|
بعدَ أن تحدّثنا عن مكة
وبناءِ الكعبة المشرفة وتحليتِها وكِسوتها ومَعَاليقها،
ثم بئرِ زمزم وأبوابِ الحرم والأماكنِ المشرفة حولَها
والمقابر والجبالِ المحيطةِ بها، ثم عن الزيادةِ والتوسِعةِ
في الحرم المكيّ زَمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه ثم من بعده عثمان رضي الله عنه، ثمّ أيامَ عبدِ
الله بن الزبير ثم عبدِ الملك بن مروان والوليدِ بن عبد
الملك وغيرِهما من خلفاء بني أميَّة، نبدأُ في هذا الفصل
الحديثَ عن الزياداتِ التي أحدثها بنو العباس في المسجد
الحرام. خلافةُ المنصور العباسيّ
في هذا العهد وفي محرمَ سنة 138 للهجرة، أمر أبو جعفرٍ المنصورُ بالزيادة في المسجدِ
الحرام، فزِيد في شَقّه الشاميّ الذي يلي دارَ الندوة، وزاد في أسفلِه إلى أن
انتهى إلى المنارة التي في رُكن بابِ بني سهم، ولم يزِد في الجانبِ الجنوبي شيئًا
لاتصالِه بمسيلِ الوادي وصعوبةِ البناء فيه وعدمِ ثباته إذا قوي السيلُ عليه،
وكذلك لم يزِد في أعلى المسجد. واشترى منَ الناس دورَهم وهدَمَها وأدخلَها في
المسجدِ الحرام. خلافةُ المهديّ
في سنة 160 للهجرة حجّ أمير المؤمنين المهديُّ العباسيّ ونزل دارَ الندوة، وذكر
له حَجَبَةُ الكعبة أنه تراكمتْ على الكعبة كسوةٌ كثيرة أثقلتْها ويُخاف على جدرانها
من ثِقَلِها، فأمر بنزعها، فنُزعت حتى بقيت مجردةً، ووجدوا كسوة هشامٍ من الديباجِ
الثخين، وكسوةَ من قبلَه من ثياب اليمن، فجُردت الكعبةُ منها، وطلي جدرانُها من
داخلها وخارجها بالغاليةِ والمسك والعنبر، وصعدَ الخدَّامُ على سطح الكعبة وصاروا
يسكبون قواريرَ الغالية الممسَّكة المطيّبة على جدران الكعبة من الجوانب الأربعة،
ثم كُسيت ثلاثَ كَسَاوي من القَبَاطي والخَزّ والديباج، وقسّم المهديُّ في الحرمين
الشريفين أموالاً عظيمة وهي ثلاثون ألفَ درهم وصلَ بها من العراق، وثلاثمائةِ
ألفِ دينارٍ وصلت إليهِ من مصرَ، ومائتا ألفِ دينارٍ وصلتْ إليه من اليمنِ، ومائةٌ
وخمسون ألف ثوب. التوسعةُ الثانية للمهديّ
واستمر العملُ إلى سنة 164، وحجّ المهدي في ذلك العام وشاهدَ الكعبة المعظمةَ
ليست في وسط المسجد بل في جانبٍ منه ورأى المسجِدَ قد اتسع من أعلاهُ وأسفله ومن
جانبه الشاميّ، وضاق المسجدُ من الجانب اليماني الذي يلي مسيلَ الوادي، وكانَ
الناسُ يلوّثون في محلّ المسيل الآن، وكانوا يسلكونَ من المسجد في بطنِ الوادي،
ثم يسلكونَ زُقاقًا ضيقًا ثم يصعدونَ إلى الصفا. فلمَّا رأى المهدي تربيع المسجد
الحرام ليسَ على الاستواء، ورأى الكعبةَ الشريفةَ في الجانب اليمانيّ من المسجد،
جمعَ المهندسين وقال لهم أريدُ أن أزيدَ في الجانب اليمانيّ من المسجد، لتكون
الكعبةُ في وسطِ المسجد فقالوا له :"لا يمكنُ ذلك إلا بأن تُهدَمَ البيوتُ التي
على حافة المسيل في مُقَابَلَة هذا الجدار اليماني، ويُنقلَ المسيلُ إلى تلك البيوت
ويُدخَلَ المسيل في المسجد ومعَ ذلك فإن وادي إبراهيم له سيولٌ عارمة، وهو وادٍ
حدورٌ يُخاف إن حولناه عن مكانِه أن لا يثبت أساسُ البناءِ فيه على ما يزيد من
الاستحكامِ فتذهَبَ به السيولُ وتعلو فيه فتنصَبَّ في المسجدِ الحرام، ويلزمُ
هدمُ دور كثيرة وتكبر المؤنةُ وتكثر ولعل ذلك لا يتم". خلافة الرشيد في أثناء دولةِ الرشيد قَدِمت الخيزران أم الرشيد إلى مكة قبل الحجّ سنة 171 للهجرة وأقامت إلى أن حجت وعمِلت الخيرات واشترت دورًا بالصَّفا إلى جانب الأرقم المخزومي التي تشتمِلُ على مسجدٍ مأثور يقال له "المختبى". خلافة المعتمد على الله
في سنة 271 للهجرة وقَع وهنٌ في بعض جدارات المسجد الحرام من الجانب الغربي قبلَ
زيادةِ باب إبراهيم، وكان في نفسِ الجدار الغربي من المسجدِ الشريف بابٌ يقال
له بابُ "الحناطين" وكانت بقربهِ دار كانت تسمى دارَ زبيدةَ بنتِ أبي جعفر المنصور،
فسقطت تلك الدارُ على سقف المسجد الحرام، فكَسَرت أخشابَه وانهدمت أسطوانتان من
أساطينِ الحرم الشريف وماتَ تحت ذلك عشرةُ أنفس من خيار الناس. خلافةُ المعتضد في أيام المعتضد كتب قاضي مكةَ وأميرُها كتابًا إلى وزير المعتضد، يتضمَّن أن دارَ الندوة عظُم خرابها وتهدمت، وكثيرًا ما يُلقى فيها القمائم حتى صارت ضررًا على المسجدِ الحرام وجيرانه، وإذا جاء المطرُ سالت السيولُ من بابِها إلى بطن المسجد، وحملَتْ تلكَ القمائمَ إلى المسجد الحرام، وأن سقفَ المسجد قد خرب، وصار إذا جاء المطرُ يسيلُ منه الماء وأن وادي مكة "انكبس" بالأتربةِ فعملت الأرضُ عما كانت، وصارت السيولُ تدخل من الباب اليماني إلى المسجدِ الحرام، ووفد سَدَنَةُ الكعبة إلى بغدادَ ورفعوا إلى ديوانِ الخلافة أن وجهَ جدرانِ الكعبة قد تشعث وأن الرخام المفروشَ في أرضها قد تكسَّر، وأن بلاطَ المطاف حول الكعبة الشريفة لم يكُن تامًّا، ويُحتاج إلى أن يتمَّ من جوانبها كلها، وأن ذلكَ من أعظم القُربات، فلما عُرضت هذه الكتابات على الخليفة المعتضد، أمر بعملِ المطلوب من ترميمِ الكعبةِ الشريفة وغيرِها وهدْمِ دار الندوة وتنظيفِ المسيل وأمرَ أن يُحملَ من خزانتِه مال عظيم لهذا.
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |