ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

 

  ذكر وصولنا إلى خدمة رسلا

وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها في صحبة القاضي محيي الدين بن كمال الدين وكان بينهم صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته فلقيه عن بعد وكان دخولنا إلى دمشق يوم السبت حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ولقينا من السلطان كل جميل فيما يرجع إلى الإكرام والاحترام وأقمنا أياماً نراجع في فصل حال فلم يتفق صلح في تلك الوقعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ إلى القصر واجتهد في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق وكان الوقوف من جانب محيي الدين فإن السلطان اشترط أن يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في الانتماء إليه أو إلى الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة فوقف الحال وكان مسيرنا سابع ذي الحجة وفي تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له وأقام السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من الجوانب فوصل رسول سنجر شاه صاحب الجزيرة فاستحتفه لنفسه في الانتماء إليه ورسول إربل وحلف لهما وسارا ووصل إليه أخوه الملك العادل رابع ذي الحجة فأقام عنده وعيد وتوجه إلى حلب المحروسة‏.‏

ذكر غزواة أخرى إلى الكرك وصل ابن قره أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر سنة ثمانين فأكرمه الملك العادل إكراماً عظيماً وأصعده إلى القلعة وباسطه ورحل معه طالباً دمشق في السادس والعشرين منه‏.‏

وكان السلطان قد مرض أياماً ثم شفاه الله ولما بلغه وصول قره أرسلان خرج إلى لقائه وكان السلطان يكارم الناس مكارمة عظيمة فالتقاه على عين الجسر بالبقاع وذلك في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق وخلف نور الدين واصلاً مع الملك العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزاً إلى جسر الخشب في منتصف ربيع الأول وفي الرابع والعشرين منه وصل الملك العادل ومعه ابن قره أرسلان إلى دمشق فأقاما فيها أياماً ثم رحلا يلتحقان بالسلطان من رأس الماء طالباً للكرك فأقام قريباً منها أياماً ينتظر وصول الملك المظفر من مصر إلى تاسع عشر ربيع الآخر فوصل إلى خدمته ومعه بيت الملك العادل وخزانته فسيرهم إلى الملك العادل وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى الكرك فتتابعت العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك وذلك في رابع جمادى الأولى وركب المناجيق على المكان وقد التقت العساكر المصرية والشامية والجزرية أيضاً مع قره أرسلان ولما بلغ الإفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة الغفيرة فاهتم السلطان بأمره ليكون الطريق سابلة إلى مصر‏.‏

ولما بلغ السلطان خروج الإفرنج تعبأ للقاء وأمر العساكر أن خرجت ظاهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر جريدة ثم سار السلطان ينصد للعدو‏.‏

وكان الإفرنج قد نزلوا بموضع يقال له الواله وسار حتى نزل على قرية يقال لها حسبان قبالة الإفرنج ورحل منها إلى موضع يقال له ماء عين والإفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الأولى ثم رحلوا قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلهم إلى آخر النهار ولما رأى قدس الله روحه تصميم الإفرنج على الكرك أمر العساكر أن دخلوا الساحل لخلوه عن العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا حصناها وأخذوا جانين والتحقوا بالسلطان برأس الماء وقد نهبوا وأسروا وحرقوا وخربوا واتفق دخول السلطان دمشق يوم السبت سابع جمادى الآخرى ومعه الملك العادل ونور الدين ابن قره أرسلان فرحاً مسروراً وأكرمه واحترمه وأحسن إليه‏.‏

وفي هذا الشهر وصل رسول الخليفة ومعه الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه الملك العادل وابن أسد الدين خلفاً جاءت لهم وفي الرابع عشر من هذا الشهر خلع السلطان خلعة الخليفة على ابن قره أرسلان وأعطاه دستوراً وأعطاه للعساكر وفي ذلك التاريخ وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخاً إلى السلطان يخبر أن عسكر الموصل وعسكر قزل نزلوا مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه نصر عليهم وكسرهم‏.‏

ولما سمع السلطان ذلك رحل من دمشق يطلب البلاد وتقدم إلى العساكر فتبعته وسار حتى أتى حران على طريق البيرة والتقى مع مظفر الدين بالبيرة في الثاني عشر من محرم سنة إحدى وثمانين وتقدم السلطان إلى سيف الدين المشطوب أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس العين ووصل السلطان حران الثاني والعشرين من صفر‏.‏

وفي السادس والعشرين منه قبض على مظفر الدين بن زين الدين لشيء كان قد جرى منه وحديث كان بلغه رسول فلم يقف عليه وأنكره فأخذ منه قلعة حران والرها ثم أقام في الاعتقال تأديباً إلى مستهل ربيع الأول ثم خلع عليه وطيب قلبه وأعاد إليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده إلى قانونه في الإكرام والاحترام ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها ثم رحل السلطان ثاني ربيع الأول إلى رأس العين ووصله في ذلك رسول قليج أرسلان يخبره أن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصد السلطان إن لم يعد عن الموصل وماردين وأنهم على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك فرحل السلطان يطلب دنيسر فوصله ثامن ربيع الأول عماد الدين بن قره أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين فالتقاهم واحترمهم ثم رحل من دنيسر حادي عشر نحو الموصل حتى نزل موضعاً يعرف بالإسماعيلان قريب الموصل يصل من العسكر كل يوم نوبة جديدة يحاصر الموصل فبلغ عماد الدين بن قره أرسلان موت أخيه نور الدين فطلب من السلطان ذكر موت شاه أرمن صاحب خلاط ولما كان ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين توفي شاه أرمن صاحب خلاط وولي بعده غلامه بكتمر وهو الذي وصل رسولاً إلى خدمة السلطان بسنجار فعدل وأحسن إلى أهل خلاط وكان متصوناً في طريقته فأطاعه الناس ومالوا إليه ولما ملك خلاط امتدت نحوه الأطماع لموت شاه أرمن فسار نحوه بهلوان بن الدكز‏.‏

فلما بلغه ذلك سير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم خلاط إليه واندراجه في جملته وإعطائه ما يرضيه فطمع السلطان في خلاط وارتحل عن الموصل متوجهاً نحوها وسير إلى بكتمر الفقيه عيسى وغرس الدين قليج لتقرير القاعدة وتحريرها فوصلت الرسل وبهلوان قد قارب البلاد جداً فتخوف بهلوان من السلطان فطلب بهلوان إصلاحه وزوجه ابنة له وولاه وأعاد البلاد إليه واعتذر إلى رسل السلطان وعادوا من غير زبدة وكان السلطان قد نزل على ميا فارقين فحاصرها وقاتلها قتالاً ونصب عليها مجانيق وكان بها رجل يقال له الأسد وما قصر في حفظها لكن الأقدار لا تغلب فملكها السلطان في التاسع والعشرين من جمادى ولما أيس من أمر خلاط عاد إلى الموصل فنزل بعيداً عنها وهي الوقعة الثالثة بموضع يقال له كفر زمار وكان الحر شديداً فأقام مدة‏.‏

وفي هذه المنزلة أتاه سنجر شاه من الجزيرة واجتمع به فأعاده إلى بلده ومرض رحمه الله بكفر زمار مرضاً شديداً خاف من غائلته فرحل طالباً حران وهو مريض وكان يتجلد ولا يركب محفة فوصل وهو شديد المرض وبلغ إلى غاية الضعف وأيس منه ورجف بموته فوصل إليه أخوه من حلب ومعه أطباؤه‏.‏

  ذكر صلح المواصلة معه

وكان سبب ذلك أن عز الدين أتابك صاحب الموصل سيرني إلى الخليفة يستنجد فلم يحصل منه زبدة فلما وصلت من بغداد ورددت جواب الرسالة أيس من نجدة فلما بلغهم مرض السلطان رأوا بذلك فرصة وعلموا سرعة انقياده ورقة قلبه في ذلك الوقت فندبوني لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب وفوض إلي أمر النسخة التي حلف بها وقالوا امضيا ما يصل إليه جهدكما وطاقتكما فسرنا حتى أتينا العسكر والناس كلهم آيسون من السلطان وكان وصولنا في أوائل ذي الحجة فاحترمنا احتراماً عظيماً وجلس لنا وكان أول جلوسه من مرضه وحلف في يوم عرفة وأخذنا منه بين النهرين وكان أخذها من سنجر شاه فأعطاها المواصلة وحلفته يميناً تامة وحلفت أخاه الملك العادل ومات قدس الله روحه وهو على ذلك الصلح لم يتغير عنه وسرنا معه وهو بحران وقد تماثل ووصله خبر موت ابن أسد الدين صاحب حمص وكانت وفاته يوم عرفة وجلس الملك العادل للعزاء وفي تلك الأيام كانت وقعة التركمان مع الأكراد وقتل بينهم خلق عظيم وفي هذا الشهر وصل خبر وفاة بهلوان ابن الدكز وكانت وفاته في سلخ ذي الحجة‏.‏

  ذكر عود السلطان إلى الشام

ولما وجد السلطان نشاطاً من مرضه رحل يطلب جهة حلب وكان وصوله إليها رابع عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وكان يوماً مشهود الشدة فرح الناس بعافيته ولقائه فأقام فيها أربعة أيام ثم رحل نحو دمشق ولقيه أسد الدين شيركوه بن محمد شيركوه بتل السلطان ومعه أخته وقد صحبه خدمة عظيمة فمن عليه بحمص وأقام أياماً يعتبر تركة أبيه ثم سار يطلب لجهة دمشق وكان دخوله إليها في ثاني ربيع الأول وكان يوماً لم ير مثله فرحاً وسروراً ووقعت في هذا الشهر وقعات كثيرة بين الترك والأكراد بأرض نصيبين وغيرها وقتل من الفئتين خلق عظيم وبلغ السلطان أن معين الدين قد عصا بالراوند فكتب إلى عسكر حلب أن حاصروه وفي ثاني جمادى الأولى وصل معين الدين من الراوند وقد سلمها إلى علم الدين سليمان ثم مضى إلى خدمة السلطان وفي سابع عشر وصل الملك الأفضل إلى دمشق ولم يكن قد رأى قبل ذلك الشام‏.‏

  ذكر مسير السلطان العادل إلى مصر

وذلك أن السلطان رأى ذهاب الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من الملك المظفر ليزيل تقاويضها بذلك وهو على حران مريض وقد حصل ذلك في نفس الملك العادل فإنه كان يحب الديار المصرية فلما عاد السلطان إلى دمشق ومنّ الله بعافيته سير يطلب الملك العادل إلى دمشق فخرج من حلب جريدة في الرابع والعشرين من ربيع الأول وسار حتى أتى دمشق فأقام بها في خدمة السلطان فجرت بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد تقرير إلى جمادى الآخرة واستقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر وتسليم حلب وسير الصنيعة لإحضار أهله من حلب وكان الملك الظاهر أيده الله والملك العزيز بدمشق في خرمة والدهما فلما استقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر استقرت على أن يكون أتابك الملك العزيز وسلمه والده إليه يربي أمره وسلم الملك العادل حلب إلى الملك الظاهر ولقد قال لي الملك العادل أنه لما استقرت عليه هذه القاعدة واجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما قلت للملك العزيز يا مولاي إن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم أن المفسدين كثير وغداً لا يخلون ممن يقول عني مالا يجوز ويخوفونك مني فإن كان لك أذن تسمع فقل لي حتى لا أجيء فقال لا أسمع وكيف يكون ذلك ثم التفت وقلت للملك الظاهر أنا أعرف أن أخاك ربما يسمع في أقوال المفسدين وأنا فمالي إلا أنت متى ضاق صدري من جانبه فقال مبارك وذكر كل خير ثم إن الملك الظاهر سيره والده إلى حلب ليعلمه أن حلب هي أصل الملك وجرثومته وقاعدته ولهذا دأبت في طلبها ذلك الدأب ولما حصلت أعرض عما عداها من بلاد المشرق وقنع منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علماً منه بحذاقته وحزمه وثباته وعلو همته فسار إليها حتى العين المباركة وسير في خدمته الشحنة حسام الدين بشاره ووالياً عيسى بن بلاشوا فنزل بعين المباركة وخرج الناس إلى لقائه في بكرة تاسع جمادى الآخرى وصعد القلعة ضحوة نهار وفرح الناس به فرحاً شديداً ومد على الناس من جناح عدله‏.‏

وأفاض عليه وابل فضله وأما الملك العزيز والملك العادل فإن السلطان قرر حالتهما وكتب إلى الملك المظفر يخبره بمسير الملك العزيز وهو صحبة عمه ويأمره بالوصول إلى الشام وشق ذلك عليه حتى أظهر للناس وعزم على المسير إلى ديار الغرب إلى برقا فقبح ذلك عليه جماعة من أكابر الدولة وعرفوه أن عمه السلطان يخرج من يده في الحال والله أعلم ما يكون بعد ذلك فرأى الحق بعين البصيرة وأجاب بالسمع والطاعة وسلم البلاد ورحل واصلاً إلى خدمة السلطان فسار السلطان إلى لقائه وفرح بوصوله فرحاً شديداً وذلك في الثالث والعشرين من شعبان وأعطاه حماة وسار إليها وكان قد عقد بين الملك الظاهر وبعض بنات الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها في السادس والعشرين من شهر رمضان ودخل الملك الأفضل على ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك ولما كان محرم سنة ثلاث وثمانين عزم على قصد الكرك فسير إلى حلب من يستحضر العسكر وبرز من دمشق في منتصف محرم فسار حتى نزل بأرض نيطرة منتظراً اجتماع العساكر المصرية والشامية وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارات على ما في طريقهم من البلاد الساحلية ففعلوا ذلك وأقام بأرض الكرك حتى وصل الحاج الشامي إلى الشام وأمنوا غائلة العدو ووصل قفل مصر الشتوي ووصل معه بيت الملك المظفر وما كان له بالديار المصرية وتأخرت عنه العساكر الحلبية بسبب اشتغالها بالإفرنج بأرض الأرمن من بلاد ابن لاون وذلك أنه قد مات ملك الإفرنج ووصى لابن أخيه بالملك وكان الملك المظفر بحماه وبلغ السلطان الخبر فأمرهم بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرتهم وسار الملك المظفر بعسكر حلب إلى حارم فأقام بها ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل فعاد السلطان إلى الشام ونزل بعشترا في السابع عشر من ربيع الأول ولقيه ولده الملك الأفضل ومظفر الدين بن زين الدين وجميع العساكر‏.‏

وكان قد تقدم إلى الملك المظفر بمصالحة الجانب الحلبي مع الإفرنج ليتفرغ البال من العدو في جانب واحد فصالحهم في العشر الأواخر من ربيع الأول وتوجه إلى حماة يطلب خدمة السلطان للغزاة التي عزم عليها فسار ومن اجتمع به من العساكر الشرقية في خدمته وهم عسكر الموصل مقدمتهم مسعود بن الزعفراني وعسكر ماردين فلقيهم السلطان في العشر الأوسط من ربيع الآخر فأقرهم وأكرمهم في منتصف هذا الشهر عرض السلطان العسكر لأمر قد عزم عليه على تل يعرف بتل تسيل تيسل وتقدم في أصحاب الميمنة بحفظ موضعهم وإلى أصحاب الميسرة بذلك وإلى القلب بمثله‏.‏

ذكر واقعة حطين المباركة على المؤمنين

وذلك أنّ السلطان رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في الملك وتمكين الله إياه في البلاد وانقياد الناس لطاعته ولزومهم قانون خدمته ليس لها شكر سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد إلى إقامة قانون الجهاد فسير إلى سائر العساكر واستحضرها واجتمعوا إليه بعشترا في التاريخ المذكور وعرضهم ورتبهم واندفع قاصداً نحو بلاد العدو المخذول في نهار الجمعة سابع عشر ربيع الآخر وكان أبداً يقصد بوقعاته الجمع سيّما أوقات صلاة الجمعة تبرّكاً بدعاء الخطباء على المنابر فربّما كانت أقرب إلى الإجابة فسار في ذلك الوقت على تعبية الحركة وكان بلغه أن العدو لما بلغهم أنه قد جمع العساكر اجتمعوا بأسرهم في مرج صفورية بأرض عكا وقصدوا نحو المصاف معهم فسار ونزل من يومه على بحيرة طبرية عند قرية تسمى الصبيرة ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على سطح الجبل بتعبية الحرب منتظراً أن الإفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه فلم يتحركوا من منزلهم وكان نزوله في هذه المنزلة يوم الأربعاء الحادي والعشرين فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو ونازل طبرية وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار وامتدت الأيدي إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل واحتمت القلعة وحدها‏.‏

ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم وقصدوا طبرية للدفع عنها فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الإفرنج فسيروا إلى السلطان من عرّفه ذلك فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر هو ومن معه فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في أواخر الخميس الثاني والعشرين وحال الليل بين الفئتين فتبايتا على مصاف شاكي السلاح إلى صبيحة الجمعة في الثالث والعشرين فركب العسكران وتصادما وعملت الجاليشية وتحركت الأطلاب والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تسمى اللوبيا وضاق الخناق بالقوم هذا وهم سائرون كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون‏.‏

وقد أيقنوا بالويل والثبور‏.‏

وأحست أنفسهم أنهم في غد زوّار القبور‏.‏

ولم يزل الحرب يلتحم‏.‏

والفارس مع قرنه يصطدم‏.‏

حتى لم يبق إلاّ الظفر‏.‏

ووقع الوبال على من كفر‏.‏

فحال بينهما الليل وظلامه وجرى في ذلك اليوم من الوقائع العظيمة والأمور الجسيمة ما لم يحك عمّن تقدم وبات كل فريق في سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض‏.‏

وشغله النصب عن الحبو فضلا عن الركوض‏.‏

حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه فطلب كل من الفريقين مقامه وعلمت كل طائفة أن المكسورة بينهما مدحورة الجنس معدومة النفس‏.‏

وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد القوم وأن لا ينجيهم إلاّ الله تعالى وكان الله قدّر نصر المؤمنين ويسّره‏.‏

وأجراه على وفق ما قدّره‏.‏

فحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة الرجل الواحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين‏.‏

وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين‏.‏

وكان القومص ذكي القوم وأطغاهم فرأى أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ولم يشغله ظن محاسنة حبسه عن تعبية فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده وأخذ طريقه نحو صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا وحده‏.‏

وأمن الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل الكفر والطغيان من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وعاملوهم بالصفاح وانهزمت منهم طائفة فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد واعتصمت الطائفة الأخرى بتل يقال له تل حطين وهي قرية عنده وعندها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء فضايقهم المسلمون على التل وأشعلوا حواليهم النيران وقتلهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل فأسر مقدموهم وقتل الباقون وأسروا وكان فيمن سلم وأسر من مقدميهم‏:‏ الملك جفري والبرنس أرناط وأخو الملك والبرنس هو صاحب الشوبك وابن الهنغري وابن صاحب طبرية ومقدم الداوية وصاحب حبيل ومقدم الأسبتار وأما الباقون من المقدمين فإنهم قتلوا وأما الأذوان فإنهم قسموا إلى قتيل وأسير ولم يسلم منهم إلاّ من أسر وكان الواحد العظيم منهم يخلد إلى الأسر خوفاً على نفسه ولقد حكى لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصاً واحداً معه طنب خيمة فيه نيف وثلاثون أسيرا أخذهم وحده لخذلان وقع عليهم‏.‏

فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم‏.‏

أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها‏.‏

وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم‏.‏

وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وبلغ ذلك السلطان فحمله الدين والحميّة على أنه نذر إن ظفر به قتله‏.‏

ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين ونصبت الخيمة وجلس فرحاً مسروراً لما أنعم الله به عليه ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج فشرب منها وكان على أشدّ حال من العطش ثم ناول بعضها البرنس أرناط فقال السلطان للترجمان‏:‏ قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك جرياً على مكارم الأخلاق ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم وأقعد الملك في الدهليز واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال وقال له‏:‏ ها أنا أنتصر لمحمد عليه الصلاة والسلام ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر وعجّل الله بروحه إلى النار فأخذ ورمي على باب الخيمة فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به فاستحضره وطيّب قلبه وقال‏:‏ لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك‏.‏

وأما هذا فإنه تجاوز حدّه فجرى ما جرى‏.‏

وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور وأكمل حبور ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد وتسلّم قدّس الله روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء‏.‏

ثم رحل طالباً عكا وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر فإنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوّها عن الرجل بالفتك والأسر ولما استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة ونصره الله عليهم وتسلمها ثامن عشر عنوة وأسر من بقي بها بعد القتل ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها ومن الغد تسلمها وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها‏.‏

ثم سار حتى أتى بيروت فنازلها في الثاني والعشرين فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر حتى أخذها في التاسع والعشرين وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت‏.‏

ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون وأقام عليها المنجنيقات وقاتلها قتالا شديداً وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال وحمان بين فتوح عسقلان وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة فإنّ العدوّ ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة‏.‏

  ذكر فتوح القدس الشريف حرسها الله تعالى

ولما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد في قصده واجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد انقضاء لبانها من النهب والغارة فسار نحوه معتمداّ على الله معوضاً أمره إليه منتهزاً فرصة فتح باب الخير الذي حثّ عليه صلّى الله عليه وسلّم بقوله‏:‏ من فتح باب خير فلينتهز بأنه لا يدري متى يغلق دونه وكان نزوله عليها في الخامس عشر من رجب سنة ثلاثة وثمانين المباركة فنزل في الجانب الغربي وكان مشحوناً بالمقاتلة والخيانة والرجالة‏.‏

ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة بما يزيد على ستين ما عدا النساء والصبيان‏.‏

ثم انتقل رحمه الله لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة شمالية‏.‏

ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون‏.‏

وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين وكان تسلمه القدس قدس الله روحه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلة كانت المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد‏.‏

فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسّر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلّى الله عليه وسلّم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى وكان فتوحاً عظيماً شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الحرف والطرق وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسّر الله على يده من فتوح الساحل وشاع قصده القدس قصده العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير وخطب فيه وصليت فيه الجمعة يوم فتحه‏.‏

وحطّ الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر‏.‏

وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى ديناراً واحداً فمن أحضر القطيعة سلم نفسه وإلا أخذ أسيراً أو فرج الله عمن كان أسيراً من المسلمين وكان خلقاً عظيماً زهاء ثلاثة آلاف أسير وأقام رحمه الله يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء وإيصال من دفع قطيعته منهم إلى مأمنه وهو صور‏.‏

ولقد بلغني أنه رحل عن القدس ولم يبق له من ذلك الملك شيء وكان مائتي ألف دينار وكان رحيله يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان‏.‏

  ذكر قصده صور

ولما ثبت قدم السلطان بملك القدس والساحل قويت نفسه على قصد صور وعلم أنه إن أخر أمرها ربما اشتد فرحل سائراً إليها حتى عكا فنزل عليها ونظر في أحوالها ثم رحل متوجهاً إلى صور يوم الجمعة خامس شهر رمضان وسار حتى أشرف عليها ونزل قريباً منها ينتظر وصول آلات القتال وكان لما تحرر عزمه على قصد صور سير إلى ولده الملك الظاهر يستحضره وكان قد تركه بحلب ليسد ذلك الجانب لاشتغاله هو بأمر الساحل فقدم عليه في الثامن عشر على تلك المنزلة وسر بوصوله سروراً عظيماً ولما تكاملت عنده آلات القتال من المناجيق والدبابات والسنائر وغير ذلك نزل عليها في الثامن والعشرين وضايقها وقاتلها قتالاً عظيماً واستدعى أسطول مصر وكان يحاصرها من البحر والعسكر من البر وكان قد خلف أخاه الملك العادل بالقدس يقرر قواعده فاستدعاه فوصل إليه في خامس شوال وسير من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال‏.‏

  ذكر كسرة الأسطول

وذلك أنه قدم على الأسطول إنسان يقال له الفارس بدران وكان ناهضاً جلداً في البحر وكان رئيس البحريين يقال له عبد المحسن وكان قد أكد عليهم الوصية وأخذ حذرهم وتيقظهم لئلا تنتهز منهم فرصة فخالفوه وغفلوا عن أنفسهم في الليل فخرج أسطول الكفار من صور وكبسوهم وأخذوا المقدمين مع خمسة قطع وقتلوا خلقاً عظيماً من الأسطول الإسلامي وذلك في السابع والعشرين من شوال فلما علم السلطان ما تم على المسلمين ضاق عطنه وكان قد هجم الشتاء وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال من شدة المطر فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل ليأخذ العسكر جزأً من الراحة ويستعدوا لهذا الأمر استعداداً جديداً فرأى ذلك رأياً ورحل عنها بعد أن رمى المنجنيقات وسيرها وأحرق مالا يمكن ثقله وكان رحيله ثاني ذي القعدة من هذه السنة ففرق العساكر وأعطاها دستوراً وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بعكا حتى دخلت سنة أربع وثمانين‏.‏

  ذكر نزوله على كوكب

ولما دخلت عليه هذه السنة المباركة رأى الاشتغال بالحصون الباقية لهم مما يضعف قلوب من في صور وينهي أمرها به فاشتغل بذلك ونزل على كوكب في أوائل محرم وكان سبب بداءته بكوكب أنه قد جعل حولها جماعة يحفظونها من أن تدخل إليهم قوة فخرج الإفرنج ليلاً وأخذوا غرتهم وكبسوهم بعفربلا وقتلوا مقدمهم وكان من الأمراء ويعرف بسيف الدين أخي الجاولي وأخذوا أسلحتهم فسار رحمه الله من عكا ونزل عليها بمن معه من خواصه فإنه كان قد أعطى العساكر دستوراً وعاد أخوه إلى مصر وولده إلى حلب ولقي في طريقه شدة من الثلج والبرد فحملته مع ذلك الحمية على النزول عليها وأقام يقاتلها مدة‏.‏

وفي تلك المنزلة وصلت إلى خدمته فإني كنت قد حججت سنة ثلاث وثمانين وكانت وقعة ابن المقدم وجرح يوم عرفة على عرفة لخلف جرى بينه وبين أمير الحاج طستكين على ضرب الكؤوس والدبدبة فإن أمير الحاج نهاه عن ذلك فلم ينته ابن المقدم وكان من أكبر أمراء الشام وكان كثير الغزاة فقدر الله أن جرح بعرفة يوم عرفة ثم حمل إلى منى مجروحاً ومات بمنى يوم الخميس يوم عيد الله الأكبر وصلي عليه في مسجد الخيف في بقية ذلك اليوم ودفن بالمعلا وهذا من أتم السعادات وبلغ ذلك السلطان فشق عليه ثم اتفق لي العود من الحج إلى الشام لقصد القدس وزيارته والجمع بين زيارة النبي صلّى الله عليه وسلّم وزيارة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوصلت إلى دمشق ثم خرجت إلى القدس فبلغه خبر وصولي فظن أني وصلت من جانب الموصل في حديث فاستحضرني عنده وبالغ في الإكرام والاحترام‏.‏

ولما ودعته ذاهباً إلى القدس خرج لي بعض خواصه وأبلغني تقدمه إلي بأن أعود أتمثل في خدمته عند العود من القدس فظننت أنه يوصيني بمهم إلى الموصل وانصرفت إلى القدس يوم رحيله عن كوكب ورحل لأنه علم أن هذا الحصن لا يؤخذ إلا بجمع العساكر عليه وكان حصناً قوياً وفيه رجال شداد من بقايا السيف وميرة عظيمة فرحل إلى دمشق وكان دخوله إليها في سادس ربيع الأول‏.‏

وفي ذلك اليوم اتفق دخولي إليها عائداً من القدس وأقام بها خمسة أيام فكان له عنها ستة عشر شهراً وفي اليوم الخامس بلغه خبر الإفرنج أنهم بحبيلا واغتالوها فخرج مسرعاً ساعة بلوغ الخبر وكان قد سير إلى العساكر يستدعيها من سائر الجوانب وسار يطلب حبيلا فلما عرف الإفرنج بخروجه كفوا عن ذلك‏.‏

وكان بلغه وصول عماد الدين وعسكر الموصل ومظفر الدين إلى حلب قاصدين الخدمة للغزاة فسار نحو حصن الأكراد في طلب الساحل الفوقاني‏.‏

ذكر دخوله الساحل الأعلى وأخذهِ اللاذقية وجبلة وغيرهما ولما كان مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثم سير إلى الملك الظاهر والملك المظفر أن يجتمعا وينزلا بتبرين قبالة أنطاكية ليحفظ ذلك الجانب وسارت عساكر الشرق حتى اجتمعت لخدمة السلطان في هذه المنزلة ووصلت إليه بها على عزم المسير إلى الموصل متجهزاً لذلك فلما حضرت عنده فرح بي وأكرمني وكنت قد جمعت له كتاباً في الجهاد بدمشق مدة مقامي فيها يجمع أحكامه وآدابه فقدمته بين يديه فأعجبه وكان يلازم مطالعته وما زلت أطلب دستوراً في كل وقت وهو يدافعني عن ذلك ويستدعيني للحضور في خدمته في كل وقت ويبلغني على ألسنة الحاضرين ثناءه علي وذكره إياي بالجميل فأقام في منزلته ربيعاً الآخر جميعه وصعد في أثناءه إلى حصن الأكراد وحاصرها يوم مجيئه بها فما رأى الوقت يحمل حصاره واجتمعت العساكر من الجوانب وأغار على بلد طرابلس في الشهر دفعتين ودخل البلاد مغيراً ومختبراً لمن بها من العساكر ويقويه العساكر بالغنائم ثم نادى في الناس في أواخر الشهر إنا داخلون الساحل وهو قليل الأزواد والعدو يحيط بنا في بلاده من سائر الجوانب فاحملوا زاد شهر ثم سير إلي مع الفقيه عيسى وكشف إلي أنه ليس في عزمه أن يمكنني من العود إلى بلادي وكان الله قد أوقع في قلبي محبته منذ رأيته وحبه الجهاد فأحببته لذلك وخدمته من تاريخ مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وهو يوم دخوله الساحل وجميع ما حكيته قبل إنما هو روايتي عمن أثق به ممن شاهده ومن هذا التاريخ ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبراً يقارب العيان والله الموفق ولما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى رحل السلطان على تعبية لقاء العدو ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولاً ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط والميسرة في الآخر ومقدمها مظفر الدين وسار الثقل في وسط العسكر حتى أتى المنزل فبتنا تلك الليلة في بلد العدو ثم رحل ونزل على العريمة فلم يقاتلها ولم يتعرض لها ووصل في السادس إلى أنطرسوس فوقف قبالتها ينظر إليها وكان في عزمه الاجتياز فإنه كان له عمل بجبلة فاستهان بأمرها فعزم على قتالها فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر ولها برجان كالقلعتين حصينان وركب هو وقارب البلد وأمر الناس بالزحف والقتال فلبسوا لامة الحرب والقتال والزحف وضايقهم فما استتم نصب الخيم واشتغلوا بالنهب والكسب ووفى بقوله نتغدى بأنطرسوس إن شاء الله وعاد إلى خيمته فرحاً مسروراً‏.‏

وحضرنا عنده للهناء بما جرى ومد الطعام وحضر الناس وأكلوا على عادتهم ورتب على البرجين الباقيين الحصار فسلم أحدهما مظفر الدين فما زال يحاصره حتى أخرجه وأخذ من كان فيه وأمر السلطان بإخراب سور البلد وقسمه على الأمراء وشرعوا في إخرابه وأخذوا يحاصرون الآخر‏.‏

وكان حصناً منيعاً مبنياً بالحجر النحيت وقد اجتمع من كان فيها من الخيالة والبصارقة والمقاتلة وخندقه يدور فيه الماء وفيه فروج كثيرة يخرج الناس منها عن بعد وليس له قدر يخرج عليه مسلم فرأى السلطان تأخير أمره والاشتغال بما هو أهم منه فاشتد في إخراب السور حتى أتى عليه وخرب البيعة وهي بيعة عظيمة عندهم محجوج إليها من أقطار بلادهم وأمر بوضع النار في البلد فأحرق جميعه حتى كان تتأجج النار في إرزه وبيوته والأصوات مرتفعة بالتهليل والتكبير فأقام عليها يخربها إلى الرابع عشر وسار يريد جبلة وكان عرض له ولده الملك الظاهر في أثناء طريق جبلة فإنه طلبه وأمره أن يحضر معه جميع العساكر التي كانت بتبرين‏.‏

  ذكر فتوحه جبلة واللاذقية

ووصل إلى جبلة في الثامن عشر وما استتم نزول العساكر حتى أتى البلد وكان فيه مسلمون مقيمون فيه وفاض يحكم بينهم وكان قد عمل على البلد فلم يمتنع وبقيت القلعة ممتنعة فاشتغل بقتالها فقاتلت قتالاً يقيم عذراً لمن كان فيها وسلمت بالأمان في التاسع عشر وأقام عليها إلى الثالث والعشرين وسار عنها يطلب اللاذقية وكان نزوله عليها في الرابع والعشرين وهي بلد مليح خفيف على القلب غير مستور‏.‏

وله ميناء مشهورة وله قلعتان متصلتان على تل مشرف على البلد فنزل محدقاً بالبلد وأخذ العسكر منازلهم مستديرين على القلعتين من جميع نواحيها إلا من ناحية البلد واشتد القتال وعظم الزحف وارتفعت الأصوات وقوي الضجيج إلى آخر اليوم المذكور‏.‏

وأخذ البلد دون القلعتين وغنم الناس منه غنيمة عظيمة فإنه كان بلد التجار ففرق بين الناس الليل وهجومه وأصبح يوم الجمعة مقاتلاً مجتهداً في أخذ النقوب وأخذت النقوب من شمالي القلاع وتمكن منها النقب حتى بلغ طوله على ما حكي لي من ذرعه ستين ذراعاً وعرضه أربعة أذرع واشتد الزحف عليهم حتى صعد الناس الجبل وقاربوا السور وتواصل القتال حتى صاروا يتحاذفون بالحجارة باليد فلما رأى عدو الله ما حل بهم من الصغار والبوار استغاثوا بطلب الأمان عشية الجمعة الخامس والعشرين من الشهر وطلبوا قاضي جبلة يدخل إليهم ليقرر لهم الأمان فأجيبوا إلى ذلك وكان رحمه الله متى طلب منه الأمان لا يبخل به رفقاً فعاد الناس عنهم إلى خيامهم واستقر الحال معهم على أنهم يطلقون بنفوسهم وذراريهم وأموالهم خلا الغلال والذخائر وآلات السلاح والدواب وأطلق لهم دواب يركبونها إلى مأمنهم ورقي عليها ذكر فتوح صهيون ورحل عن اللاذقية طالباً صهيون واستدارت العساكر بها من سائر نواحيها في التاسع والعشرين ونصب عليها ستة مناجيق وهي قلعة حصينة منيعة في طرف جبل خنادقها أودية هائلة واسعة عظيمة وليس لها خندق محفور إلا من جانب واحد مقدار طوله ستون ذراعاً أو أكثر وهو نقر في حجر ولها ثلاثة أسوار سور دون ربضها وسور دون القلعة وكان على قلعتها علم طويل منصوب فحين أقبل العسكر الإسلامي شاهدته قد وقع فاستبشر المسلمون بذلك وعلموا أنه النصر والفتح واشتد القتال عليها من سائر الجوانب فضربها بمنجنيق الملك الظاهر صاحب حلب وكان نصب منجنيقاً قريباً من سورها فقطع الوادي وكان صائب الحجر فلم يزل يضربها حتى هدم من السور قطعة عظيمة يمكن الصاعد في السور الترقي إليه منها ولما كان بكرة الجمعة ثاني جمادى الآخرة عزم السلطان وتقدم وأمر المنجنيقات أن تتوالى بالضرب وارتفعت الأصوات وعظم الضجيج بالتكبير والتهليل وما كان إلا ساعة حتى رقي المسلمون على الأسوار التي للربض واشتد الزحف وعظم الأمر وهجم المسلمون الربض ولقد كنت أشاهد الناس وهم يأخذون القدور وقد استوى فيها الطعام فيأكلونها وهم يقاتلون وانضم من كان في الربض إلى القلعة ويحملون ما أمكنهم أن يحملوا من أموالهم ونهب الباقي واستدارت المقاتلة حول أسوار القلعة ولما عاينوا الهلاك استغاثوا بطلب الأمان ووصل خبرهم إلى السلطان فبذل الأمان وأنعم عليهم على أن يسلموا بأنفسهم وأموالهم ويؤخذ من الرجل منهم عشرة دنانير ومن المرأة خمسة وعن الصغير ديناران وسلمت القلعة وأقام السلطان عليها حتى سلم عدة قلاع كالعبد وفيحه وبلاطنيس وغيرها من القلاع والحصون تسلمها النواب ذكر فتوح بكاس ثم رحل وسرنا حتى أتينا سادس جمادى الآخرى بكاس وهي قلعة حصينة على جانب العاصي ولها نهر يخرج من تحتها وكان المنزل على شاطئ العاصي وصعد السلطان جريدة إلى القلعة وهي على جبل يطل على العاصي فأحدق بها من كل جانب وقاتلها قتالاً شديداً بالمنجنيقات والزحف المضايق إلى تاسع الشهر ويسر الله فتحها عنوة وأسر من فيها بعد قتل من قتل منهم وغنم جميع ما كان فيها وكان لها قليعة تسمى الشفر قريبة منها يعبر إليها منها بجسر وهي في غاية المنعة ليس إليها طريق فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان في الثالث عشر وسألوا أن يؤخروا ثلاثة أيام لاستئذان من بإنطاكية فأذن في ذلك وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني عليها يوم الجمعة سادس عشر ثم عاد السلطان إلى الثقل وسير ولده الملك الظاهر إلى قلعة سرمانية فقاتلها قتالاً شديداً وضايقها مضايقة عظيمة وتسلمها يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر فاتفقت فتوحات الساحل من جبلة إلى سرمانية في أيام الجمع وهي علامة قبول دعاء الخطباء المسلمين وسعادة السلطان حيث يسر لنا الله الفتوح في اليوم الذي يضاعف فيه ثواب الحسنات وهذا من نوادر الفتوحات في الجمع المتوالية ولم يتفق مثلها في تاريخ‏.‏

  ذكر فتوح برزية

ثم سير السلطان جريدة إلى قلعة برزية وهي قلعة حصينة في غاية القوة والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الإفرنج والمسلمين يحيط بها أودية من سائر جوانبها وذرع علوها كان خمسمائة ذراع ونيفاً وسبعين ذراعاً ثم جدد عزمه على حصارها بعد رؤيتها واستدعى الثقل وكان نزول الثقل وبقية العسكر تحت جبلها في الرابع والعشرين من الشهر وفي بكرة الخامس والعشرين منه صعد السلطان جريدة مع المقاتلة والمنجنيقات وآلات الحصار إلى الجبل فأحدقت بالقلعة من سائر نواحيها وركب القتال من كل جانب وضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة الضرب ليلاً ونهاراً وفي السابع والعشرين قسم العساكر ثلاثة أقسام ورتب كل قسم يقاتل شطراً من النهار ثم يستريح ويسلم القتال للقسم الآخر بحيث لا يفتر عنها القتال عنها أصلاً وكان صاحب النوبة الأولى عماد الدين صاحب سنجار فقاتلها قتالاً شديداً حتى استوفى نوبته وضرس الناس من القتال وتراجعوا واستلم النوبة الثانية السلطان بنفسه وركب وتحرك خطوات عدة وصاح في الناس فحملوا عليها حملة الرجل الواحد وقصدوا السور من كل جانب فلم يكن إلا بعض ساعة حتى رقي الناس على الأسوار وهجموا القلعة وأخذت القلعة عنوة فاستغاثوا بالأمان وقد تمكنت الأيدي منهم فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ونهب جميع ما فيها وأسر جميع من كان فيها وكان قد أوي إليها خلق عظيم وكانت من قلاعهم المذكورة وكان يوماً عظيماً وعاد الناس إلى خيامهم غانمين وعاد السلطان إلى الثقل فرحاً مسروراً وأحضر بين يديه صاحب القلعة وكان رجلاً كبيراً منهم وكان هو ومن أخذ من أهله سبعة عشر نفساً فمن عليهم ورق لهم وأنفذهم إلى صاحب أنطاكية استمالة له فإنهم كانوا يتعلقون به ومن أهله‏.‏

  ذكر فتوحات دربساك

ثم رحل حتى أتى جسر الحديد وأقام عليه أياماً وسار حتى نزل على دربساك يوم الجمعة ثامن عشر رجب وهي قلعة منيعة قريبة من أنطاكية فنزل عليها وقاتلها قتالاً شديداً بالمنجنيقات وضايقها مضايقة عظيمة وأخذ النقب تحت برج منها وتمكن النقب منه حتى وقع وحموه بالرجال والمقاتلة ووقف في الثغرة رجال يحمونها ممن يصعد فيها ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه وهم قيام في عرض الجدار مكشفون فاشتد بهم الأمر حتى طلبوا الأمان واشترطوا مراجعة أنطاكية وكانت القاعدة أن ينزلوا بأنفسهم وثياب أبدانهم لا غير ورقي العلم الإسلامي في الثاني والعشرين من رجب وأعطاها علم الدين سليمان بن جندر وسار عنها في الثالث والعشرين منه‏.‏

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >