ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

نتحدث في هذا الفصل عن الأماكن المباركة الكائنة في مكةَ المكرمة وحرمِها وقربَه والتي ينبغي زيارتُها كما ذكر ذلك غيرُ واحدٍ من العلماء.
وهذه الأماكن مساجد ودور وجبالٌ ومقابر، والمساجدُ أكثرُ من غيرها، غير أن بعضَ المساجد مشتهرٌ باسم المولِد وبعضَها باسم الدار.

ذكر الأماكن المباركة الكائنة بمكة المكرمة وحرمِها وقربه


فمن ذلك مسجد بقرب "المجزرة" الكبيرة من أعلاها على يمين الهابطِ إلى مكة ويسارِ الصاعد منها، يُقال إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه المغرب. وبين بابِ هذا المسجد وجدارِ باب بني شيبة أحدِ أبواب المسجد الحرام خمسمائةِ ذراع وعشَرةُ أذرع ونصف بذراع اليد.
ومنها "شُعب ابن عامر" بأعلى مكة بشِقها اليماني، ومسجد فوقه يقال له مسجد "الرَّاية" وعرّفه بذلك المحبُّ الطبري في القرى. وهو من المساجدِ التي صلى فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ما يُقال. و"مسجدُ سوقِ الليل"، ويقال له "المُختَبَأ" كان الناس يزورونه كثيرًا في صبيحةِ اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول.
ومسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يقال إنه من داره التي هاجر منها إلى المدينة ذكَر ذلك ابن جُبير، والله أعلم.


وأما ما ذكر عن مساجد خارج مكة من أعلاها فمن ذلك:


مسجدٌ يقال له مسجدُ "الإجابة" على يسار الذاهبِ إلى منى، وهو مسجد مشهور يُقال إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه.
مسجد البَيعة، وهي البيعةُ التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الأنصار بحضْرة عمه العباس بن عبد المطلب (وهي البيعة المعروفة ببَيْعَة العقبة).
مسجد الكَبش بمنى على يسار الذاهب إلى عرفة، ويُقال إن الكبشَ المشار إليه الذي فدى اللهُ تعالى به نبيَّه إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. أما الفاكهيُّ فقد ذكر أن الكَبش نُحِرَ في غير هذا الموضع.
مسجد الخَيف بمنى: وهو مسجد عظيمُ الفضل. روى الأزرقي أنه صلى في مسجدِ الخيف خمسةٌ وسبعونَ نبيًّا، وذكر الفاكهي أن ءادمَ عليه السلام دُفِنَ بمسجد الخيف.
وذكر الأزرقي: أن الأحجار بين يديّ المنارة هي موضعُ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل الناسُ وأهلُ العلم يصلون هنالك.


صفة مسجد الخيف


هو مسجد كبير مربع في قِبلته أربعُ محاريب غير محرابه الكبير، ومنبر درج عالٍ، وفي مقدمه أربعة أروقة مسقوفة بآجُرٍ معقودة بالنورَة كالأطباق، وفي وسطه منارةٌ مربعةٌ بين يديها موضعُ مصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعدَدُ العقود التي في الأروقة مائةٌ وثمانيةٌ وستون عَقْدًا. أما طول المنارة في المسجد أحدٌ وعشرون ذراعاً وثمن ذراع، وذَرعُ تربيعها من جهة القبلة ستةُ أذرع إلا قيراطًا.
وذكر الأزرقي أن الوزير الجوادَ الأصفهاني عمَّرَه، وأن أمَّ الخليفة ناصر الدين العباسي عمّرته، واسمُها مكتوبٌ على بابه الكبير، وأن الملكَ المظفر صاحبَ اليمن عمر ما تشعَّثَ منه سنة ستمائة وأربع وسبعين.


المواضع المباركة بمكة المشرفة


هذه المواضع هي مساجد، وإنما هي معروفةٌ عند الناس بالمواليد. ذكَر الأزرقي أن عقيلَ بنَ أبي طالب اشترى الموضع الذي يقال له "المولد" بسوق الليل بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يزل بيدِه ويدِ أولاده حتى باعه بعضهم من محمد بن يوسف أخ الحجاج بن يوسف الثقفي فأدخله في داره التي يقال لها "الدارُ البيضاء". ولم يزل هذا البيتُ في هذه الدار حتى حجت "الخيزران" أم الخليفتين موسى وهارون، فجعلتْه مسجدًا يُصلى فيه.


صفة المكان الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وبركتُه


روى الأزرقي عن بعض مَن كان يسكن هذا الموضعَ قبل أن تُخرجَه الخيزران من الدار البيضاء أنهم قالوا: لا واللهِ ما أصابنا فيه جائحةٌ ولا حاجة، فأُخرجنا منه، فاشتدَّ الزمان علينا.
أما ما ورد في صفة هذا المكان: فهو بيتٌ مربع، وفيه أسطوانة عليها عَقدان وفي ركنه الغربي مما يلي الجنوب زاويةٌ كبيرةٌ قُبالة بابه الذي يلي الجبل، وله بابٌ ءاخر في جانبهِ الشرقي أيضًا، وفيه عشَرة شبابيك، أربعةٌ في حائطه الشرقي، وفي حائطِه الشمالي ثلاثة، وفي الغربي واحد. وفي الزاوية اثنان: واحدٌ في جانبها الشمالي وواحدٌ في جانبها اليماني، وفيه محراب، وبقُرب المحراب حفرةٌ عليها درابزين من خشب، وفي وسط الحُفرة رُخامة خضراء، وكانت هذه الرخامة مطوَّقةٌ بالفضة على ما ذكره ابن جُبير، وهذا الموضع جُعل علامةً للوضعِ الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان.
ومنها الموضع الذي يقال له: مولدُ فاطمة رضي الله عنها بنتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا المكان دارُ أمّها خديجةَ بنت خويلدٍ رضي الله عنها في الزُّقاق المعروف بزُقاقِ الحَجَر بمكة المشرفة.
ومنها الموضع الذي يقال له مولدُ عليّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه قريبًا من مولد النبي صلى الله عليه وسلم من أعلاه مما يلي الجبل، وهو مشهور عند أهل مكة بذلك لا اختلافَ بينهم وذكره ابن جُبير، وعلى بابه مكتوبٌ: هذا مولدُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
ومنها الموضع الذي يقال له مولدُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه بالجبل الذي تُسمّيه أهلُ مكة بالنوبى (واليوم يُقال له جبلُ عمر) وهو جبلٌ مشهور بأسفل مكة.
ومنها الموضع الذي يقال له: مولدُ جعفرَ الصادق بالدار المعروفة بدار أبي سعيد.
ومنها دار خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها بالزقاق المعروف بزقاقِ الحجر بمكة، ويقال له أيضًا زُقاق العطَّارين على ما ذكره الأزرقي.
ومنها دار الأرقم المخزومي وهي الدارُ المعروفة بدار الخيزرانِ عند الصفا ويُقالُ إن عمرَ بن الخطاب أسْلَم فيها وقد مكثَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو الناسَ للإسلام.
ومن الدُور المباركة بمكة دارُ العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بالمسعى، وفيها العَلَمُ الأخضر وكانت فيما بعد رباطًا للفقراء.


ذكر الجبال المباركة بمكة وحرمها


بمكة وحرمها جبال مباركة منها: الجبل المعروف بجبل أبي قبيس، لأن فيه قبرَ ءادم عليه السلام على ما يُقال، لأنَّ صاحب المورد العذب البهي قال: قال وهب (يعني وهبَ بن منبّه): "حُفر له (يعني ءادم) في موضعٍ في أبي قبيس في غار يقال له غارُ الكَنز، فاستخرجه نوحٌ وجعلَه في تابوت معه في السفينة، فلما نضبَ الماء رده نوحٌ إلى مكانه. وهذا الغارُ لا يُعرف الآن، وقد اختُلف في موضعِ قبر ءادم على أربعة أقوال:
الأول: أنه كان بأبي قبيس كما قال وهب.
والثاني: أنه بمسجد الخيف كما قال عروةُ بن الزبير فيما روى عنه الفاكهي.
والقول الثالث: عند مسجد الخيف. قال ذلك الذهبي.
والقول الرابع: أنه ببلاد الهند في الموضع الذي أهبط إليه من الجنة.
ومن فضائل جبل أبي قُبيس أنه كان يُدعى الأمين لأن الحجرَ الأسود استودع فيه زمنَ الطوفان، فلما بنى الخليلُ عليه السلام البيت نادى أبو قبيس، الركنُ مني بمكانِ كذا وكذا. وجاء بهِ جبريل عليه السلام فوضعَه موضعَه من الكعبة. ومن فضائلِه أنَّ الدعاء فيه يستجاب.
ومنها جبل الخنْدَمة: روى الفاكهي عن ابنِ عباس قولَه: ما مطرت مكةُ قط إلا كان الخندمةُ أمْطَرَها، وذلك أن فيها قبرَ سبعين نبيًّا.
ومنها جبل حراء: وهو بأعلى مكة، وفيه نزلُ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فيه.
ومنها جبل ثورٍ بأسفل مكة لاختفاءِ النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه فيهِ حين هاجرا إلى المدينةِ وذلك في غارٍ مشهور فيه، وهو الغار الذي ذكرهُ الله تعالى في كتابه العزيز حيث قالَ سبحانه {ثاني اثنين إذ هما في الغار} وهذا الغارُ مشهورٌ في هذا الجبل يأثره الخلف عن السلف ويقصدونَه للزيارة، وقد ذكر ابن جُبير في رحلته أن طولَ الغار ثمانية عشر شبرًا، وطولَ فمه الضيق خمسةُ أشبار وسَعَته وارتفاعه عن الأرض مقدارُ شبر في الوسطِ منه. وذكر ابن جبير أن أكثرَ الناس يتجنبون دخولَه من بابِه الضيق لِمَا فيه من المشقَّة التي يقاسيها الداخل.
ومن الجبال المباركة بمكةَ جبل "ثُبير" قال القزوينيُّ في كتابه "عجائب المخلوقات وغرائبُ الموجودات": جبل ثُبيرٍ بمكة بقرب منى، وهو جبلٌ مبارك يقصدُه الزوار. ومنها الجبل الذي يُلحَق بمسجد الخيف لأن فيهِ غارًا يقال له "المرسلات"، لأن فيه أثرُ رأس النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر ابن جُبير.


ذكر مقابر مكة المباركة


لمكة المكرمة مقابر مباركة منها المقبرة المعروفةُ بالمُعلاة ويقال المعلى .ذكر الأزرقي عن الزنجيّ أنه قال: كان أهلُ مكة في الجاهلية وفي صدر الإسلام يدفنون موتاهُم في شُعب أبي ذئب وقال: كان أهلُ مكة يدفنونَ موتاهم في جنْبتي الوادي يَمَنَة وشأمَةً في الجاهلية والإسلام، ثم حوّل الناس جميعًا قبورَهم في الشعب الأيسر وهي مَقبرة تستقبل وجهًا من الكعبة ليس فيها انحراف.
وزيارةُ هذه المقبرة مستحبةٌ لما حوتْه من سادات الصحابة والتابعين وكبارِ العلماءِ والصالحين.
ومنها المقبرة العُليا وفيها دفن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ما يروى، ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة المهاجرين بالحَصْحَاص. قال الأزرقي: الحصحاص هو الجبل المشرف على ظهر ذي طوى إلى بطن مكة.
ومن المقابر المباركةِ بمكة المشرفة، المقبرةُ المعروفة بالشبيكة بأسفلِ مكة دون بابِ الشبيكة، وهي مشهورةٌ عند الناس لما حوَتْه من أهل الخيرِ الغرباء وغيرِهم.
ومن القبور التي تُزار قبر أم المؤمنين ميمونةَ بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وهو معروف بطريقِ وادي مُر وقد ورد ذِكرُه خلفًا عن سلف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 الصفحة التالية

الصفحة الرئيسية >