|
الحجر الأسود والملتزم وحِجْرُ إسمعيل ومقام إبراهيم
الحمدُ للهِ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ العربيّ الأمين. الحجر الأسود بعد البعثة النبوية
ذكر الأزرقيُّ في تاريخه عن جدّه عن غير واحد من أهل العلم ممن حضر بناء ابن الزبير
للكعبة أنَّ الركنَ ـ أي الحجر ـ كان قد تصدَّع من الحريقِ ثلاث فِرق، فانشطّت
منه شظية (كانت عند ءال بني شيبةَ بعد ذلك بدهرٍ طويل) فشدَّه ابنُ الزبير بالفضةِ
إلى تلك الشظية من أعلاه بينَ موضعِها من أعلى الركن، ثم إنَّ الفضة تزلزلت وتعلقتْ
حول الحجر، وخافوا عليه أن ينقض، فلما اعتمَرَ هارونُ الرشيد وجاوَرَ في سنة تسع
وثمانين ومائة أمر بالحجارةِ التي بينها الحجر الأسود أن تُنَقَّبَ بالمس، فنُقّبت
من فوقِها ومن تحتِها، ثم أفرغ فيها الفضة. الحجر الأسود في "فتنة القُرمُطي"
يذكر أهل التاريخ أنَّ أبا طاهر القرمطي كان عدوًا لله، وأنه وافى مكةَ في السابع
من ذي الحجة سنةَ تسعَ عشر وثلاثمائة، وأتى وأصحابُه أمورًا مُنكَرة منها أنَّ
بعضَ أتباعِه ضربَ الحجر الأسود بمطرقةٍ من حديد فكسَره، ثم قلعَه وذهب به إلى
بلادهِ وتسمى اليوم "الإحساء"، وبقي موضعُه من الكعبة المعظمةِ خاليًا، فكان الناسُ
يضعون أيديَهم في موضعِه للتبرك إلى حين رُدَّ إلى موضعِه من الكعبة بعد اثنتين
وعشرينَ سنةً وأربعةِ أيام، أي في سنة تسعٍ وثلاثينَ وثلاثمائة، وقد أتى به مكةَ
سنبر بن الحسن القرمطي، فلما صار بفناءِ الكعبة ومعه أمينُ مكة أظهَرَ الحجرَ،
وأحضر معه جِصًا يُشدُّ به، فوضع "سنبرُ" الحجرَ، وشدَّ الصانعُ بالجصّ، ونظر
الناس إلى الحجر فتبيَّنوه وقبّلوه واستلموه وحمدوا اللهَ تعالى. وكان ردُّ الحجرِ
الأسود في موضِعه قبلَ حضور الناس لزيارةِ الكعبة يوم النحر. الحجر الأسود بعد ردّ القرامطة له
يقول المُسبِّحِيّ: في سنة أربعين وثلاثمائة قلَعَ الحجبة الحجرَ الأسودَ الذي
نصبه "سنبر" وجعلوه في الكعبة خوفًا عليهِ، وأحبوا أنْ يجعلوا لهُ طوقًا من فضة
يُشدُّ به كما كان قديمًا أيامَ ابنِ الزبير، فأخذ في إصلاحِه صانعان حاذِقانِ
وعمِلا له طوقًا من فضةٍ وأحكماهُ. الملتزم والحطيم
يقع "الملتزَم" بين الحجرِ الأسود وبابِ الكعبة، ويقال له "المَدْعا" و "المُتعَوَّذ" لاستجابةِ
الدعاء فيه. أما "الحطيم" فقيل إنهُ ما بين الحجرِ الأسودِ ومقامِ إبراهيم وزمزمَ
وحجر إسمعيل، وقيل إن "الحطيم" هو الموضعُ الذي فيه الميزاب. واختُلف في سببِ
تسميته بذلك. مقام إبراهيم عليه السلام
مقامُ إبراهيمَ هو الحجرُ الذي وقفَ عليه الخليلُ عليه السلام حين بنى الكعبةَ
المشرّفة؛ قال القاضي عزُّ الدينِ بن جماعة: وقد ذكر الأزرقيّ أن ذَرعَ المقامِ
ذراع. وأولُ ما حُلّي المقام في خلافة المهدي بن المنصور العباسي المتوفَّى سنة
169 للهجرة، وكان قد رُفِعَ فانثلَم لرخاوةِ حجَره، فكتب الحجبة إلى المهديّ يعرّفونه
بذلك، وأنهم يخشونَ عليه أنْ يتفتّت، فبعث المهدي بألف دينار أو أكثر لإصلاح ذلك؛
فلما كانت خلافة المتوكل وهو ابن المعتصم بن الرشيد، وقد توفي مقتولاً سنة 247هـ،
زِيد في تحلية المقام بالذهب، وجعل ذلك فوق حليته الأولى، ثم إن جعفر بن الفضل
العباسي عاملَ مكة، ومحمدَ بن حاتم قلعا حليته في خلافة المتوكل وضرباها دنانير
ليستعينا بذلك في حربهم إسمعيلَ بنَ يوسف العلوي سنة 251 للهجرة؛ وبقيت حلية المهدي
على المقام إلى أنْ قُلعت عنه سنة 256 لأجل إصلاحه، فعُمل له طوقان من ذهب، وأُحضر
المقام إلى دار الإمارة، وأُذيبت له العقاقير بالزئبق، وشُدَّ بها شدًا متينًا
حتى التصق، وكان قبل ذلك سبعَ قطع زالَ عنها الالتصاق بعد أن قُلعت عنه الحلية
سنة 255 للهجرة لأجل إصلاحه. ثمَّ أُعيد إلى موضعه يومَ الاثنين لثلاثِ ليال خَلون
من ربيع الأول سنة 256 للهجرة بعد أنْ وُسّع الطَّوْقان الذهب لضيقهما. موضع المقام في الجاهلية والإسلام وبيان شىء من فضله
قال الأزرقيّ: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بنُ الورد قال: سمعت ابن مَلِيْكَة
يقول: موضعُ المقام هو هذا الذي هو به اليوم هو موضعُه في الجاهلية، وفي عهد النبيّ
صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلاَّ أنَّ السيلَ ذهب به
في خلافةِ عمر، فجُعِل في وجه الكعبة حتى قدِم عمرُ فردّه بمحضرٍ من الناس. حِجْر إسمعيل عليه السلام
يروي الأزرقيّ أنهُ في أثناء بناء إبراهيمَ عليه السلام للكعبة، جعل الخليلُ عليه
السلام الحِجْر إلى جنبِ البيت عريشًا من "أراك" تقتحِمُه العنز، وكان زربًا لغنم
إسمعيل. وعندما بنت قريشٌ الكعبة قصّرت بهم النفقة فتركوا بعضَ الكعبة في الحِجْر؛
وقد ذكرنا أنَّ عبد الله بنَ الزبير أعادها إلى بناء إبراهيم عليه السلام، حتى
جاءَ الحجاج فأعادها إلى ما كانت عليه في الجاهليةِ وفي زمن النبيّ صلى الله عليه
وسلم، ولذلك يقول التقيُّ الفاسي في كتابه "شفاء الغرام": لا خلاف بين أهلِ العلم
بالتاريخ أن البيتَ كان مبنيًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على أساسِ إبراهيم
من جميعِ جوانبه إلا من جهةِ الحِجْر كما سبق بيانه. موضع الحِجْر
يذكر الأزرقي أنَّ الحِجْر مُدوّر، وهو ما بين الركن الشامي والركن الغربي، وأرضُه
مفروشة برخام، وهو مستو بالشاذروان الذي تحت إزار الكعبة والشاذروان جزء من أساسِ
الكعبة ويرتفع قدرَ ذراع تقريبًا، وعرض الحِجر من جدار الكعبة من تحت الميزاب
إلى جدار الحَجَر سبعة عشر ذراعًا وثمانِ أصابع. وعن خبر عمارته يقول: إن المنصور
العباسي لما حجَّ دعَا زياد بن عُبيد الله الحارثي أمير مكة فقال: إني رأيت الحِجْر
حجارتُه بادية، فلا أصبحن حتى يُسترَ جدار الحِجْر بالرخام. فدعا زيادٌ بالعمل،
فعملوه على السرج قبل أن يصبح، وكان قبل ذلك مبنيًا بحجارة ليس عليها رخام؛ ثم
جاء بعد ذلك المهدي فجددَ رخامَه، ولم يزل فيه حتى رَثَّ في زمن المتوكل، فقُلع
وألبس رخامًا حسنًا. وعمَّر المعتضد العباسي الحِجْر أيضًا في خلافته في سنة 283
للهجرة، كما عُمّر في خلافة الناصر والمستنصر العباسييْن، وكذلك في زمن الملِك
المظفر صاحبِ اليمن، وكذلك الملك الناصر محمد ابن قلاوون، واسم هذين الملِكين
واسم المستنصر العباسي مكتوبٌ في رخام في أعلى الحجر، وعُمّر أيضًا في زمنِ الملك
المنصور علي بن الملك الأشرف شعبان ابن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون بأمر
الأميريْن "بركة" و "برقوق" مدبري دولته. ثم عُمّر في زمن الملك الظاهر برقوق
سنة 801 للهجرة. الدعاء في الحجر تحت الميزاب
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |