاجين صاحب نابلس ثم الطواشي قايماز النجمي وجموع عظيمة متصلين بطرف الميمنة وكان في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره وهو مطل على البحر وأما أوائل الميسرة فكان مما يلي القلب سيف الدين علي المشطوب وعلي بن أحمد من كبار ملوك الأكراد ومقدميهم والأمير علي وجماعة المهرانية والهكارية ومجاهد الدين برتقش مقدم عسكر سنجار وجماعة من المماليك ثم مظفر الدين بن زين الدين بجحفله وعسكره وأواخر الميسرة كبار المماليك الأسدية كسيف الدين يازكج ورسلان بغا وجماعة الأسدية الذين يضرب بهم المثل ومقدم القلب الفقيه عيسى وجمعه هذا والسلطان يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على القتال ويدعوهم إلى النزال ويرغبهم في نصر دين الله ولم يزل القوم يتقدمون والمسلمون يقدمون حتى علا النهار ومضى فيه مقدار أربع ساعات وعند ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين فأخرج لهم الملك المظفر الجاليش وجرى بينهم قلبات كثيرة وتكاثروا على الملك المظفر وكان في طرف الميمنة على البحر فتراجع عنهم شيئاً إطماعاً لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم فينال منهم غرضاً فلما رأى السلطان ذلك ظن به ضعفاً وأمدّ بأطلاب عدة من القلب حتى قوي جانبه وتراجعت ميسرة العدو واجتمعت على تل مشرف على البحر ولما رأى الذين في مقابلة القلب ضعف القلب ومن خرج منه من الأطلاب داخلهم الطمع وتحركوا نحو ميمنة القلب وحملوا حملة الرجل الواحد راجلهم وفارسهم ولقد رأيت الرجالة تسير سير الخيالة وهم يسبقون حيناً وجاءت الحملة على الديار البكرية كما شاء الله تعالى وكان بهم غرة عن الحرب فتحركوا بين العدو وانكسروا كسرة عظيمة وسرى الأمر حتى انكسر معظم الميمنة واتبع العدو المنهزمين إلى العياضية فإنهم استداروا حول التل وصعد طائفة من العدو إلى خيمة السلطان فقتلوا طشت دار كان هناك وفي ذلك اليوم استشهد إسماعيل المكبس وابن رواحة رحمهما الله وأما الميسرة فإنها ثبتت لأن الحملة لم تصادفها وأما السلطان فأخذ يطوف على الأطلاب فينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة ويحثهم على الجهاد وينادي فيهم يا للإسلام ولم يبق معه إلا خمسة أنفس وهو يطوف على الأطلاب ويخرق الصفوف ويأوي إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام وأما المنهزمون من العسكر فإنهم بلغتهم هزيمتهم إلى الفخوانة قاطع جسر طبرية وأم منهم قوم محروسة دمشق فأما المتبعون لهم فإنهم اتبعوهم إلى العياضية فلما رأوهم قد صعدوا إلى الجبل رجعوا عنهم وجاءوا عائدين إلى عسكرهم فلقيهم جماعة من الغلمان والخزيندية والساسة منهزمين على بغال الحمل فقتلوا منهم جماعة ثم جاءوا على رأس السوق فقتلوا جماعة وقتل منهم جماعة فإن السوق كان عظيماً ولهم سلاح وأما الذين صعدوا إلى الخيام السلطانية فإنهم لم يلتمسوا فيها شيئاً أصلاً سوى أنهم قتلوا من ذكرنا وهم ثلاثة نفر رأوا ميسرة الإسلام ثابتة فعلموا أن الكسرة لا تتم فعادوا منحدرين من التل يطلبون عسكرهم وأما السلطان فإن كان واقفاً تحت التل ومعه نفر يسير وهو يجمع الناس ليعودوا إلى المحلة على العدو فلما رأوا الإفرنج نازلين من التل أرادوا لقاءهم فأمرهم بالصبر إلى أن ولوا ظهورهم واشتدوا يطلبون أصحابهم فصاح في الناس فحملوا عليهم فطرحوا منهم جماعة فاشتد الطمع فيهم وتكاثر الناس وراءهم حتى لقوا أصحابهم والطرد وراءهم فلما رأوهم منهزمين والمسلمون وراءهم في عدد كثير ظنوا أن من حمل منهم قد قتل وإنهم إنما نجا منهم هذا النفر فقط وأن الهزيمة قد عادت عليهم فاشتدوا في الهرب والهزيمة وتحركت الميسرة عليهم وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة وتجمعت الرجال وتداعت وتراجع الناس من كل جانب وكذب الله الشيطان ونصر الإيمان وظل الناس في قتل وطرح وضرب وجرح إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكرهم فهجم عليهم في الخيام فخرج منهم أطلاب كانوا أعدوها خشية من مثل هذا الأمر مستريحة فردوا المسلمين وكان التعب قد أخذ من الناس والعرق قد ألجمهم فرجع الناس عنهم بعد صلاة العصر يخوضون في القتلى ودمائهم إلى خيامهم فرحين مسرورين وجلسوا في خيمته يتداركون من فقد الغلمان وكان مقدار من فقد من الغلمان المجهولين مائة وخمسين نفراً ومن المعروفين استشهد ظهر الدين أخو الفقيه عيسى ولقد رأيته وهو جالس يضحك والناس يعزونه وهو ينكر عليهم ويقول هذا يوم الهناء لا يوم العزاء وكان هو قد وقع عن فرسه وركبه فرأيته وقتل عليه جماعة من أقاربه وقتل في ذلك اليوم الأمير مجلئ هذا الذي قتل من المسلمين وأما من العدو المخذول فحزر قتلاهم بسبعة آلاف نفر ورأيتهم وقد حملوهم إلى شاطئ النهر ليلقوا فيه فحزرتهم بدون سبعة آلاف ولما تم على المسلمين من الهزيمة ما تم ورأى الغلمان خلو الخيام عمن يعترض عليهم فإن العسكر انقسم إلى قسمين منهزمين ومقاتلين فلم يبق في الخيام أحد وراءنا فظنوا أن الكسرة تتم وأن العدو ينهب جميع ما في الخيام فوضعوا أيديهم في الخيام ونهبوا جميع ما كان فيها وذهب من الناس أموال عظيمة وكان ذلك أعظم من الكسرة وقعاً‏.‏

ولما عاد السلطان إلى الخيم ورأى ما قد تم على الناس من نهب الأموال والهزيمة سارع إلى الكتب والرسل في رد المنهزمين وتتبع من شذ من العسكر والرسل تتابع في هذا المعنى حتى بلغت عقبة فيتق وأخذوهم بالكرة إلى عسكر المسلمين فعادوا وأمر بجمع الأقمشة من أكف الغلمان إلى خيمته جلالات الخيل والمخالي بين يديه في خيمته وهو جالس ونحن حوله وهو يتقدم إلى كل من عرف شيئاً وحلف عليه يسلم إليه وهو يلقى هذه الأحوال بقلب صلب‏.‏

وصدر رحب‏.‏

ووجه منبسط ورأى مستقيم غير مختبط‏.‏

واحتساب لله تعالى وقوة عزم في نصرة دين الله وأما العدو المخذول فإنه عاد إلى خيمة وقد قتل شجعانهم وطرحت مقدموهم وفقدت ملوكهم فأمر السلطان أن خرج من عكا عجل يسحبون عليه القتلى منهم إلى طرف النهر ليلقوا فيه ولقد حكى لي بعض من ولي أمر العجل أنه أخذ خيطاً وكان كلما أخذ قتيلاً عقد عقدة فبلغ عدد قتلى الميسرة أربعة آلاف ومائة وكسور وبقي قتلى الميمنة وقتلى القلب لم يعدهم فإنه ولي أمرهم غيره وبقي من العدو بعد ذلك من حمى نفسه وأقاموا في مخيمهم لم يكترثوا بجحافل المسلمين وعساكرهم وتشتت من عساكر المسلمين خلق كثير بسبب الهزيمة فإنه ما رجع منها إلا رجل معروف يخاف على نفسه والباقون وهربوا في حال سبيلهم وأخذ السلطان في جمع الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحابها وأقام المناداة في العساكر وقرن النداء بالوعيد والتهديد وهو يتولى تفرقتها بين يديه واجتمع من الأقمشة عدد كثير في خدمته حتى أن الجالس في أحد الطرفين لا يرى الجالس في الطرف الآخر وأقام من ينادي على من ضاع منه شيء فحضر الخلق وسار من عرف شيئاً وأعطى علامته حلف وأخذه من الحبل والمخازة إلى الهميان والجوهر ولقي من ذلك مشقة عظيمة ولا يرى ذلك إلا نعمة من الله تعالى يشكر عليها‏.‏

ويسابق بيد القبول إليها‏.‏

ولقد حضرت يوم تفرقت الأقمشة على أربابها فرأيت سوقاً للعدل قائمة لم ير في الدنيا أعظم منها وكان ذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان وعند انقضاء هذه الواقعة وسكون ثأرتها أمر السلطان بالثقل حتى تراجع إلى موضع يقال له الخروبة خشية على العسكر من روائح القتلى وآثار الوخم من الوقعة وهو موضع قريب من مكان الوقعة إلا أنه أبعد عنها من المكان الذي كان نازلاً فيه بقليل وضربت له خيمة عند الثقل وأمر اليزك أن يكون مقيماً في المكان الذي كان نازلاً فيه وذلك في التاسع والعشرين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله‏.‏

اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض الإسلام‏.‏

وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك وكان ذلك في ثالث عشر تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر أياماً حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم واستولى على نفوسهم الضجر وتكليفهم أمراً على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن غائلته والناس لهم خمسون يوماً تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك اللجم وسئمت نفوسها ذلك‏.‏

وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل الملك العادل ويشاركنا في الرأي والعمل وسنعيد من شذ من العساكر ونجمع الرجالة ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من كثرة ما حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام فوقع ما قالوه ورأوه مصلحة‏.‏

وكان انتقال العسكر إلى الثقل ثالث رمضان وانتقال السلطان تلك الليلة وأقام يصلح مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه إلى عاشر رمضان‏.‏

ذكر وصول خبر الألمان

ولما دخل رمضان من شهور سنة خمس وثمانين وخمسمائة وصل من جانب حلب كتب من ولده الملك الظاهر عن نصرة يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى القسطنطينية في عدة عظيمة قبل مائتا ألف وقيل مائتان وستون ألفاً يريد البلاد الإسلامية فاشتد ذلك على السلطان وعظم عليه ورأى استشيار الناس للجهاد وإعلام خليفة الوقت بهذه الحادثة فاستدعاني لذلك وأمرني بالمسير إلى صاحب الجزيرة وصاحب الموصل وصاحب إربل واستدعاهم إلى الجهاد بأنفسهم وعساكرهم وأمرني بالمسير إلى بغداد لإعلام خليفة الزمان بذلك وتحريك عزمه على المعاونة وكان الخليفة إذ ذاك الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله وكان مسيري في ذلك المعنى في حادي عشر رمضان ويسر الله تعالى الوصول إلى الجماعة وإبلاغ الرسالة إليهم فأجابوا بنفوسهم وسار عماد الدين زنكي صاحب سنجار بعسكره وجمعه تلك السنة وسار ابن أخيه صاحب الجزيرة سنجر شاه بنفسه يجر عسكره وسير صاحب الموصل ابنه علاء الدين خرم شاه بمعظم عسكره وحضرت الديوان السعيد ببغداد وأنهيت الحال كما رسم ووعد بكل جميل وعدت إلى خدمته رحمة الله عليه وكان وصولي إليه في يوم الخميس خامس ربيع الأول من شهور سنة ست وثمانين وكنت قد سبقت العساكر وأخبرته بإجابتهم بالسمع والطاعة وباهتمامهم بالمسير فسر بذلك وفرح فرحاً شديداً‏.‏

  ذكر وقعة الرمل

التي على جانب نهر عكا ولما كان صفر من تلك السنة خرج السلطان يتصيد مطمئن النفس ببعد المنزلة عن العدو فأوغل في الصيد وبلغ ذلك العدو فاخذوا غرة العسكر واجتمعوا وخرجوا يريدون الهجوم على العسكر الإسلامي فأحس بهم الملك العادل فصاح بالناس وركبت العساكر من كل جانب وحمل على القوم وجرت مقتلة عظيمة قتل وجرح بينهما منهم خلق عظيم ولم يقتل من معروفي المسلمين إلا مملوك للسلطان يقال له أرغش وكان رجلاً صالحاً استشهد في ذلك اليوم وبلغ الخبر إلى السلطان فعاد منزعجاً فوجد الحرب قد انفصل وعاد كل فريق إلى حزبه وعاد العدو خائباً خاسراً ولله الحمد والمنة‏.‏

وما مضى من الوقعات شاهدت منها ما يشاهده مثلي وعرفت الباقي معرفة خاصة في هذه الأمور ومن نوادر هذه الواقعة أن مملوكاً كان للسلطان يدعى قره سنقر وكان شجاعاً قد قتل من أعداء الله خلقاً عظيماً وفتك فيهم فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم وتجمعوا له وكمنوا له وخرج إليه بعضهم وتراأوا له فحمل عليهم حتى صار بينهم فوثبوا عليه من سائر جوانبه فأمسك واحداً منهم بشعره وضرب الآخر رقبته بسيفه فإنه كان قتل له أقرباء فوقعت الضربة في يد الممسك بشعره فقطعت يده وخلي سبيله فاشتد هارباً حتى عاد إلى أصحابه وأعداء الله يشتدون عدواً خلفه ولم يلحقه منهم أحد وعاد سالماً ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً‏.‏

  ذكر وفاة الفقيه عيسى

وهي مما بلغني ولم أكن حاضرها وذلك أنه مرض مرضاً يتعاهده وهو ضعيف النفس وعرض له إسهال أضعفه فلم تقطع صلابته ولم يغب ذهنه عنه إلى أن مات وكان رحمه الله كريماً شجاعاً حسن المقصد كبير الغرام بقضاء حوائج المسلمين توفي رحمه الله طلوع فجر الثلاثاء تاسع ذي القعدة من شهور سنة خمسة وثمانين‏.‏

ولما كان يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول علم الإفرنج المستحفظون بالشقيف أنهم لا عاصم لهم من أمر الله وأنهم إن أخذوا عنوة ضربت رقابهم فطلبوا الأمان وجرت مراجعات كثيرة في قاعدة الأوان وكانوا قد علموا من حال صاحبهم أنه قد عذب أشد العذاب فاستقرت القاعدة على أن الشقيف يسلم ويطلق صاحبه وجميع من فيه من الإفرنج ويترك ما فيه من أنواع الأموال والذخائر وعاد صاحب صيدا والإفرنج الذين كانوا بالشقيف إلى صور ولما رأى السلطان من اهتما الإفرنج من أقطار بلادهم بالمكان وتصويب عزائمهم نحوه اغتنم الشتاء وانقطاع البحر وجعل في عكا من الميرة والذخائر والعدد والرجال ما أمن معه عليها مع تقدير الله تعالى وتقدم إلى النواب بمصر أن عمروا لها أسطولاً عظيماً يحمل خلقاً كثيراً وسار حتى دخل عكا مكابرة للعدو ومراغمة له وأعطى العساكر دستوراً طول الشتاء يستجمعون ويستريحون وأقام هو مع نفر يسير قبالة العدو وقد حال بين العسكرين شدة الوحول وتعذر بذلك وصول بعضهم إلى بعض‏.‏

ظريفة كان لما بلغ خبر العدو وقصده عكا جمع الأمراء وأصحاب الرأي بمرج عيون وشاورهم فيما يصنع وكان رأيه أن قال المصلحة مناجزة القوم ومنعهم من النزول إلى البلد وإلا فإن نزلوا جعلوا الرجالة سوراً لهم وحفروا الخنادق وصعب علينا الوصول إليهم وخيف على البلد منهم وكانت إشارة الجماعة أنهم إذا نزلوا واجتمعت العساكر قلعناهم في يوم واحد وكان الأمر كما قال السلطان والله لقد سمعت هذا القول وشاهدت الفعل كما قال السلطان وهو يوافق معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم إن من أمتي لمحدثين ومكلمين وإن عمر لمنهم‏.‏

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >