|
ذكر تبريزه رحمة الله عليه ولما كان العاشر من رجب بلغ السلطان أن الإفرنج رحلوا طالبين نحو بيروت فبرز من القدس إلى منزلة يقال لها الجيب وكان قدوم الملك العادل من البلاد الفراتية في بكرة الحادي عشر فدخل الصخرة وصلى عندها ثم توجه يتبع السلطان. ثم إن السلطان رحل من الجيب إلى بيت نوبة وبعث إلى العسكر في القدس يحثهم على الخروج واللحاق به ولحقت السلطان في بيت نوبة فإني كنت تخلفت عنه ليلة الاستعداد ثم رحل في يوم الأحد الثالث عشر إلى الرملة ضحوة نهاره على تلال بين الرملة ولدّ فأقام بها بقية الأحد. ولما كانت صبيحة الاثنين ركب جريدة حتى أتى بازور وبيت جبرين فأشرف على يافا ثم عاد إلى منزلته وأقام بها بقية يومه وجمع أرباب مشورته وشاورهم في النزول على يافا واتفق الرأي على ذلك. ولما كان صباح الثلاثاء خامس عشرة رحل طالباً جهة يافا فخيم عليها ضحوة النهار ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلباً وكان طرف الميمنة على البحر وطرف الميسرة أيضاً على البحر والسلطان في الوسط وكان صاحب الميمنة الملك الظاهر أعز الله نصره وصاحب الميسرة أخاه الملك العادل والعساكر فيما بينهما. ولما كان السادس عشر من الشهر زحف الناس إليها واستحقروا أمرها استحقاراً عظيماً ثم رتب السلطان الناس للقتال وأحضر المنجنيقات وركبها على أضعف موضع في السور مما يلي الباب الشرقي وشرع النقابون في السور وارتفعت الأصوات وعظم الضجيج واشتد الحزم والزحف فأخذ النقابون النقب من شمالي الباب الشرقي إلى الزاوية بطول البدنة وكان قد هدم المسلمون ذلك المكان في الحصار الأول وبناه الإفرنج وتمكن النقابون من النقب ودخلوا فلم يشك الناس في أخذ البلد في هذا اليوم هذا وأمر العدو في ازدياد وكان الملك قد توجه من عكا إلى بيروت وهذا الذي حمل السلطان على نزوله على يافا ثم انفصل ذلك اليوم عن قتال شديد قد ضرس العدو منه وظهر من العدو من الشدة والحمية والذب والمنعة ما أضعف قلوب الناس هذا والنقابون قد تمكنوا من النقب عليهم فما قارب الفراغ أخذ العدو في خسف النقب عليهم فخسفوه في مواضع عدة وخاف النقابون وخرج منهم جماعة وفتر الناس عن القتال وعلموا أن أمر البلد مشكل وأنه يحتاج إلى زيادة عمل في أخذه فعزم السلطان عزم مثله فأمر النقابين أن يأخذوا النقب في بقية البدنة من الرج إلى الباب وأمر المنجنيقات أن تضرب قبالة البدنة المنقوبة ففعلوا ذلك وأقام السلطان في تلك الليلة هناك إلى أن مضى من الليل ثلثه وعاد إلى الثقل وكان الثقل بعيداً عن البلد على تل قبالته وأصبحت المنجنيقات قد أقيم منها اثنان وأقيم الثالث في بقية النهار وأصبح السلطان على القتال والزحف فلم يجد من الناس إلا الفتور بسبب نصب المنجنيقات ظناً منهم أن المنجنيق لا يعمل إلا بعد أيام. ولما علم السلطان من الناس الفتور والتواكل حملهم على الزحف فالتحم القتال وتشتد الأمر وأذاقوا العدو مر الحرب فأشرف البلد على الأخذ واتفقت النفوس وطمعت في ذلك طمعاً شديداً وضعف العدو إلا أنه جرح من المسلمين جماعة من بالنشاب والزنبورك من البلد. ولما رأى العدو المخذول ما حل به أرسل رسولين نصرانياً وإفرنجياً يطلبان الصلح ويتحدثان فيه فطلب السلطان منهم قاعدة القدس وقطيعته فأجابوا إلى ذلك واشترطوا أن ينظر إلى يوم السبت الذي هو تاسع عشر رجب فإن جاءتهم النجدة وإلا تمت القاعدة على ما استقر فأبى السلطان الإنظار فعاد الرسول ثم رجعوا يسألونه الإنظار فأبى ذلك وفتر الناس عن القتال بسبب تواصل الرسل سكوناً إلى الدعة على جاري العادة فأمر السلطان النقابين بحشو النقب بعد انتهائه ففعلوا ذلك ووضعت النار فيه فوقع نصف البدنة وكان العدو قد عرف وقوع النار في النقب وعلم أن ذلك المكان يقع فعمد إلى أخشاب عظيمة وهيأها خلف ذلك المكان فلما وقع ذلك المكان التهبت النيران فمنعت من الدخول إلى الثلمة ثم أمر السلطان الناس فزحفوا وضايقوا القوم مضايقة عظيمة فلله درهم من رجال أقيال ما أشدهم وأعظم بأسهم فإنهم مع هذا كله لم يغلقوا لها باباً ولم يزالوا يقاتلون خارج الأبواب أعظم قتال حتى فصل الليل بين الطائفتين ولم نقدر على البلد في ذلك اليوم بعد حرق النقوب في باقي البدنة وضاق صدر السلطان لهذا الأمر وتقسم فكره وندم طيق لم يجبهم إلى الصلح وبات تلك الليلة في المخيم وقد عزم على أن يقيم تمام خمسة مناجيق تضرب بعضها البدنة الضعيفة بسبب النقوب والنيران والخسف من جانبهم. ذكر فتح يافا وما جرى فيه من الوقائع ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر رجب أصبحت المنجنيقات وقد نصبت وحجارتها قد جمعت من الأودية والأماكن البعيدة لعدم الحجر في ذلك المكان وظلت ترمي البدنة المنقوبة وزحف السلطان وزحف ولده الملك الظاهر عز نصره زحفاً شديداً وزحف عسكر الملك العادل من الميسرة فإنه كان مريضاً وارتفعت الأصوات وضربت الكؤوسات وخفقت البوقات ورمت المنجنيقات وأحاط بهم الويل واشتد عزم النقابين في إيقاد النار فما مضى من النهار ساعتان إلا ووقعت البدنة وكان وقعها كوقع الواقعة ونادى الناس إلا أن البدنة قد وقعت فلم يبق من له أدنى إيمان إلا وزحف. ولا قلب من العدو إلا أرعد ورجف هذا الزحف وهم على القتال أشد وأحزم. وعلى الموت أعزم وأكرم. وذلك أنها لما وقعت علا لها دخان وغبار. وأظلم الأفق وعميت عين النهار. وما تجاسر أحد على الولوج خوفاً من اقتحام النار. فلما انكشفت الظلمة ظهرت أسنة قد نابت مناب الأسوار. ورماح قد سدت الثلمة حتى غيبت نفوز الأبصار. ولقد رأيت رجلين على ممشى السور يمنعان المتسلق عليه من جهة الثلمة وقد أتى أحدهما حجر المنجنيق فأخذه ونزل إلى داخل وقام رفيقه مقامه متصدياً لمثل ما لحق صاحبه في ساعة أسرع من لمح العيون بحيث لم يفرق بينهما فارق. ولما رأى العدو ما آل الأمر إليه سيروا رسولين إلى السلطان يلتمسون الأمان فقال رحمه الله الفارس بالفارس والتركبيلي بمثله والراجل بالراجل والعاجز على قطيعة القدس فنظر الرسول فرأى القتال على الثلمة أشد من إضرام النار فسأل السلطان أن يبطل القتال إلى أن يعود فقال لا أقدر على منع المسلمين من هذا الأمر ولكن ادخل إلى أصحابك فقل لهم يتجاوزون إلى القلعة ويتركون الناس يشتغلون بالبلد فما بقي دونه مانع فعاد الرسول بهذه الرسالة فانحاز العدو إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة عظيمة ودخل الناس البلد عنوة ونهبوا منه أقمشة عظيمة وغلالاً كثيرة وأثاثاً وبقايا قماش مما نهب من القافلة المصرية واستقرت القاعدة على الوجه الذي قرره السلطان. ولما كان عصر الجمعة المباركة وصل السلطان كتاب من قايماز النجمي وكان في طرف العدو لحمايته من عسكر العدو الذي كان في عكا يخبر فيه أن الأنكتار لما سمع خبر يافا أعرض عن قصد بيروت وعاد إلى قصد يافا فاشتد عزم السلطان على تتمة الأمر وتسلم القلعة ممن لا ير الأمان لأنه قد لاح أخذهم وكان الناس لهم مدة لم يظفروا من العدو بمغنم ونوبتهم عليه فكان أخذهم عنوة مما بعث همم العسكر غير أن الأمان وقع واتفق الصلح فكنت بعد ذلك ممن يحث على إخراج العدو من القلعة وتسلمها خوفاً من لحوق النجدة وكان السلطان يشتهي خروجه غير أن الناس قد أقعدهم التعب عن إتمام الأمر وأخذ منهم الحديد وشدة الحر ودخان النار بحيث لم تبق لهم استطاعة على الحركة وأقام السلطان يحثهم إلى أن هوى الليل فلما رأى ما قد نزل بالناس من التعب ركب وسار إلى خيمتي وعندي من الخوف ما أقلقني عن النوم. ولما كان سحر تلك الليلة سمعنا بوق الإفرنج قد نعق فعلمنا بوصول النجدة قد وصلت من البحر فاستدعاني السلطان من وقته وقال لا شك أن النجدة قد وصلت في البحر وعلى الساحل من عساكر الإسلام من يمنعهم من النزول والمصلحة أن تسير إلى الملك الظاهر وتقول له أن يقف بظاهر الباب القبلي وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة وتخرجون القوم وتستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر خارج البلد وهو يسيرها إلي ويسير معي لتقوية البلد مع ذلك عز الدين جرديك وعلم الدين قيصر ودرباس المهراني فسرت من ساعتي ومعي شمس الدين عدل الخزانة حتى أتيت الملك الظاهر وهو نائم على شليته على تل قريب البحر في اليزك وعليه كراغنده وهو بلأمة حربه فلا ضيع الله صنعهم في نصرة الإسلام فأيقظته فقام والنوم في عينيه وسرت في خدمته وهو يستفهم مني رسالة السلطان حتى وقف حيث أمره ودخلنا نحن إلى يافا وأتينا القلعة وأمر الإفرنج بالخروج فأجابوا إلى ذلك وتهيئوا للخروج. ذكر كيفية بقاء القلعة في يد العدو ولما أجابوا إلى الخروج قال عز الدين جرديك لا ينبغي أن يخرج منهم أحد حتى يخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفهم الناس وكان الناس قد داخلهم الطمع في البلد وأخذ عز الدين يشتد في ضرب الناس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعد ولا محصورين في مكان فكيف يمكن إخراجهم وطال الأمر إلى أن علا النهار وأنا ألومه وهو لا يرجع عن ذلك والزمان مضى ولما رأيت الوقت كاد يفوت قلت إن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم والسلطان قد أوصاني بذلك فلما عرف السبب في حرصي أجاب إلى إخراجهم ومضينا إلى باب القلعة القريب من الباب الذي الملك العادل قائم عنده فأخرجنا تسعة وأربعين نفراً بخيولهم ونسائهم وسيرناهم ولما خرج هؤلاء اشتد الباقون وحدثتهم نفوسهم بالعصيان وكان سبب خروج من خرجوا أنهم استقلوا المراكب التي جاءتهم وظنوا أن لا نجدة لهم فيها ولم يعلموا أن الأنكتار مع القوم ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى علو النهار فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فخرج من خرج ثم بعد ذلك قربت النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركباً فقويت نفوس الباقين في الحصن وظهرت عليهم أمارات العصيان ودلائله وخرج منهم من أجبرني بتشويش عزمهم وأخذا الطارقيات والجنوبيات وعلوا على الأسوار وكانت القلعة جديدة لم تشرف بعد فلما رأيت الأمر قد آل إلى ذلك نزلت من التل الذي كنت واقفاً عليه وهو ملاصق لباب القلعة وقلت لعز الدين جرديك وهو مع عسكره في الأسفل مع جمع من الأجناد خذوا حذركم فقد تغيرت عزائم القوم فما كانت إلا ساعة بحيث صرت خارج البلد في خدمة الملك الظاهر إلا وقد ركب القوم خيلهم وحملوا من القلعة حملة الرجل الواحد وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد ولقد ازدحم الناس في الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة وبقي في بعض الكنائس جماعة من أتباع العساكر مشتغلين بما لا يجوز فهجموا عليهم وقتلوا منهم وأسوا وسيرني الملك الظاهر إلى والده السلطان أعرفه بالحال فأمر الجاويش أن ينادي في العسكر وضرب الكؤوس للقتال ونفر الناس من كل جانب للغزاة وهجموا البلد وحشر العدو في القلعة فأيقنوا بالبوار واستبطأوا نزول النجدة إليهم وخافوا خوفاً عظيماً فأرسلوا بطركهم والقسطلان رسولان إلى السلطان يعتذران إليه مما جرى ويسألان القاعدة الأولى فخرجا إلى السلطان والقتال يشتد عليهم وكان سبب انقطاع النجدة أنهم رأوا البلد مشحوناً ببيارق المسلمين ورجالهم فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت وكان البحر يمنع من سماع الصوت من كل جانب لكثرة الضجيج والتهليل. فلما رأى من في القلعة شدة الزحف عليهم وامتناع النجدة من النزول مع كثرتها فإنها بلغت نيفاً وخمسين مركباً منها خمسة عشر شانياً فيها شاني الملك علموا أن النجدة ظنت أن البلد قد أخذ ورهب واحد نفسه للمسيح وقفز من القلعة إلى الميناء وكانت رملاً فلم يصبه شيء واشتد عدواً حتى أتى البحر فخرج له شاني وأخذه إلى شاني الملك فحدثه بالحديث فلما شعر الأنكتار أن القلعة مع أصحابه اندفع يطلب الساحل وكان أول شاني ألقى من فيه بالبرشانية وكان أحمر ورقبته حمراء وبيرقه أحمر فما كانت إلا ساعة حتى نزل كل من في الشواني إلى الميناء هذا كله وأنا أشاهد ذلك ثم حملوا على المسلمين فاندفعوا بين أيديهم وأخرجوهم من الميناء وكان تحتي فرس فسقته إلى السلطان وأخبرته الخبر وبين يديه الرسولان وقد أخذ القلم بيده ليكتب لهم الأمان فعرفته في أذنه ما جرى فامتنع من الكتابة وشغلهم بالحديث فما كان إلا ساعة حتى فر المسلمون نحو السلطان فصاح في الناس فركبوا وقبض على الرسولين وأمر بترحيل الثقل والأسواق إلى بازور فرحل الناس وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا نهبوه من يافا لم يقدروا على نقله ورحل الثقل وبقي السلطان جريدة في الليل وبات ليلته هناك وخرج الأنكتار إلى موضع السلطان الذي كان فيه لضيق البلد وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه معظم سواده فاجتمع به جماعة من المماليك وجرت بينهم أحاديث ومجاوبات كثيرة. ذكر حديث الصلح ثم طلب الحاجب أبا بكر العادلي وحضر عندهم أيبك العزيزي وسنقر المشطوبي وغيرهم وكان قد صادق جماعة من خواص المماليك ودخل معهم دخولاً عظيماً بحيث كانوا يجتمعون به في أوقات متعددة وكان قد صادق من الأمراء جماعة كبدر الدين دلدرم وغيره فلما حضر هذا الجمع عنده جد وهزل ومن جملة ما قاله هذا السلطان عظيم وما في هذه الأرض للإسلام أكبر ولا أعظم منه كيف رحل عن المكان بمجرد وصولي والله ما لابست لأمة الحرب ولا تأهبت لأمر وليس في رجلي إلا رذول البحر فكيف تأخر ثم قال والله العظيم الكريم ما ظننت أنه يأخذ يافا في شهرين فكيف أخذها في يومين. ثم قال لأبي بكر سلم على السلطان وقل له بالله عليك أجب سؤالي في الصلح فهذا الأمر لا بد له من آخر وقد هلكت بلادي وراء البحر وما في دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ثم انفصلوا عنه وحضر أبو بكر عند السلطان وعرفه ما قال وكان ذلك في أواخر يوم السبت تاسع عشر شهر رجب فلما سمع السلطان ذلك أحضر أرباب المشورة وانفصل الحال على أن الجواب هو: أنك كنت طلبت الصلح أولاً على قاعدة وكان الحديث في يافا وعسقلان والآن قد خربت يافا فيكون لك من صور إلى قيسارية. فمضى إليه وعرفه ما قال فرده إليه ومعه رسول إفرنجي وقال يقول الملك: إن قاعدة الإفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلداً صار تبعه وغلامه وأنا أطلب منك هذين البلدين يافا وعسقلان وتكون عساكرهما في خدمتك دائماً وإذا احتجت إلي وصلت إليك في أسرع وقت وخدمتك كما تعلم خدمتي. فكان جواب السلطان: حيث دخلت هذا المدخل فأنا أجيبك بأن نجعل هذين البلدين قسمين أحدهما لك وهو يافا وما وراءها والثاني لي وهو عسقلان وما وراءها. ثم سار الرسولان ورحل السلطان إلى الثقل وكان المخيم ببازور ورتب النقابين لذلك واليزك عندهم وسار حتى أتى الرملة فخيم بها يوم الأحد العشرين من رجب ووصل إليه الرسول مع الحاجب أبي بكر فأمر بإكرامه والإحسان إليه وكانت رسالته الشكر من الملك على إعطائه يافا وتجديد السؤال في عسقلان ويقول إنه إن وقع الصلح في هذه الأيام سار إلى بلاده ولا يحتاج أن يشتي هاهنا فأجابه السلطان في الحال بقوله: أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه وأما تشتيته هاهنا فلا بد منه لأنه قد استولى على هذه البلاد ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة كما تؤخذ أيضاً إذا أقام إن شاء الله تعالى. وإذا سهل عليه أن يشتي هاهنا ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته أفلا يسهل علي أن أشتي وأصيف وأنا في وسط بلادي وعندي أولادي وأهلي ويأتي إلى ما أريد وأنا رجل شيخ قد كرهت لذات الدنيا وشبعت منها ورفضتها عني والعسكر الذي يكون عندي في الشتاء غير العساكر الذي يكون عندي في الصيف وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات ولا أزال كذلك حتى يعطي الله النصر لمن يشاء. فلما سمع الرسول ذلك طلب أن يجتمع بالملك العادل فأذن له في ذلك فسار إلى خيمته وكان قد تأخر بسبب مرض اعتراه إلى موضع يقال له صمويل فسار الرسول إليه مع جماعة ثم بلغ السلطان أن عسكر العدو قد رحل من عكا قاصداً يافا للإنجاد فجمع أرباب الرأي وعقد مشورة في قصدهم فاتفق الرأي على أنهم يقصدونهم ويرحل بالثقل إلى الجبل ويقصدونهم جريدة فإن لاحت فرصة انتهزوها وإلا رجعوا عنهم وهذا أولى من أن نصبر حتى تجتمع عساكر العدو ونرحل إلى الجبل في صورة منهزمين وأما إذا وصلنا الآن ففي صورة طالبين فأمر السلطان الثقل أن يسير إلى الجبل عشية الاثنين الحادي والعشرين من رجب وسار هو جريدة في صبيحة يوم الثلاثاء حتى نزل على العوجاء ووصل إليه من أخبره أن عسكر العدو قد وصل قيسارية ودخل عليها ولم يبق فيه طمع وبلغه أن الأنكتار قد نزل خارج يافا في نفر يسير بخيم قليلة فوقع له أن ينتهز فيه الفرصة ويكبس خيمه وينال منهم غرضاً وعزم على ذلك وسار من أول الليل والأدلة من العرب تتقدمه وهو يقطع الطريق إلى أن أتى في الصباح إلى خيام العدو فوجدها تقريباً عشر خيم فداخله الطمع وحملوا حملة الرجل الواحد فثبتوا في أمكنتهم وكشروا عن أنياب الحرب فوجموا من ثباتهم وسار العسكر حلقة واحدة. ولقد حكى لي بعض الحاضرين فإني كنت تأخرت من الثقل ولم أحضر هذه الواقعة لالتياث مزاجي أن عدة الخيل كان يحزرها المكثر سبعة عشر والمقل تسعة والرجال دون الألف فمن قائل ثلاثمائة ومن قائل أكثر من ذلك فوجد السلطان من ذلك مغيظة عظيمة ودار على الأطلاب يحثها فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر وقال له الجناح أخو المشطوب قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم الغنيمة وكان في قلوب العسكر من صلح يافا حيث فوتوهم الغنيمة ما كان وجرى ما جرى ما أثر هذا الأثر. فلما رأى السلطان ذلك رأى أن وقوفه في مقابلة هذه الشرذمة اليسيرة من غير عمل خسة في حقه وقد بلغني أن الأنكتار أخذ رمحه ذلك اليوم وحمل من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة فلم يتعرض له أحد فغضب السلطان ثم أعرض عن القتال وسار حتى أتى بازور كالمغضب ونزل بها وذلك في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب وبات العسكر باليزك ثم أصبح يوم الخميس وساروا إلى النطرون ونزل به وأنفذ إلى العسكر فأحضر عنده فوصلنا إليه آخر نهار الخميس الرابع والعشرين فبات به فأصبح يوم الجمعة فسار إلى أخيه العادل يفتقده ودخل القدس وصلى الجمعة ونظر العمائر ورتبها ثم عاد من يومه إلى الثقل وبات فيه على النطرون. ذكر قدوم العساكر كان أول ما وصل علاء الدين بن أتابك صاحب الموصل وكان وصوله ضحاء نهار السبت السادس والعشرين من رجب فلقيه السلطان على بعد واحترمه وأكرمه وأنزله عنده في الخيمة وعمل همة حسنة وقدم له تقدمة جميلة ثم سار إلى خيمته. وأما رسول الملك فإنه عاد في ذلك اليوم فإن الملك العادل قد حمله رسالة مشافهة إلى الملك وعاد مع الحاجب أبي بكر إلى يافا فعاد أبو بكر وحضر عند السلطان في ذلك اليوم وأخبره أن الملك لم يتركني أدخل يافا وخرج إلي وكلمني في ظاهرها وكان كلامه إلي كم أطرح نفسي على السلطان وهو لا يقبلني وأنا كنت أحرص أن أعود إلى بلادي والآن قد هجم الشتاء وتغير الأنواء وقد عزمت على الإقامة وما بقي بيننا حديث. هكذا كان جوابه خذله الله تعالى. ولما كان يوم الخميس تاسع شعبان قدم عسكر مصر فخرج السلطان إلى لقائهم وكان فيهم مجد الدين هلدري وسيف الدين يازكج وجماعة الأسدية وكان في خدمته الملك المؤيد مسعود وقد أظهروا الزينة ونشروا الأعلام والبيارق فكان يوماً مشهوداً ثم أنزلهم عنده ومد الخوان ثم ساروا إلى منازلهم. ذكر قدوم الملك المنصور ابن تقي الدين رحمه الله وكان قد تسلم البلاد التي وعد بها وكان وصوله إلى خدمة الملك العادل في يوم السبت حادي عشر شعبان فنزل عنده بماء صمويل وافتقده وكتب الملك العادل في ذلك اليوم إلى السلطان يخبره بوصوله وسأله في احترامه وإكرامه وإطلاق الرحمة له. ولما تحقق الملك الظاهر وصول الملك المنصور مخيماً يبيت نوبة فنزل عنده وخرج إلى لقائه وأقام عنده إلى العصر وذلك في يوم الأحد ثم أخذه وسار به جريدة حتى أتى خيمة السلطان ونحن في خدمته فدخل عليه فاحترمه ونهض إليه واعتنقه وضمه إلى صدره ثم غشيه البكاء فصبر نفسه حتى غلبه الأمر وغشيه من البكاء ما لم ير مثله فبكى الناس لبكائه ساعة زمانية ثم باسطه وسأله عن الطريق ثم انفصل وبات في خيمة الملك الظاهر إلى صبيحة الاثنين ثم ركب وعاد إلى عسكره ونشروا الأعلام والبيارق وكان معه عسكر جليل فقرت عين السلطان ونزل في مقدمة العسكر مما يلي الرملة. ذكر رحيله رحمه الله إلى الرملة وذلك أنه لما رأى العساكر قد اجتمعت جمع أرباب الرأي وقال إن الأنكتار قد مرض مرضاً شديداً والافرنسيسية قد ساروا راجعين ليعبروا من البحر من غير شك ونفقاتهم قد قلت وهذا العدو قد أمكن الله منه وأرى أن نسير إلى يافا فإن وجدنا فيها مطمعاً بلغناه وإلا عدنا تحت الليل إلى عسقلان فما تلحقنا النجدة إلا وقد نلنا منها غرضاً فرأوا ذلك رأياً. وتقدم إلى جماعة من الأمراء كعز الدين جرديك وجمال الدين فرج وغيرهما بالمسير في ليلة الخميس سادس عشر شعبان حتى يكونوا قريباً من يافا في صورة يزك يستطلعون كم فيها من الخيالة والرجالة بالجواسيس ثم يعرفونه ذلك فساروا هذا ورسل الأنكتار لا تنقطع في طلب الفاكهة والثلج ووقع عليه في مرضه شهوة الكمثرى والخوخ فكان السلطان يمده بذلك ويقصد كشف الأخبار بتواتر الرسل والذي انكشف من الأخبار أن فيها ثلاثمائة فارس على قول المكثر ومائتي فارس على قول المقل وإن الكندهري يتردد بينه وبين الفرنسية في مقامهم وهم عازمون على عبور البحر قولاً واحداً وأنهم لا عناية بسور البلد وإنما عنايتهم بعمارة سور القلعة وكان الأنكتار قد طلب الحاجب أبا بكر العادلي وكان له معه انبساط عظيم فلما تحقق السلطان الأخبار أصبح يوم الخميس راحلاً إلى جهة الرملة فنزل بها ضاحي نهار ووصل الخبر من المغيرين يقولون إنا أغرنا على يافا فلم يخرج إلا نحو ثلاثمائة فارس معظمهم على بغال فأمرهم السلطان بمقامهم هناك ثم وصل الحاجب أبو بكر ومعه رسول من عند الملك يشكر السلطان على إنعامه بالفواكه والثلج وذكر أبو بكر أنه تفرد به وقال له قل لأخي الملك العادل يبصر كيف يتوصل إلى السلطان في معنى الصلح ويستوهب لي منه عسقلان وأمضي أنا ويبقى هو في هذه الشرذمة اليسيرة يأخذ البلاد منهم فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الإفرنج وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان فيأخذ لي منه عوضاً عن خسارتي على عمارة سورها. فلما سمع السلطان سيرهم إلى الملك العادل وأسرّ إلى ثقة عنده أن يمضي إلى الملك العادل ويقول له إن نزلوا عن عسقلان فصالحهم فإن العسكر قد ضجروا من ملازمة البيكار والنفقات قد نفدت فسار ضحى الجمعة سابع عشر شعبان. ذكر الإجابة إلى النزول عن عسقلان ولما كان غروب الشمس من اليوم المذكور أنفذ بدر الدين دلدرم من اليزك يقول أنه قد خرج إلينا خمسة أنفس منهم شخص مقدم عند الملك يسمى هوات وذكروا أن لهم معنا حديثاً فهل أسمع حديثهم أو لا فأذن له السلطان في ذلك ولما كانت العشاء الآخرة حضر بدر الدين بنفسه وأخبر أن حديثهم كان أن الملك قد نزل عن عسقلان وعن طلب العوض عنها وقد صح مقصوده في الصلح فأعاده السلطان ثانية لينفذ إليه ثقة يأخذ يده على ذلك ويقول أن السلطان قد جمع العساكر وما يمكنني أن أحدثه هذا الحديث إلا بأن أثق أنك لا ترجع وبعد ذلك أحدثه وسار بدر الدين على هذه القاعدة وكتب إلى الملك العادل يخبره بما جرى. ولما كان يوم السبت ثامن عشر شعبان أنفذ بدر الدين وذكر أنه أخذ يده على هذه القاعدة بمن يثق به وأن حدود البلاد على ما استقر في الدفعة الأولى مع الملك العادل فأحضر السلطان الديوان فذكروا يافا وأعمالها وأخرج الرملة ويبنا ومجدل يابا ثم ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وأعمالها وحيفا وأعمالها وعكا وأعمالها وأخرج منها الناصرة وصفورية وأثبت الجميع في ورقة وكتب جواب الكتاب وأنفذه على يد طرنطاي مع الرسول وكان قد وصل الرسول لتحرير القاعدة مع بدر الدين في عصر السبت وقال للرسول هذه حدود البلاد التي تبقى في أيديكم فإن صالحتم على ذلك فمبارك قد أعطيتم يدي ولينفذ الملك من يحلف ويكون ذلك في غداة غد وإلاّ فيعلم أن هذا تدفيع ومماطلة ويكون الأمر قد انفصل من بيننا وساروا في بكرة الأحد على هذه القاعدة. ولما كان العشاء الآخرة يوم الأحد وصل من أخبر بوصول طرنطاي ومعه الرسول واستأذن في حضورهما فأذن رحمه الله في حضور طرنطاي وحده فذكره أن الملك قد وقف على تلك الرقعة وأنكر أنه نزل عن ذلك فقال: إذن أنا قتلته فلا أرجع عنه. قولوا للسلطان مبارك رضيت بهذه القاعدة وقد رجعت إلى مروءتك فإن زدتني شيئاً فمن فضلك وإنعامك. ثم سار واحضر الرسل ليلاً وأقاموا إلى بكرة وحضروا عند السلطان بكرة الإثنين فذكروا ما استقر عن صاحبهم ثم انفصلوا إلى خيمهم وحضر عند السلطان أرباب المشورة واستقر الأمر وانفصلت القاعدة وسار الأمير بدر الدين دلدرم إلى الملك العادل وأخذ الرسل معه في صورة من يسأل في زيادة الرملة وعاد في عشاء الآخرة ليلة الإثنين وكتبت المواضعة وذكر فيها شروط الصلح ثلاث سنين من تاريخها وهو الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمانية وثمانين وخمسمائة ويراد فيها الرملة لهم و لدّ أيضاً وسيّر العدل وقال له إن قدرت أن ترضيهم بأحد الموضعين أو مناصفتها فافعل ولا يكون لهم حديث في الجبليات ورأى السلطان ذلك مصلحة لما عرا الناس من الضعف وقلة النفقات والشوق إلى الأوطان ولما شاهده من تقاعدهم عن يافا يوم أمرهم بالحملة فلم يحملوا فخاف أن يحتاج إليهم فلم يجدهم فرأى أن يحييهم مدة حتى يستريحوا ويتبعوا غير هذه الحالة التي صاروا غليها ويعمر البلاد ويشحن القدس بما يقدر عليه من الآلة ويتفرغ لعمارتها. وكان من القاعدة أن عسقلان تكون خراباً وأن يتفق أصحابنا وأصحابهم على خرابها خشية أن نأخذها عامرة فلا نخربها فمضى العدل على هذه القاعدة واشترط دخول البلاد الإسلامية واشترطوا هم دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في الصلح على قاعدة آخر صلح صالحناهم عليه واستقر الحال على ذلك وسارت الرسل وحكم عليهم أن لابد من فصل الحال إما الصلح وإما الخصومة خشية أن يكون هذا الحديث من قبيل أحاديثه السابقة ومدافعاته المعروفة. وفي ذلك اليوم وصل رسول سيف الدين بكتمر صاحب خلاط يبذل الطاعة والموافقة وسير العساكر وحضر رسول الكرج وذكر فصلاً في معنى الزيادات التي لهم في القدس وعمارتها وشكوا أنها أخذت من أيديهم ويسأل عواطف السلطان أن يردها إلى نوابهم ورسول صاحب أرزن الروم يبذل الطاعة والعبودية. ذكر تمام الصلح ولما وصل العدل إلى هناك أنزل خارج البلد في خيمة حتى أعلم الملك به فلما علم به استحضره عنده مع بقية الجماعة وعرض العدل عليه النسخة وهو مريض الجسم فقال: لا طاقة لي بالوقوف عليها وأنا قد صالحت وهذه يدي فاجتمعوا بالكندهري والجماعة وأوقفوهم على النسخة ورضوا بلد والرملة مناصفة وبجميع ما في النسخة واستقرت القاعدة أنهم يحلفون بكرة يوم الأربعاء بأنهم كانوا قد أكلوا شيئاً وليس من عادتهم الحلف بعد الأكل وأنفذ العدل إلى السلطان من عرفه ذلك. ولما كان يوم الأربعاء الثاني والعشرون من شعبان حضر الجماعة عند الملك وأخذوا يده وعاهدوه واعتذر أن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك ثم حلف الجماعة والمستحلف الكندهري ابن أخته المستخلف عنه في الساحل وباليان بن بارزان صاحب طبرية ورضي الأسبتار والداوية وسائر مقدمي الإفرنجية بذلك وساروا بقية يومهم عائدين إلى المخيم السلطاني فوصلوا العشاء الآخرة وكان الواصلون من جانبهم ابن الهنغري وابن بارزان وجماعة من مقدميهم فاحترموا وأكرموا وضربت لهم خيمة تليق بهم وحضر العدل وحكى ما جرى. ولما كانت صبيحة الثالث والعشرين حضر الرسل في خدمة السلطان وأخذوا بيده الكريمة وعاهدوه على الصلح على القاعدة المستقرة واقترحوا حلف جماعة وهم الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر عن نصرهم والمشطوب وبدر الدين دلدرم والملك المنصور ومن كان مجاوراً لبلادهم كابن المقدم وصاحب شيزر وغيرهم فوعدهم السلطان أن يسير معهم رسلاً إلى الجماعة المجاورين ليحلفوهم لهم وحلف لصاحب أنطاكية وطرابلس وعلّق اليمين بشرط حلفهم للمسلمين فإن لم يحلفوا فلا يدخل في الصلح. ثم أمر المنادي أن ينادي في الوطاقات والأسواق ألا أن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم فمن شاء من بلادهم أن يدخل إلى بلادنا فليفعل ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فيفعل وأشار رحمة الله عليه أن طريق الحج قد فتح من الشام ووقع له عزم على الحج في ذلك المجلس وكنت حاضراً ذلك جميعه وأمر السلطان أن تسير مائة نقاب لتخريب سور عسقلان معهم أمير كبير ولإخراج الإفرنج منها ويكون معهم جماعة من الإفرنج إلى حين وقوع الخراب في السور خشية استبقائه عامراً. وكان يوماً مشهوداً غشي الناس من الطائفتين فيه من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى والله العظيم إن الصلح لم يكن من إيثاره فإنه قال لي في بعض محاوراته في الصلح أخاف أن أصالح وما أدري أيّ شيء يكون مني فيقوى هذا العدو وقد بقيت لهم هذه البلاد فيخرجوا لاسترداد بقية بلا دهم ونرى كل واحد من هؤلاء الجماعة قد قعد في رأس قلعته يعني حصنه وقال لا أنزل فيهلك المسلمون. هذا كلامه وكان كما قال لكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر وتظاهرهم بالمخالفة وكانت مصلحة في علم الله تعالى فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح ولو كان اتفق ذلك في أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر فما كان الصلح إلاّ توفيقاً وسعادة له. ذكر خراب عسقلان ولما كان الخامس والعشرون من شعبان ندب السلطان علم الدين قيصر إلى خراب عسقلان وسيّر معه جماعة من النقابين والحجارين واستقر أن الملك ينفذ من يافا من يسير معه ليقف على التخريب ويخرج الإفرنج منها فوصلوا إليها من الغد فلما أرادوا التخريب اعتذر الأجناد الذين بها بأن لنا على الملك جانكية لمدة فإما أن يدفعها إلينا ونخرج أو ادفعوها أنتم إلينا فوصل بعد ذلك رسول الملك يأمرهم بالخروج فخرجوا ووقع التخريب فيها في السابع والعشرين من شعبان واستمر يخربها وكتب على الجماعة رقاعاً بالمعاونة على التخريب وأعطى كل واحد قطعة معلومة في السور وقيل له دستورك في تجريبها. ولما كان التاسع والعشرون رحل السلطان إلى النطرون واختلط العسكران وذهب جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة ووصل خلق عظيم من العدو إلى القدس للحج وفتح لهم السلطان الباب وأنفذ معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردهم إلى يافا وكثر ذلك من الإفرنج وكان غرض السلطان بذلك أن يقضوا غرضهم من الزيارة ويرجعوا إلى بلا دهم فيأمن المسلمون من شرهم. ولما علم الملك كثرة من يزور منهم صعب عليه ذلك وسير إلى السلطان يسأله منع الزوار واقترح أن لا يؤذن لهم إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة وعلمت الإفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا في الحج فكان يرد منهم في كل يوم جموع كثيرة مقدمون وأسباط وملوك متنكرون وشرع السلطان في إكرام من يرد ومد الطعام ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إنكار الملك ذلك واعتذر إلى الملك بأن قوماً قد وصلوا من بعد ذلك لزيارة المكان الشريف فلا أستحل منعهم ثم اشتد المرض بالملك فرحل في ليلة التاسع والعشرين وسار هو والكندهري وسائر العدو إلى ذكر عود العساكر الإسلامية إلى أوطانهم ولما انقضى هذا الأمر واستقرت القواعد أعطى السلطان الناس دستوراً وكان أول من سار عسكر إربل فإنه سار في مستهل شهر رمضان المبارك ثم سار بعده في ثانية عسكر الموصل وسنجار والحصن أشاع أمر الحج وقوى عزمه على براءة الذمة وكان هذا مما وقع لي وبدأت بالإشارة به فوقع منه موقعاً عظيماً وأمر الديوان وكل من عزم على الحج من العسكر أن يثبت اسمه حتى يحصر عدة من يدخل معنا في الطريق وكتب جرائد بما يحتاج إليه في الطريق من الخلع والأزواد وغيرها وسيرها إلى البلاد ليعدوها. ولما أعطى الناس دستوراً وعلم عود العدو رجع إلى ورائه رأى الدخول إلى القدس الشريف لتهيئة أسباب عمارته والنظر في مصالحه والتأهب في المسير إلى الحج فرحل من النطرون يوم الأحد رابع يوم شهر رمضان وسار حتى أتى ماء صمويل يفتقد الملك العادل فوجده قد سار إلى القدس وقد كنت عنده رسولاً من جانب السلطان أنا والأمير بدر الدين دلدرم والعدل وكان قد انقطع عن أخيه بسبب مرضه وكان قد تماثل فعرفناه مجيء السلطان إلى ماء صمويل لعيادته فحمل على نفسه وسار معنا حتى لقيه في ذلك المكان وهو أول وصوله إلى ماء صمويل ولم ينزل بعد فلقيه ونزل وقبّل الأرض وعاد فركب فاستدناه وسأله عن مزاجه وسار جميعاً حتى أتيا القدس الشريف في بقية ذلك اليوم. ذكر وصول رسول من بغداد ولما كان يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رمضان صلّى الملك العادل الجمعة وانصرف إلى الكرك عن دستور من السلطان لينظر في أحواله ويعود إلى البلاد الشرقية يدبّرها فإنه كان قد أخذها من السلطان وكان قد ودّع السلطان فلما وصل العازرية نزل بها مخيماً فوصله من أخبر أن رسولاً من بغداد واصل إليك فأنفذ إلى السلطان وعرفه فذكر له أن يجتمع ويطالع ما وصل فيه فلما كان السبت الرابع والعشرون دخل إلى الخدمة السلطانية وذكر أن الرسول قد وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولي نيابة الوزارة ببغداد ومقصود الكتاب أنه يحثه على استعطاف قلب السلطان إلي لخدمة الشريفة والدخول بينه وبين الديوان العزيز والإنكار عليه بتأخر رسله عن العتبة الشريفة واقتراح تسيير القاضي الفاضل ليحضر الديوان العزيز في تقرير قاعدة تتحرر بينه وبين السلطان لا بد منها وقد وعد الملك العادل من الديوان بوعود عظيمة إذا قرر ذلك ويكون له يد عند الديوان يستثمرها فيما بعد وما يشبه هذا الفن فحدثت عند السلطان فكرة في إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان ويستعلم سبب دخول الملك العادل في البين وزاد الحديث ونقص وطال وقصر وقوي العزم السلطاني على إنفاذ الضياء الشهرزوري وعاد الملك العادل إلى مخيمه بالعازرية بعد تقرير هذه القاعدة وعرفه إجابة السلطان إلى إنفاذ رسول إلى خدمة الديوان العزيز وسار يوم الاثنين طالباً جهة الكرك وسار الضياء متوجهاً إلى بغداد يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان. ذكر توجه ولده الملك الظاهر إلى بلاده ووحشة السلطان له ولما كانت بكرة التاسع والعشرين توجه الملك الظاهر عز نصره بعد أن ودعه ونزل إلى الصخرة فصلى عندها وسأل الله تعالى ما شاء ثم ركب وركبت في خدمته فقال لي قد تذكرت أمراً أحتاج فيه إلى مراجعة السلطان مشافية فأنفذ من استأذن له العود إلى خدمته فأذن له في ذلك فحضر واستحضرني وأخلى المكان ثم قال له: أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم فأنت أميني وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يبقي على أحد واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم وما بينك وبين الله يغفره الله بتوبتك إليه فإنه كريم. وكان ذلك بعد انصرفنا من خدمته ومضى من الليل ما شاء الله إن يمضي وهذا ما أمكنني حكايته وضبطه ولم يزل بين يديه إلى قريب السحر ثم أذن له في الانصراف ونهض ليودعه فقبل وجهه ومسح رأسه وانصرف في دعة الله ونام في برج الخشب الذي للسلطان وكنا نجلس عنده في الأحياء إلى بكرة وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق وودعته وسار في حفظ الله. ثم سير الملك الأفضل ثقله وأقام يراجع السلطان على لساني في أشغال كانت له حتى دخل في شوال أربعة أيام وسار في ليلة الخامس منه نصف الليل عن تعتب عليه جريدة على طريق الغور. ذكر مسيره رحمه الله من القدس الشريف وأقام السلطان يقطع الناس ويعطيهم دستوراً ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية وانقطع شوقه عن الحج وكان من أكبر المصالح التي فاتته ولم يزل كذلك حتى صح عنده إقلاع مركب الأنكتار متوجهاً إلى بلاده مستهل شوال فعند ذلك حرر السلطان عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويفتقد القلاع البحرية إلى بانياس ويدخل دمشق المحروسة يقيم بها أياماً قلائل ويعود إلى القدس الشريف سائراً إلى الديار المصرية يتفقد أحوالها ويقرر قواعدها وينظر في مصالحها وأمرني بالمقام في القدس الشريف لعمارة بيمارستان أنشأه فيه وإدارة المدرسة التي أنشأها فيه إلى حين عوده وسار من القدس الشريف ضحوة نهار الخميس سادس شوال وودعته إلى البيرة ونزل بها وأكل فيها طعاماً ثم أتى بعض طريق نابلس فبات فيه ثم أتى نابلس ضحوة نهار الجمعة سابع شوال فلقيه خلق عظيم يستغيثون من المشطوب ويتضورون من سوء رعايته لهم فأقام يكشف عن أحوالهم إلى عصر يوم السبت ثم رحل ونزل بسبصطية يتفقد أحوالها ثم أتى في طريقه إلى كوكب ونظر في أحوالها وسد خللها وذلك في يوم الاثنين عاشره. وكان فكاك بهاء الدين قراقوش من ربقة الأسر يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ومثل في الخدمة السلطانية ففرح به فرحاً شديداً وكانت له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام واستأذن السلطان في المسير إلى تحصيل القطيعة فأذن له في ذلك وكانت القطيعة على ما بلغني ثمانين ألفاً والله أعلم. ولما وصل السلطان إلى بيروت وصل إلى خدمته البرنس صاحب أنطاكية مسترفداً فبالغ في احترامه وإكرامه ومباسطته وأنعم عليه بالعمق وزرعان ومزارع تبلغ خمسة عشر ألف دينار. وكان قد خلف المشطوب في القدس من جملة العسكر المقيمين به ولم يكن واليه وإنما كان واليه عز الدين جرديك وكان ولاه بعد الصلح حالة عوده إلى القدس بعد أن شاور فيه الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر على لساني وأشار به أهل الدين والصلاح لأنه كان كثير الجد والخدمة والحفظ لأهل الخير فأمرني السلطان أن أوليه ذلك في يوم الجمعة عند الصخرة ووليته إياه بعد صلاة الجمعة واشترطت عليه الأمانة وعرفته موضع حسن اعتقاد السلطان فيه وانعقد الأمر وقام به القيام المرضي. وأما المشطوب فإنه كان مقيماً بالقدس من جملة من كان مقيماً بها وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال ودفن في داره بعد أن صلى عليه في المسجد الأقصى رحمه الله. ذكر عود السلطان إلى دمشق المحروسة وكان عوده إليها بعد الفراغ من تصفح أحوال القلاع الساحلية بأسرها والتقدم بسد خللها وإصلاح أمور أجنادها وشحنها بالأجناد والرجال ودخل دمشق بكرة الأربعاء السادس والعشرين من شوال وفيها أولاد الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد وجلس للناس في بكرة الخميس السابع والعشرين منه وحضر الناس عنده وبلوا شوقهم من رؤيته وأنشده الشعراء وعم ذلك المجلس الخاص والعام وأقام ينشر جناح عدله. ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا في الأوقات المعتادة حتى كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة اتخذ الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر فإنه لما وصل إلى دمشق بلغه حركة السلطان إليها فأقام حتى يتملى بالنظر إليه ثانياً وكأن نفسه الشريفة كانت قد أحست بدنو أجل السلطان فودعه في تلك الليلة مراراً متعددة وهو يعود إليه. ولما اتخذ الملك الأفضل له دعوة أظهر فيها من بديع التجمل وغريهه ما يليق بهمته وكأنه أراد مجازاته عما خدمه به حين وصوله إلى حلب وحضرها أرباب الدنيا وأبناء الآخرة وسأل السلطان الحضور فحضر جبراً لقلبه.
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |