ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

 

القسم الثاني في بيات تقلبات أحواله وفتوحاته في تواريخها

up   ذكر حركته إلى مصر

في الدفعة الأولى صحبة عمه أسد الدين سبب ذلك أن شاور وزير المصريين كان قد خرج عليه إنسان يقال له الضرغام وكان يروم منصبه ومكانه فجمع له جموعاً كثيرة لم يكن له بها قبل وغلب عليه وأخرجه من القاهرة وقتل ولده واستولى على المكان وولي الوزارة‏.‏

وكانت عادة المصريين أنه إذا غلب شخص صاحب المنصب وعجز عن دفعه وعرفوا عجزه وقعوا للقاهر منهم ورتبوه ومكنوه فإن قوتهم إنما كانت بعسكر وزيرهم وهو ملقب عندهم بالسلطان وما كانوا يرون المكاشفة وقواعدهم مستقرة من أول زمانهم على هذا المثال فلما قهر شاور وأخرج من القاهرة اشتد في طلب الشام قاصداً خدمة نور الدين ابن زنكي مستصرخاً به مستنصراً على أعدائه بعسكره فتقدم نور الدين إلى أسد الدين شيركوه بالخروج إلى مصر المحروسة قضاءً لحق الوافد المستصرخ وحفظاً للبلاد وتطلعاً إلى أحوالها وذلك في شهور سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فتأهب أسد الدين شيركوه وسار إلى مصر فاستصحبه معه رحمه الله عن كراهية منه لمكان افتقاره إليه وجعله مقدم عسكره وصاحب رأيه وساروا حتى وصلوا إلى مصر وشاور معهم في الثاني من جمادى الآخر سنة ثمان المذكورة‏.‏

وكان لوصولهم إلى مصر وقع عظيم وخافه أهل مصر ونصر شاور على خصمه وأعاده إلى منصبه ومرتبته وقرر قواعده واستقر أمره وشاهد البلاد وعرف أحوالها وعاد منها وقد غرس في قلبه الطمع في البلاد وعرف أنها بلاد بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال وكان ابتداء رحلته عنها متوجهاً إلى الشام في السابع من ذي الحجة سنة ثمان المذكورة‏.‏

وكان لا يفصل أمراً ولا يقرر رحالاً إلا بمشورته ورأيه لما لاح له من آثار الإقبال والسعادة والفكرة الصحيحة واقتران النصر بحركاته وسكناته فأقام بالشام مدبراً لأمره مفكراً في كيفية رجوعه إلى البلاد المصرية محدثاً بذلك نفسه مقرراً قواعد ذلك مع الملك العادل نور الدين زنكي إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة‏.‏

ذكر عودته إلى مصر في الوقعة الثانية وهي معروفة بوقعة البابين ولم يزل أسد الدين يتحدث بذلك بين الناس حتى بلغ شاور فداخله الخوف على البلاد من الأتراك وعلم أن أسد الدين قد طمع في البلاد وأنه لا بد له من قصدها فكاتب الإفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون البلاد ويمكنهم تمكيناً كلياً ويعينوه على استئصال أعدائه بحيث يستقر قلبه فيها وبلغ ذلك أسد الدين والملك العادل نور الدين فاشتد خوفهم على مصر إن ملكها الكفار واستولوا على البلاد كلها فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر وألزم السلطان رحمه الله المسير معه على كراهية منه لذلك‏.‏

وكان توجههم في اثني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة وكان وصولهم إلى البلاد المصرية مقارناً لوصول الإفرنج إليها واتفق شاور مع الإفرنج على أسد الدين والمصريون بأسرهم وجرت بينهم حروب كثيرة ووقعات شديدة وانفصل الإفرنج عن الديار المصرية وانفصل أسد الدين وكان سبب عود الإفرنج أن نور الدين جرد العساكر إلى بلاد الإفرنج وأخذ المنيظرة وعلم الإفرنج بذلك فخافوا على بلادهم وعادوا‏.‏

وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره بسبب مواقعة الإفرنج والمصريين وما عانوه من الشدائد وعاينوه من الأهوال‏.‏

وما عاد حتى صالح الإفرنج على أن ينصرفوا كلهم من مصر وعاد إلى الشام في بقية السنة وقد انضم إلى قوة الطمع في البلاد شدة الخوف عليها من الإفرنج لعلمه أنهم قد كشفوها كما كشفها وعرفوها من الوجه الذي عرفها فأقام على مضض وقلبه مقلقل والقضاء يجره إلى شيء قد قدر لغيره وهو لا يشعر بذلك وهي التي ملكوها فيها وجرى ما جرى في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة ملك نور الدين قلعة المنيظرة بعد سير أسد الدين في رجب وخرب قلعة أكاف بالبرية‏.‏

وفي رمضان منها اجتمع نور الدين وأخواه قطب الدين وزين الدين بحماة للغزاة وساروا إلى بلاد الإفرنج فخربوا هونين في شوال منها وفي ذي القعدة كان عود أسد الدين من مصر‏.‏

وكان سبب ذلك أن الإفرنج خذلهم الله جمعوا راجلهم وفارسهم وخرجوا يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما استقر مع المصريين وأسد الدين من الصلح والقواعد طمعاً في البلاد فلما بلغ ذلك نور الدين وأسد الدين لم يسعهما الصبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد أما نور الدين فبالمال والرجال ولم يسر بنفسه خوفاً على البلاد من الإفرنج ولأنه قد حدث نظره إلى جانب الموصل بسبب وفاة زين الدين ابن يكتكين فإنه توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتسلم ما كان في يده من الحصون إلى قطب الدين ما عدا إربل فإنها كلها كانت له من أتابك زنكي رحمه الله فحدث لنور الدين إلى ذلك الجانب الطمع بهذا السبب فسير العسكر‏.‏

وأما أسد الدين فبسيفه وملكه وأهله ورجاله ولقد قال لي السلطان قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج في هذه الواقعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم‏.‏

وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر على تلك القاعدة أنفذ إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعاً‏.‏

وكان وصولهم إلى مصر في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة ولما علم الإفرنج وصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين وعلى أعقابهم ناكصين‏.‏

وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان‏.‏

وكان وعدهم بمال مقابلة ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئاً وعلقت مخاليب أسد الدين في البلاد وعلم أن الإفرنج متى وجدوا فرصة أخذوا البلاد وترددهم إليها في كل وقت لا يفيد وإن شاور يلعب بهم تارة وبالإفرنج تارة أخرى وعلموا أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمعوا أمرهم على قبضه إن خرج إليهم وكانوا هم يترددون إلى خدمته دون أسد الدين وهو يخرج في بعض الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به‏.‏

وكان يركب على قاعدة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم فلم يتجاسر على قبضه من الجماعة إلا السلطان بنفسه‏.‏

وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً وسار إلى جانبه أخذ بتلابيبه وأمر العسكر أن أخذوا على أصحابه ففروا ونهبهم العسكر وقبض على شاور وأنزل إلى خيمة مفردة وفي الحال جاءه التوقيع من المصريين على يد خادم خاص لا بد من رأسه جرياً على عادتهم في وزرائهم في تقرير قاعدة فيمن قوي منهم على صاحبه فحزت رقبته وأنفذ رأسه إليهم وأنفذ إلى أسد الدين خلعة الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر ورتب وزيراً وذلك في سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة ودام آمراً ناهياً والسلطان رحمه الله مباشر الأمور مقرر لها وزمام الأمر والنهي مفوض إليه لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة‏.‏

up   ذكر وفاء أسد الدين ومصير الأمر إلى السلطان

وذلك أن أسد الدين كان كثير الأكل شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة وتتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة فأخذه مرض شديد واعتراه خانوق عظيم فقتله في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وفوض الأمر بعده إلى السلطان واستقرت القواعد واستتبت الأحوال على أحسن نظام وبذل المال وملك الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله عليه فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بلباس الجد والاجتهاد وما عاد عنه ولا ازداد إلا جداً إلى أن توفاه الله إلى رحمته ولقد سمعت منه يقول لما يسر الله لي الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي ومن حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الإفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادها وغشي الناس من سحائب الأفضال والنعم ما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام هذا كله وهو وزير متابع للقوم ولكنه مقو لمذهب السنة غارس في أهل البلاد العلم والفقه والتصوف والدين والناس يهرعون إليه من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب وهو لا يخيب قاصداً ولا يعدم وافداً ولما عرف نور الدين استقرار السلطان بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين وذلك في رجب من سنة أربع وستين‏.‏

  ذكر قصد الإفرنج دمياط حرسها الله تعالى

ولما علم الإفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة في الديار المصرية خافوا أن يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك فاجتمع الإفرنج والروم جميعاً وحدثوا أنفسهم بقصد الديار المصرية والاستيلاء عليها وملكها ورأوا قصد دمياط لتمكن القاصد لها من البر والبحر ولعلمهم أنها إن حصلت لهم حصل لهم مغرس قدم فاستصحبوا المنجنيقات والدبابات والجروخ وآلات الحصار وغير ذلك ولما سمع إفرنج الشام بذلك اشتد أمرهم فسرقوا حصن عكا من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكاً لنور الدين يسمى خلطخ العلم دار وذلك في ربيع الآخر منها ولما رأى نور الدين ظهور أمر الإفرنج وبلغه نزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم فنزل على الكرك محاصراً لها في شعبان من هذه السنة فقصده إفرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقف لهم على أثر ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية بحلب وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وستين فاشتغل قلبه لأنه كان صاحب أمره فعاد يطلب الشام فبلغه خبر الزلزلة بحلب التي أخربت كثيراً من البلاد المذكورة فسار يطلب حلب فبلغه موت قطب الدين أخيه بالموصل وكانت وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وبلغه الخبر وهو بتل باشر فسار من ليلته طالباً بلاد الموصل ولما علم السلطان شدة قصد العدو دمياط أنفذ إلى البلد وأودعه من الرجال وأبطال الفرسان والميرة وآلات السلاح ما أمن معه عليه ووعد المقيمين فيه بإمدادهم بالعساكر والآلات وإبعاد العدو عنهم إن نزل عليهم ثم نزل الإفرنج في التاريخ المذكور واشتد زحفهم عليها وقتالهم وهو يشن الغارات عليهم من خارج والعساكر تقاتلهم من داخل ونصر الله المسلمين وأيدهم وحسن قصدهم في نصر دين الله وأسعدهم وأنجدهم حتى بان للإفرنج الخسران وظهر على الكفر الإيمان‏.‏

ورأوا أنهم ينجون برؤوسهم ويسلمون بنفوسهم‏.‏

فرحلوا خائبين خاسرين فحرقت مناجيقهم ونهبت وقتل منهم خلق كثير وسلم البلد بحمد الله ومنّه عن قصدهم وظهر بتوفيق ذكر طلبه والده ثم أنفذ في طلب والده ليكمل السرور به ويتم الحبور وتجري القصة مشاكلة لما جرى للنبي يوسف صلاة إلى الله وصلاة عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين فوصل والده نجم الدين إليه في أثناء جمادى الآخرى من سنة خمس وستين ويملك معه من الأدب ما كان عادته وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له ولا ينبغي أن يغير موقع السعادة فحكمه في الخزائن بأسرها ولم يزل السلطان وزيراً محكماً حتى مات العاضد أبو محمد عبد الله وبه ختم أمر المصريين‏.‏

وأما نور الدين فإنه أخذ الرقة في المحرم سنة ست وستين وسار منها إلى نصيبين فأخذها في بقية الشهر وأخذ سنجار في ربيع الآخر منها ثم قصد الموصل وقصد أن لا يقاتلها فعبر بعسكره من مخاضة بلد وسار حتى خيم قبالة الموصل على تل يقال له الحصن وراسل ابن أخيه عز الدين غازي صاحب الموصل وعرفه صحة قصده فصالحه ودخل الموصل في ثالث جمادى الأولى وقرر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى عماد الدين ابن أخيه سنجار وخرج من الموصل قاصداً نحو الشام فدخل حلب في شعبان من هذه السنة‏.‏

وكان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك للسلطان وكان خطب لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ابتداؤها للمستضيء بأمر الله واستمرت القواعد على الاستقامة وهو كلما استولى على خزانة من المال وهبها وكلما فتح له خزائن ملك أنهبها ولا يبقي لنفسه شيئاً وشرع السلطان في التأهب للغزاة وقصد بلاد العدو وتعبية الأمر لذلك وتقرير قواعده وأما نور الدين فإنه عزم على الغزاة واستدعى صاحب الموصل ابن أخيه فوصل بالعساكر إلى خدمته وكانت غزاته عرفاً وأخذها في المحرم سنة سبع وستين‏.‏

  ذكر أول غزوة غزاها من الديار المصرية

ولم يزل على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإقامة الإحسان على الناس إلى سنة ثمان وستين فعند ذلك خرج بالعساكر يريد بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية وكان لا يمكن أن تصل قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها بلاد العدوّ فأراد توسيع الطريق وتسهيله لتتصل البلاد بعضها ببعض وتسهل على السابلة فخرج قاصدا لها فحاصرها وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد عنها ولم يظفر منها بشيء في تلك الواقعة وحصل ثواب القصد‏.‏

وأما نور الدين فإنه فتح مرعش في ذي القعدة من هذه السنة وأخذ بها في ذي الحجة‏.‏

ذكر وفاة والده نجم الدين ولما عاد السلطان من غزاته بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة أبيه نجم الدين فشق عليه ذلك حيث لم يحضر وفاته‏.‏

وكان سبب وفاته وقوعه عن الفرس وكان رحمه الله شديد الركض ولعاً بلعب الكرة بحيث من رآه يلعب بها يقول ما يموت إلاّ من وقوعه عن ظهر الفرس وكانت وفاته في شهور سنة تسع وستين ورأى السلطان قوة عسكره وكثرة عدد أخوته وقوة بأسهم وكان بلغه أنّ باليمن إنساناً استولى عليها وملك حصونها وهو يخطب لنفسه يسمى بعبد النبي بن مهدي ويزعم أن ينتشر ملكه في الأرض كلها ويستتب الأمر له فرأى أن يسيّر إليه أخاه الأكبر شمس الدولة الملك المعظّم تورانشاه وكان كريماً أريحيّا حسن الأخلاق سمعت منه رحمه الله الثناء على كرمه وحسن أخلاقه وترجيحه على نفسه‏.‏

وكان توجهه إليها في أثناء رجب سنة تسع وستين فمضى إليها وفتح الله على يديه وقتل الخارجي الذي كان بها واستولى على معظمها وأعطى وأعنى خلقاً كثيرا‏.‏

وكانت وفاته بسبب حوانيق اعترته أيضا عجز الأطبّاء عن علاجها وتوفي يوم الأربعاء في الحادي والعشرين من شوّال سنة تسع وستين وذلك في قلعة دمشق وأقام مقامه ولده الملك الصالح إسماعيل‏.‏

ولقد حكى لي السلطان قال‏:‏ كان بلغنا عن نور الدين أنّه قصدنا بالدار المصرية وكانت جماعة أصحابنا يشيرون بأن نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره بمصاف نرده إذا تحقق قصده وكنت وحدي أخالفهم وأقول‏:‏ لا يجوز أن يقال شيء من ذلك ولم يزل النزاع بيننا حتى وصل الخبر بوفاته‏.‏

  ذكر منافقة الكند بأسوان

وذلك في شهور سنة تسع وستين والكند إنسان مقدم من المصريين كان قد نزح إلى أسوان فأقام بها ولم يزل يدبر أمره ويجمع السودان عليه ويخيل إليهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة مصرية وكان في قلوب القوم من مهاواة المصريين ما تستصغر هذه الأفعال عنده فاجتمع عليه خلق كثير وجمع وافر وقصدوا قوس وأعمالها وانتهى خبره إلى السلطان فجرّد له عسكرا عظيما شاكي السلاح من الذين ذاقوا حلاوة المصرية وخافوا على فوت ذلك منهم وقدم عليهم أخاه الملك العادل سيف الدين وسار بهم حتى أتى القوم فلقيهم بمصاف فكسرهم وقتل منهم خلقاً عظيما واستأصل شأفتهم وأخمد ثائرتهم وذلك في السابع من صفر سنة سبعين واستقرت قواعد الملك واستوت أموره ولله الحمد والمنّة‏.‏

  ذكر قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية حرسها الله تعالى

وذلك أن الإفرنج لمّا علموا تغيّرات الأحوال بالديار المصرية وتقلّبات الدول بها داخلهم الطمع في البلاد وجرّدوا عساكرهم في البحر وكانوا في ستمائة قطعة ما بين شاتي وطرادة وبطسة وغير ذلك‏.‏

وكانوا في ثلاثين ألفاً على ما ذكر ونازلوا الثغر وذلك في أثناء صفر في السابع منه من هذه السنة وهي سنة سبعين فأمدّه السلطان بالعساكر المنصورة وتحرك وادخل الله في قلوبهم من الخوف والرعب ما لم يمكنهم الصبر معه وعادوا خائبين خاسرين بعد أن ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيّام وقاتلوا قتالاً شديدا وعصمه الله منهم‏.‏

ولمّا أحسّوا بحركة السلطان نحوهم ما لبثوا أن خلّفوا مناجيقهم وراءهم وآلتهم فخرج أهل البلد إلى نهبها وإحراقها وكان أمراّ عظيماّ ومن أعظم النعم على المسلمين وأمارة كل سعادة‏.‏

وأما نور الدين فإنّه خلف ولده الملك الصالح إسماعيل وكان بدمشق‏.‏

وكان بقلعة حلب ابن الداية شمس الدين علي وشاذ بخت‏.‏

وكان قد حدّث نفسه بأمور فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب فوصل ظاهرها ثاني المحرّم ومعه سابق الدين فخرج بدر الدين للقائه فقبض على سابق الدين‏.‏

ولمّا دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن وأودع الثلاثة السجن‏.‏

وفي ذلك اليوم قتل ابن الخشاب أبو الفضل لفتنة جرت بحلب ذكروا أنه قتل قبل إمساك أولاد الداية بيوم لأنهم تولّوا ذلك‏.‏

ولمّ تحقق السلطان وفاة نور الدين وكان ولده طفلاً لا ينهض بأعباء الملك ولا يستقل بدفع عدوّ الله عن البلاد تجهز للخروج إلى الشام إذ هو أصل بلاد الإسلام فتجهّز بجمع كثير من العساكر وخلف في الديار المصرية من يستقل بحفظها وحراستها ونظم أمورها وسياستها وخرج هو سائراً مع جمع من أهله وأقاربه وهو يكاتب أهل البلاد وأمراءها واختلفت كلمة أصحاب الملك الصالح واختلّت تدابيرها وخاف بعضهم من بعض وقبض على جماعة منهم وكان ذلك سبب خوف الباقين من فعل ذلك وسبباً لتغيير قلوب الناس عن الصبي فافتقر الحال أن كاتب شمس الدين بن المقدم السلطان ووصل البلاد مطالباً بالملك الصالح ليكون هو الذي يتولّى أمره ويرقب حاله فيقوّم له ما اعوجّ من أمره فوصل دمشق ولم يشق عليه عصا ودخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر سنة سبعين وتسلّم قلعتها‏.‏

وكان أوّل دخوله إلى دار أبيه واجتمع الناس إليه وفي جوابه وأنفق في ذلك اليوم في الناس مالاً طويلاً وأظهر الفرح والسرور بالدمشقيّين وأظهروا الفرح به وصعد القلعة واستقرّ قدمه في ملكها فلم يلبث أن طلب حلب فنازل حمص فأخذ مدينتها في جمادى الأولى سنة سبعين ولم يشتغل بقلعتها وسار حتى أتى حلب ونازلها في يوم الجمعة سلخ الشهر المذكور وهي الوقعة الأولى‏.‏

  ذكر تسيير سيف الدين أخاه عز الدين إلى لقائه

ولمّا أحسّ سيف الدين صاحب الموصل بما جرى علم أنّ الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه وعلت كلمته وخاف أنه إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرّ قدمه في الملك وتعدّى الأمر إليه فجهّز عسكراً وافراً وجيشاً عظيما وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعودا وساروا يريدون لقاء السلطان وضرب المصاف معه ووده عن البلاد‏.‏

ولمّا بلغ السلطان ذلك رحل عن حلب مستهل رجب من السنة المذكورة عائداً إلى حماة وسار إلى حمص فاشتغل بأخذ قلعتها فأخذها ثم وصل عز الدين إلى حلب وانضمّ إليه من كان بها من العسكر وخرجوا بجمع عظيم‏.‏

ولمّا عرف هو بسيرهم سار حتى وافاهم في قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه ورأوا أنّ المصاف ربما نالوا به الغرض الأكبر والمقصود الأوفر‏.‏

والقضاء يجر إلى أمور هم بها لا يشعرون‏.‏

وقام المصاف بين العسكرين بقضاء الله فانكسروا بين يديه وأسر جماعة منهم ومنّ عليهم وأطلقهم وذلك في تاسع عشر رمضان سنة سبعين أيضا‏.‏

ثم سار عقيب انكسارهم ونزل على حلب وهي الدفعة الثانية وصالحوه على أن أخذ المعرّة وكفر طاب وأخذ بارين وذلك في أواخر هذه السنة‏.‏

  ذكر مسير سيف الدين بنفسه

ولمّا وقعت هذه الواقعة كان سيف الدين على سنجار يحاصر أخاه عماد الدين بقصد أخذها منه ودخوله في طاعته وكان قد أظهر أخوه الانتماء إلى السلطان واعتصم بذلك واشتد سيف الدين في حصار المكان وضربه بالمنجنيق حتى انهدم من سوره ثلم كثيرة وأشرف على الأخذ فبلغه وقوع هذه الوقعة فخاف أن يبلغ ذلك أخاه فيشتدّ أمره فراسله إلى الصلح فصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها وسار حتى أتى الفرات وعبر بالبيرة وخيّم على جانب الفرات الشامي وراسل كمشتكين والملك الصالح حتى تستقر قاعدة يصل عليها إليهم ووصل كمشتكين إليه وجرت مراجعات كثيرة وعزم فيها إلى العود مراراً حتى استقرّ اجتماعه بالملك الصالح وسمحوا به وسار ووصل حلب وخرج الملك الصالح إلى لقائه بنفسه فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد إليها وسار هو حتى نزل بعين المباركة وأقام بها مدّة وعسكر حلب يخرج إلى خدمته في كل يوم وصعد القلعة جريدة وأكل فيها خبزاً ونزل وسار راحلاً إلى تل السلطان ومعه الديار البكرية وجمع كثير والسلطان قد أنفد في طلب العساكر من مصر وهو يترقب وصولها وهؤلاء يتأخرون في أمورهم وتدبيرهم وهم لا يشعرون أنّ في التأخير تدبيرا حتى وصل عسكر مصر فسار رحمه الله حتى أتى قرون حماة فبلغهم أنه قارب عسكره فأخرجوا اليزك وجهزوا من يكشف الأخبار فوجدوه قد وصل جريدة إلى جناب التركمان وتفرق عسكره يسقي فلو أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولا فصبروا عليه حتى سقى خيله هو وعسكره واجتمعوا وتعبّوا تعبية القتال وأصبح القوم على مصاف وذلك في بكرة الخميس العاشر من شوّال سنة إحدى وسبعين فالتقى العسكران وتصادما وجرى قتال عظيم وانكسرت ميسرة السلطان بابن زين الدين مظفّر الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين وحمل السلطان عليه بنفسه فانكسر القوم واسر منهم جمعاً عظيماً من كبار الأمراء منهم فخر الدين عبد المسيح فمنّ عليهم وأطلقهم وعاد سيف الدين إلى حلب المحروسة فأخذ منها خزانة وسار حتى عبر الفرات وعاد إلى بلاده وأمسك هو رحمه الله عن تتبّع العسكر ونزل في بقيّة ذلك اليوم في خيام القوم فإنهم كانوا قد أبقوا الثّقل على ما كان عليه والمطابخ قد عملت ففرّق الإصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين عز الدين فخر وشاه وسار إلى منبج وتسلّمها في بقيّة الشهر المذكور‏.‏

وسار حتى نزل قلعة إعزاز يحاصرها وذلك في رابع ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وعليها وثب الإسماعيلية عليه فنجّاه الله من كيدهم وظفر بهم ولم يفل ذلك عزمه وأقام عليها حتى أخذها وذلك في رابع عشر ذي القعدة من السنة وسار حتى نزل على حلب في سادس عشر منه فأقام مدة ثم سار عنها فأخرجوا إليه ابنة لنور الدين صغيرة وسألت منه إعزاز فوهبها إيّاها‏.‏

وفي بقية الشهر أيضاً وصل شمس الدولة أخوه من اليمن إلى دمشق وأقام بها مدة ثم عاد إلى الديار المصرية وتوفّي بإسكندرية مستهل صفر سنة ست وسبعون‏.‏

ثم إنّ السلطان عاد إلى الديار المصرية ليتفقد أحوالها ويقرّر قواعدها وكان مسيره إليها في ربيع الأوّل من شهور سنة اثنتين وسبعين واستخلف أخاه شمس الدولة بدمشق فأقام رحمه الله بها يقرّر قواعدها ويسدّ خللها وأراح العسكر ثم تأهّب للغزاة وخرج يطلب الساحل حتى وافى الإفرنج على الرملة وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين‏.‏

وكان مقدم الإفرنج البرنس أرناط وكان قد بيع بحلب فإنّه كان أسيراً بها زمن نور الدين وجرى خلل في ذلك اليوم على المسلمين‏.‏

ولقد حكى السلطان صورة الكسرة في ذلك اليوم وذلك أن المسلمين كانوا قد تعبّوا تعبية القتال ولما قرب العدوّ رأى بعض الجماعة أن تعبر الميمنة إلى جهة الميسرة والميسرة إلى جهة الميمنة ليكونوا حالة اللقاء وراء ظهورهم تل معروف بأرض الرملة فبينما اشتغلوا بهذه التعبية هجم الإفرنج وقدّر الله كسرتهم فانكسروا كسرة عظيمة ولم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية وضلّوا في الطريق وتبدّدوا وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى وكان موهنا عظيما جبره الله بوقعة حطين المشهورة ولله الحمد‏.‏

وأما الملك الصالح فإنّه تخبّط أمره وقبض على كمشتكين صاحب دولته وطلب منه تسليم حارم إليه فلم يفعل فقتله‏.‏

ولمّا سمع الإفرنج بقتله نزلوا على حارم طمعاً فيها وذلك في جمادى الأخرى سنة ثلاث وسبعين وقابل عسكر الملك الصالح العساكر الإفرنجية‏.‏

ولما رأى أهل القلعة خطرها من جانب الإفرنج سلّموها إلى الملك الصالح في العشر الأواخر من شهر رمضان من السنة المذكورة‏.‏

ولما علم الإفرنج ذلك رحلوا عن حارم طالبين بلادهم ثم عاد الملك الصالح إلى حلب ولم يزل أصحابه على اختلاف يميل بعضهم إلى جانب السلطان حتى بلغه عصيان عز الدين قليج بتل خالد فأخرج إليه العسكر وذلك في عاشر المحرّم سنة ست وسبعين ثم بلغه وفاة ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل وكانت وفاته في ثالث صفر من هذه السنة وولّى مكانه أخوه عز الدين مسعود في الخامس منه وكانت وفاة شمس الدولة بالإسكندرية‏.‏

  ذكر عود السلطان إلى الشام

ولما عاد السلطان بعد الكسرة إلى الديار المصرية وأقام بها ريثما لمّ الناس شعثهم وعلم بتخبّط الشام عزم على العود إليه وكان عوده للغزاة فوصله رسول قليج أرسلان يلتمس من السلطان الموافقة ويستغيث إليه من الأرمن فاستقل نحو ابن لاون لنصرة قليج أرسلان ونزل يقرّه حصار وأخذ عسكر حلب في خدمته لأنه قد اشترط في الصلح فاجتمعوا على النهر الأزرق بين بهنسة وحصن منصور وعبر منه إلى النهر الأسود وطرف بلاد ابن لاون وأخذ منهم حصناً وأخربه وبذلوا له أسارى والتمسوا منه الصلح وعاد عنه ثم راسله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم واستقر الصلح وحلف السلطان في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وديار بكر وكان ذلك على نهر سبخة سنخة وهو ذكر وفاة الملك الصالح ووصول عز الدين إلى حلب وفي سنة سبع وسبعين مرض الملك الصالح بالقولنج وكان أول مرضه في تاسع رجب وثالث عشر منه غلق باب القلعة لشدّة مرضه واستدعى الأمراء واحداً واحداً وحلفوا لعز الدين صاحب الموصل وفي الخامس والعشرين منه توفّي رحمه الله وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس‏.‏

ولما توفّي سارعوا إلى إعلام عز الدين مسعود بن قطب الدين بذلك وإعلامه بما جرى له من الوصية إليه وتحليف الناس له فسارع سائراً إلى حلب مبادراً خوفاً من السلطان وكان أوّل قادم من أمرائه إلى حلب مظفّر الدين بن زين الدين وصاحب سروج ووصل معهما من حلف جميع الأمراء له وكان وصولهم في ثالث شعبان من السنة المذكورة وفي العشرين منه وصل عز الدين إلى حلب وصعد القلعة واستولى على خزائنها وذخائرها وتزوّج أمّ الملك الصالح خامس شوّال من السنة المذكورة‏.‏

  ذكر مقايضة عز الدين أخاه عماد الدين بالبلاد

ثم أقام عز الدين بقلعة حلب إلى سادس عشر شوّال وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لحاجته إلى ملازمة الشام لأجل السلطان وألحّ عليه الأمراء في طلب الزيادات ورأوا أنفسهم أنهم قد اختاروه وضاق عطنه وكان صاحب أمره مجاهد الدين قايماز وكان ضيق العطن لم يعتد بمقاساة أمراء الشام فرحل من قلعة حلب طالباً للرقّة وخلف ولده ومظفّر الدين بها وسار حتى أتى الرقّة ولقيه أخوه عماد الدين عن قرار بيتهم واستقر مقايضة حلب بسنجار وحلف عز الدين لأخيه على ذلك في الحادي والعشرين من شوّال وسار من جانب عماد الدين من تسلم حلب ومن جانب عز الدين من تسلم سنجار وفي ثالث عشر محرّم سنة ثمان وسبعين صعد عماد الدين إلى قلعة حلب‏.‏

  ذكر عود السلطان من مصر

وأما السلطان فإنه لما وقع الصلح على قليج أرسلان صعد إلى الديار المصرية واستخلف ابن أخيه عز الدين فخروشاه واليا ولما بلغه وفاة الملك الصالح عزم على العود إلى الشام خوفاً على البلاد من الإفرنج وبلغه أيضاً وفاة فخروشاه فاشتد عزمه‏.‏

وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين ثم أنشأ التأهب لغزاة بيروت فإنه عبر على الإفرنج في عوده من مصر مكابرة من غير صلح فقصد بيروت ونزلها ولم ينل منها غرضاً واجتمع الإفرنج فرحّلوه عنها ودخل إلى دمشق وبلغه أنّ رسل الموصل وصلوا إلى الإفرنج يحثّونهم على قتال المسلمين فعلم أنهم نكثوا اليمين وأنشأ العزم على قصدهم لجمع كلمة العساكر الإسلامية على عدوّ الله فأخذ في التأهب لذلك فلما بلغ ذلك عماد الدين سير إلى الموصل يشعره بالخبر ويستحث العساكر وسار السلطان حتى نزل على حلب في ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة وأقام ثلاثة أيّام ورحل في الحادي والعشرين يطلب الغزاة واستقر الحال بينه وبين مظفّر الدين وكان صاحب حرّان وكان قد استوحش من جانب الموصل وخاف من مجاهد الدين فالتجأ إلى السلطان وعبر إلى قاطع الفرات وقوّى عزمه على البلاد وسهّل أمرها عنده ودخل الرّها والرقّة ونصيبين وسروج ثم شحن على الخابور وأقطعه‏.‏

  ذكر نزوله على الموصل

وكان نزوله عليه في هذه الوقعة في يوم الخميس حادي عشر شهر رجب وكنت إذ ذاك في الموصل فسيّرت رسولاً إلى بغداد قبيلا بأيام قلائل فسرت مسرعاً في الدجلة وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجداً بهم فلم يحصل منهم سوى الإنفاذ إلى شيخ الشيوخ وكان في صحبته رسول من جانبهم يأمرونه بالحديث معه ويتلطف الحال معه ويسير إلى بهلوان رسولاً من الموصل يستنجدونه فلم يحصل من جانبه سوى شرط كان الدخول تحته أخطر من حرب السلطان ثم أقام السلطان على الموصل أيّاماً وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة على هذا الوجه ورأى أن طريق أخذه أخذ قلاعه وما حوله من البلاد وإضعافه بطول الزمان فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان وأقام يحاصرها وكان فيها شرف الدين بن قطب الدين وجماعة ويشتد عليه الأمر حتى كان ثاني شهر رمضان فأخذها عنوة وخرج شرف الدين وجماعته محترمين محفوظين إلى الموصل وأعطاها ابن أخيه تقي الدين ورحل عنها إلى نصيبين‏.‏

  ذكر قصة شاه أرمن صاحب خلاط

وذلك أنّ أصحاب الموصل أنفذوا إليه واستنجدوا به وطرحوا أنفسهم عليه فخرج من خلاط لنصرتهم ونزل بحرزم وسيّر إلى عز الدين صاحب الموصل أعلمه فخرج إليه وذلك في الخامس عشر من شوّال فسار حتى اجتمع به صاحب ماردين ووصل جماعة من عسكر حلب كل ذلك للقاء السلطان وأرسل شاه أرمن بكتمر إلى السلطان يخاطبه في الصلح بتوسط شيخ الشيوخ فلم ينتظم بينهم حال ورحل السلطان إلى عسكر شاه أرمن فلما سمع شاه أرمن بوصول السلطان ولّى راجعاً إلى بلاده وعاد عز الدين إلى بلاده وتفرّقوا وسار السلطان يطلب بلد آمد فنزل عليها وقاتلها وأخذها في ثمانية أيّام وذلك في أوّل محرّم سنة تسع وسبعين وأعطاها نور الدين بن قره أرسلان‏.‏

ومنّ على ابن نيسان بجميع ما كان فيها من الأموال وغيرها ثم سار يطلب الشام لقصد حلب‏.‏

وفي هذه المدّة خرج عماد الدين وخرب قلعة إعزاز وخرب حصن كفر لاثا وأخذها من بكمش فإنّه كان قد صار مع السلطان في الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة وقاتل باشر وكان صاحبها ولد رم الباروقي قد صار مع السلطان فلم يقدر عليها وجرت غارات من الإفرنج في البلاد بحكم اختلاف العساكر ودفعهم الله تعالى وتسلم الكرزين ثم عاد إلى حلب‏.‏

  ذكر عود السلطان إلى الشام

ولمّا عاد إلى الشام بدأ بتل خالد فنزل عليها وقاتلها وأخذها في الثاني والعشرين من محرّم سنة تسع وسبعين ثم سار طالباً حلب فنزل عليها في السادس والعشرين‏.‏

وكان أوّل نزوله بالميدان الأخضر واستدعى العساكر من الجوانب واجتمع خلق عظيم وقاتلها قتالاً شديداً وتحقق عماد الدين أنه ليس له قبل وكان قد ضرس من اقتراح الأمراء وجبههم فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة بلاده وتسلم حلب إليه واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من العسكر حتى تمّ الأمر واستحكمت القاعدة واستفاض ذلك واستعلم العسكر منه ذلك فأعلمهم وأذن في تدبير أنفسهم وأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك النوري وزين الدين فقعدوا عنده إلى الليل واستحلفوه على العسكر وعلى أهل البلد وذلك في السابع عشر من صفر وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان الأخضر ومقدمو حلب وخلع عليهم وطيب قلوبهم وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه والسلطان مقيم بالميدان الأخضر إلى الثالث والعشرين من صفر وفيه توفّي تاج الملوك أخوه من جرح كان أصابه وشقّ عليه أمر موته وجلس للعزاء وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى خدمته وعزّاه وتقرّرت بينهما قواعد وأنزله السلطان في الخيمة وقدم له تقدمة سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة من أصحابه‏.‏

وسار عماد الدين من يومه إلى قرار حصار سائراً إلى سنجاب وصعد السلطان قلعة حلب مسروراً منصورا‏.‏

وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية وكان قد تخلّف لأخذ ما تخلّف لعماد الدين من قماش وغيره وكان قد أنفذ إلى حارم من يستلمها ودافعهم الموالي وانفذ الأجناد الذين بها يستحلفونه فخلف لهم وسار من وقته إلى حارم فوصلها في التاسع والعشرين من صفر وتسلّمها وبات بها ليلتين وقرّر قواعدها وولّى فيها إبراهيم بن شرده وعاد إلى حلب ودخلها في ثالث ربيع الأوّل ثم أعطى ذكر غزات عين جالوت ولم يقم في حلب إلاّ إلى الثاني والعشرين من ربيع الآخر وأنشأ عزما إلى الغزاة فخرج في ذلك اليوم مبرزا نحو دمشق واستنهض العساكر فخرجوا يتبعونه ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى فأقام بها متأهباً إلى السابع والعشرين منه ثم برز في ذلك اليوم ونزل على جسر الخشب وتبعته العساكر مبرزة فأقام به تسعة أيام ثم رحل في ثامن جمادى الآخرة وسار حتى أتى الفؤاد وتعبّى فيه للحرب وسار حتى نزل القصير فبات به وأصبح على المخاض وعبر وسار حتى أتى بيسان فوجد أهلها قد رحلوا عنها وتركوا ما كان من ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بها فنهبها العسكر وغنموا وحرقوا ما لم يمكن أخذه وسار حتى أتى الجالوت وهي قرية عامرة وعندها عين جارية فخيّم بها وكان قد عزم عز الدين جرديك وجماعة من المماليك النورية وجاولي مملوك أسد الدين حتى يكشفوا خبر الإفرنج فاتفق أنهم صادفوا عسكر الكرك والشوبك سائرين نجدة للإفرنج فوقع أصحابنا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم زهاء مائة نفر وعادوا ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد يدعى بهرام الشاووش فوصل إليه في بقية يوم الكسرة وهو العاشر من جمادى الآخرة فاستبشر المسلمون بالنصر والظفر‏.‏

ولما كان السبت حادي عشر وصل الخبر إليه أن الإفرنج قد اجتمعوا في صفورية فرحلوا إلى الفولة وهي قرية معروفة وكان غرضه المصاف فلمّا سمع بذلك تعبّى للّقاء ورتّب الأطلاب يمنة ويسرة وقلباً وسار للقاء العدّة وسار الإفرنج طالبين المسلمين ووقعت العين في العين وأخرج السلطان الجاليش خمسمائة رجل معروفة فواقعوا الإفرنج وجرى قتال عظيم وقتل من العدة جماعة وهم ينضم بعضهم إلى بعض يحمي راجلهم فارسهم ولم يخرجوا للمصاف ولم يزالوا سائرين حتى أتوا العين ونزلوا عليها ونزل السلطان حولهم والقتل والجرح يعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف وهم لا يخرجون لخوفهم من المسلمين فإنهم في كسرة عظيمة ولما رأى أنهم لم يخرجوا رأى الانتزاح عنهم لعلهم يرحلون فيضرب معهم مصاف فرجل نحو الطور وذلك في السابع عشر من هذا الشهر فنزل تحت الجبل مترقباً رحيلهم ليأخذ منهم فرصة وأصبح الإفرنج في الثامن عشر راحلين راجعين على أعقابهم ناكصين فرحل رحمه الله نحوهم وجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة فلم يخرجوا ولم يزل المسلمون حولهم حتى نزلوا الفولة المقدم ذكرها راجعين إلى بلادهم فلما رأى المسلمون ذلك اجتمعوا على السلطان وأشاروا بالعود لفراغ زادهم وكان قد نال منهم بالقتل والأسر وخربت عفربلا وقلعة بيسان وزرعين وهي من حصونهم المذكورة وخربت عليهم قرى عديدة فعاد منصوراً مظفراً مسروراً حتى نزل الغوار وأعطى الناس دستوراً من أثير المسير ثم سار هو حتى أتى دمشق فدخلها فرحاً مسروراً في يوم الخميس الرابع والعشرين من هذا الشهر‏.‏

فانظر إلى هذه الهمة التي لم يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها بل كان غرضه الاستعانة بالبلاد على الجهاد فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما وفقه الأعمال المرضية في الدنيا‏.‏

  ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك

ثم إنه أقام بدمشق إلى ثالث رجب سنة تسع وسبعين وخرج مراراً نحو الكرك وكان قد سير إلى الملك العادل وهو بمصر يتقدم إليه بالاجتماع به على الكرك فبلغه خبر حركته من مصر فخرج للقائه وسار حتى أتى الكرك ووافاه الملك العادل عليها وقد خرج معه خلق عظيم من تاجر وغير تاجر وذلك في رابع شعبان من هذه السنة وكان قد بلغ الإفرنج خبر خروجه فساروا براجلهم وفارسهم نحو الكرك للدفع عنه ولما انتهى ذلك إليه سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر وذلك في خامس عشر شعبان وفي السادس عشر منه نزلت الإفرنج على الكرك وتزحزح السلطان عنه بعد أن قاتله قتالاً عظيماً وعليه قتل شرف الدين برغش النور شهيداً‏.‏

  ذكر إعطائه أخاه الملك العادل حلب

ثم رحل السلطان مستصحباً أخاه الملك العادل معه إلى دمشق لا يلسه عن الكرك بعد نزول الإفرنج عليها فدخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان وأعطى أخاه الملك العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلى ثاني يوم من شهر رمضان وكان بها ولده الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكج يدبر أمره وابن العميد في البلد وكان الملك الظاهر من أحب الأولاد إلى قلبه لما خصه الله به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك كله وكان أبر الناس بوالده وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخل الملك العادل هو ويازكج سائرين إلى خدمة السلطان فدفع دمشق الثامن عشر من شوال فأقام في خدمة أبيه لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد توسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ بدر الدين رسولاً وشعيعاً إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة عظيم الحرمة في دولة الخليفة وفي سائر البلاد وكانت مكانته عند السلطان بحيث يتردد إليه إذا كان عنده في معظم الأيام‏.‏

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >