|
الحمدُ لله المنان الكريم،
والصلاة والسلام على حبيبنا النبي العظيم، وعلى ءاله
وصحبه الغرّ الميامين. حريقٌ كبير بالجانب الغربي من المسجد الحرام حدثَ ذلكَ ليلة السبت في الثامنِ والعشرين من ذي الحجة سنة 802 للهجرة، وسبب ذلك ظهور نار من مكانٍ ملاصقٍ لأحدِ أبواب المسجدِ الحرام في الجانبِ الغربيّ منه، وكان سببه واللهُ أعلم، أنَّ بعض أصحاب الخَلاَوي ترك سراجًا موقدًا في خَلْوَتِه، وخرَجَ عنها، فسحبَتِ الفأرة الفويسِقةُ فتيلةَ السراج منه إلى خارجه، فأحرقتْ ما في الخلوة، واشتعل اللهيبُ في سقف الخلوة وخرج من الشباكِ المُشْرف على الحرم، واتصل بسقفِ المسجد لقربه منه، فما كان أسرعَ اشتعالَ سقف المسجد والتهابه، وعجَزَ الناسُ عن إطفائِه لعلوه من المسجد الحرام، واستمرت النارُ تأكل السقفَ إلى أن وصل الحريق إلى الجانب الشامي، واستمرت تأكل من سقفِ الجانب الشمالي إلى أن انتهى إلى باب العجلة (والذي يسمى الآن الباسطية). وكان هناك أسطوانتان هدمَهُما السيل العظيم المهولُ الذي دخل المسجدَ الحرام في الثامن من جمادى الأولى من السنة المذكورة وخرَّب عمودين منْ أساطين الحرم الشريف بما عليهما من العقودِ والسقف، فكان ذلكَ سببًا لوقوفِ الحريقِ وعدمِ تجاوزه عن ذلك المكان. اصلاحاتُ السلطانِ فرجِ بن برْقوق
قال الفاسيُّ: ثمَّ قدَّر الله تعالى عَمارةَ ذلكَ في مدة يسيرة على يد الأمير "بيسَق
الظاهري"، وكان قدومَه إلى مكة لذلكَ في موسم سنة 803 للهجرة، وكان هو أميرَ الحاجّ
المصري، وتخلَّفَ بمكة بعد الحج لتعميرِ المسجد الحرام، فلما رحل الحجاج من مكة
شرَعَ في تنظيفِ الحرم من أكوامِ التراب، وحفَر الأرض، وكشفَ عن أساسِ المسجد
الشريف وعن أساسِ الأسطوانات في الجانب الشامي منه إلى باب العَجَلة، فظهرَ أساسُ
الأسطوانات، فبناها وأحكم تلكَ الأساساتِ هلى هيئة بيوتِ الشطرنج تحتَ الأرض،
وبناها إلى أن رفعها على وجهِ الأرض، على أشكالِ زوايا قائمة، وقَطَعَ من جبلِ
الشبيكة على يمين الداخلِ إلى مكة أحجار صوانٍ منحوتة على شكل نصف دائرة تصيرُ
على ءاخَرَ منحوتٍ مثلَه دائرةً تامة في سمك ثلثي ذراع، ويُجمَعُ بين هذه الدائرة
وبينَ صخرةٍ منحوتة مربعة بعمودِ حديدٍ منحوتٍ لهُ بين الحجرين، ويسبكُ على جميع
ذلك بالرصاص. ثم يوضع عليه حجرٌ منحوتٌ من المرمر، هو قاعدةُ ذلك العمودِ من فوقه،
وينجَرُ له خشب مربع يوضعُ عليه ويبنى من فوقُ طاق يُعقد إلى العمود الآخر، ويُبنى
ما بين ذلك بالآجرّ والجصّ إلى أن يصل إلى السقف حتى تمّ الجانبُ الغربيُّ من
المسجد الحرام. الإصلاحات في عهد الأشرف برسباي
وأرسل السلطان برسباي الجركسي في أوائل عهده عام 825 للهجرة، الأميرَ "مقبل القديدي" وأمره
بعمارة أماكنَ متعددة بالمسجد الحرام كان قد استولى عليها الخرابُ، فأحسَنَ بناءها،
وجَدَّد كثيرًا من سقف المسجد الحرام التي تآكل الخشب فيه، وكذلك جدَّدَ سطحَ
الكعبة الشريفة وكانت الأخشاب التي تربط فيها الكسوة الشريفة قد تآكلت وذابت،
فقلَعها ووضع عوضها أخشابًا جديدةً محكمةً بمسامير كبار من الحديدِ وأحكم ذلك
غايةَ الإحكام. إصلاحات السلطانِ الظاهر جقمق
في أيام سلطنة الظاهر "جَقْمَق" بعث الأميرَ "سودون" المحمدي وأمرَه بقلع الرخام
الذي في سطحِ الكعبة الشريفة، لأنَّه كان ينقُطُ منه الماء وقتَ المطر إلى جوف
الكعبة، وأصلح رُخامَ الحَجَر، وبيَّض مئذنة بابِ السلام، وأصلح مئذنةَ بابِ العمرة
ورمم بابَ العمرة، ورمم أسافلَ مئذنةِ باب عليّ، وأصلح سقفَ المسجد الحرام وأصلحَ
الرفْرَفَ الدائرَ بالمسجد الحرام، وبيّض علوَّ مقام إبراهيم وعلوَّ مقامِ الحنفيةِ
وقبة باب إبراهيم، ثم أمر الأميرَ سودون بقطع أشجار السَلَم والشوك في طريق عرفة
لأنها كانت تضرُّ الحجاجَ ضررًا كبيرًا، وأزال الصخراتِ الكبار ونظّف الطريقَ
ووسعها وشكَرَهُ الحجاجُ على ذلك. إصلاحات الأشرف السلطان قايتباي
في عهده بُني مسجد الخيف بناء عظيمًا محْكمًا وجُعل في وسطِه قبة عظيمة هي حدّ
مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيفِ منى، وبُنيت جدرانُه المحيطة به،
وبني أربع بوائكَ من جهةِ القبلة، فصارت قبةً عاليةً فيها محرابُ النبي صلى الله
عليه وسلم، وبِلِصْقِ القبة مئذنة، وبنى دارًا لسكَنِ أمراء الحجّ، وعلى باب الدار
بنى سبيلاً للماءِ يملأ من صهريج كبير جعل في صحن الدار، يمتلئ من المطر، وجَعَل
للمسجد بابًا ءاخر إلى جهة عرفة، وخوخةً صغيرة إلى الجبل الذي في سفحِه غارُ المرسلات.
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |