|
وضع
المسجد الحرام في الجاهلية
وما طرأ عليه من زيادات حتى العهد الأموي
الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم.
ذكرنا في الفصل الماضي أنَّ الكعبة الشريفة لما بناها إبراهيم عليه السلام لم
يكن حولها دورٌ ولا مساكن إلى أنْ ءال الأمرُ إلى قصي بن كلاب، فإذِن لقومه أن
يبنوا حولَها وقسّم جهاتِها على الوجه الذي سبق وبينّاه.
واستمر المسجد الحرام على ذلك الأسلوب إلى البعثة المحمديَّة.
وفي زمن عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه كثُر المسلمون فضاق بهمُ المسجدُ الحرام،
وفي سنة 17هـ وقع سيلٌ عظيم أطلق عليه سيل أمّ نهشل، دخل من أعلى مكة من طريق
الردم المعروف بـ"المَدْعى"، فدخل هذا السيلُ المسجد، واقتلع مقامَ إبراهيم من
مكانه، وذهب به إلى أسفل مكة المكرمة، كما ذهب بأم نهشل بنت عبيدة ابن سعيد بن
العاص بن أمية، فماتتْ فيه، فسُمي باسمها، فكُتب إلى عمر بن الخطاب بذلك وهو بالمدينةِ
المنورة، فركب فزِعًا مروَّعًا إلى مكة، فدخلها في شهر رمضان، ووقف على حجر المقام
وهو ملصَقٌ بالبيت الشريف ثم قال :"أنْشُدُ الله عبدًا عنده علمٌ في هذا المقام".
فقال المطلب بن أبي وداعة السهميّ :" أنا يا أميرَ المؤمنين، قد كنت أخشى عليه
مثلَ هذا الأمر، فأخذتُ قَدْرَه من موضعه إلى الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمِقاط،
والمِقاطُ هو الحبل، وهو عندي في البيت. فقال له :"اجلس وأرسِل من يأتي به نقيس
به". ووُضِع حجر المقام في هذا المحلّ الذي هو عليه الآن وأُحكِم.
زيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال الأزرقيّ :"وكان المسجد الحرام ليس له جدران تُحيط به، وإنما كانت دورُ قريش
محدقةً به من كل جانب، غير أنَّ بينَ الدور أبوابًا يدخُل منها الناسُ إلى المسجد
الحرام، ولما كان زمن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، وضاق المسجد،
اشترى دورًا كانت حولَ المسجد، وهدمَها وأدخلها في المسجد وبقيت دورٌ احتيجَ إلى
إدخالها في المسجد وأبى أصحابُها بيعها، فقال لهم عمر رضي الله عنه :" أنتم نزلتم
في فناء الكعبة وبنيتُم به دورًا، وأنتم لا تملكون فناء الكعبة، وما نزلت الكعبة
في ساحِكم وفنائكم". ثم قُوّمت الدور ووضع ثمنُها في جوف الكعبة، وهدمت وأدخلت
في المسجد. ثم إنَّ أصحابَها طلبوا الثمن فسُلّم إليهم.
بعد ذلك أمر عمر ببناء جدارٍ قصيرٍ أحاط بالمسجد دون القامة، وكانت المصابيحُ
في محاذاة الأبواب السابقة. وفي السنة المذكورة أمَر أميرُ المؤمنين بعمل الردم
الذي بأعلى مكة صونًا للمسجد، فبناه بالصفائحِ والصخور العِظام، وكبَسه بالتراب،
فلم يَعْلُه سَيلٌ بعد ذلك. ويسمى هذا الردمُ ردمَ بني جُمَح، وهم بطنٌ من قريش،
ثم أطلق على هذا الردم بعد ذلك اسم "المَدعى" كما أسلفنا.
زيادة عثمان بن عفان رضي الله عنه
في سنة 26هـ قدِم عثمان بن عفان رضي الله عنه من المدينة إلى مكة المكرمة ودخل
ليلاً معتمِرًا، وطاف وسعى، ثم أمرَ بتوسيعِ المسجد الحرام، فاشترى الدورَ التي
حول المسجد وهدمها وأدخلها في المسجد، فضجَّ أصحابُ الدور، فدعاهم وقال لهم :"إنّما
جرّأكم عليَّ حلمي عليكم، ألم يفعل بكم ذلك عمر فما ضجّ به أحد؟! وقد حذوتُ حذوَه
فضجرتم مني وصحتم"، ثمَّ أمر بهم إلى الحبس، فشفع فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد،
فتركهم عثمان، وبنى المسجدَ والأروقة، وجدد فيها أنصابَ الحرم. وجاء أهلُ مكة
إلى عثمان وكلموه أن يحوّل الساحل من الشعبية ـ وهي ساحل مكة قديمًا في الجاهلية
ـ إلى ساحلِها اليوم وهي جُدّةُ لقُربها، فأمر بتحويل الساحل إليها.
زيادة عبدِ الله بن الزبير رضي الله عنهما
لما أبى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما البيعةَ ليزيدِ بن معاوية وانتقل
إلى مكة المكرمة أطاعَه أهل الحجاز واليمن والعراق وخُراسان، ولم يخرجْ
عن طاعته إلاَّ أهلُ مصر والشام فإنهم بايعوا يزيدًا، فلما هلك يزيد أطاعه
أهلُهما. وكان يزيد قد أرسل إليه الحُصين بن نمير فحاصره، فالتجأ ابن الزبير
بالمسجد الحرام، فنصب عليه المنجنيقات فأصاب بعضُ حجارتِها الكعبة، فردم
بعضَ جدرانها واحترق بعضُ أخشابها وكِسوتها، ثم انهزم الحصين حين بلغه نبأُ
وفاةِ يزيد، فرأى عبد الله بن الزبير أن يهدمَ الكعبة ويُحكِم بناءها على
قواعد إبراهيمَ عليه السلام لِمَا سمعه من حديث عائشة رضي الله عنها كما
في الصحيحين أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يا عائشة لولا أن قومَك حديثو عهدٍ بِشِرْك لهدمتُ الكعبةَ فألزقتُها
بالأرض، ولجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحجر،
وإنَّ قريشًا استقصرتْها حين بنَت الكعبة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوهُ فهلمي
لأريَكِ ما تركوا منه" فأراها قريبًا من سبعةِ أذرعٍ. فاستشار عبدُ الله بن
الزبير مَنْ بقي من الصحابة في ذلك، فكان منهُم من أبى، ومنهم من وافقَه، فصمَّمَ
وأقدَمَ على ذلك. ولما أرادَ هدمَ البيت الشريف خرجَ أهل مكة خوفًا، وامتنعَ
العمالُ عن ذلك، فأرقى عبدًا رقيقَ الساقينِ وعبيدًا له يهدمونَها.
قال اليافعي في تاريخه "مرءاة الزمان" الجزءُ الأول:" أراد عبد الله بن الزبير
أن يجعلَ الطِينَ الذي يبني به الكعبة من الوَرْس، فقيل له: إنه لا يستمسِك
به البنيانُ كما يستمسِك بالجص، فأرسل إلى صنعاء اليمن يطلب منها جصًا نظيفًا
محكمًا، فأتوا به، فبنى به الكعبةَ. ولما أكملَ هدْمَها كشفَ عن أساسِ إبراهيمَ
عليه السلام، فوجد الحجر داخلاً في البيتِ على ذلك الأساس، وكان أدار سَتْرًا
على فناءِ البيت والبنَّاؤن يبنون من وراءِ ذلك الستر، والناس يطوفون منْ خارجه،
فأدخلَ الحجر في البيت، وألصقَ بابَ الكعبة بالأرض ليدخلَ الناسُ منه، وفتح
له بابًا غربيًا في مقابلةِ هذا الباب ليخرجَ الناسُ منه كما كان عليه عند تجديد
قريش الكعبة قبل أن يبعثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وكان طول الكعبة قبل قريش تسعةَ أذرع، فزادت قريش تسعةَ أذرع أخرى، ولما فرغ من
بنائها طيّبها بالمسكِ والعنبر داخلاً وخارِجًا، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها
بالديباجِ، وبقيت بقية من الحجارة، ففرشَها حول البيتِ نحوًا من عشرة أذرع. وكان
فراغُه من عَمَارة البيت الشريف في السابع والعشرين لعلَّه من رمضان كما ذكر القطبي،
في سنة 64 للهجرة، فخرج إلى التنعيم هو وأهلُ مكة معتمرين شكرًا لله، وذبحَ مائة
بدَنَة، وذبح كلُّ واحد على قدر سَعَتِه، وبقيت هذه العمرةُ كل سنةٍ يعملها أهلُ
مكة.
وفي سنة 73هـ جاء الحجّاج بن يوسف الثقفي بعسكرٍ كبير من قِبل عبد الملك ابن
مروان، وحاصر عبدَ الله بن الزبير، ونصبَ المنجنيقَ على جبل أبي قبيس، ودام
القتالُ عدةَ أشهر، إلى أنْ تخلّى عن ابن الزبيرِ غالبُ أصحابه، فخرج وحاربَ
الحجّاجَ على الأرض، فصاحت مولاةٌ لآل الزبير :"وا أميراه" فعرفوه فقتلوه. ثم
كتب الحجاجُ إلى عبدِ الملك بن مروان في سنة 74هـ يخبره أن عبدَ اللهِ بنَ الزبير
زاد في الكعبة ما ليسَ منها، وأحدَثَ فيها بابًا ءاخر، فكتب إليهِ عبد الملك
أن يعيدَها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهدم الحجاجُ
من جانبها الشرقي قدرَ ستةِ أذرع وشبرًا، وبنى ذلك الجدار على أساس قريش، وكبسَ
أرضها بالحجارة التي فضَلَت، ورفعَ البابَ الشرقي، وسدَّ البابَ الغربيّ، وترك
سائِرَها لم يغيِّرْ منها شيئًا.
فما فرغ الحجاج من ذلك، وفَدَ عبد الملك بن مروان حاجًا في ذلك العام ومعه الحارث
بن عبد الله بنِ ربيعةَ المخزومي، وهو من ثِقاة الرواة، فتحادثا في أمر الكعبة.
فقال عبدُ الملك: ما أظن ابنَ الزبير سمِعَ من عائشة ما زعم أنه سمعه في أمرِ
الكعبة. فقال الحارث: أنا سمعت ذلك من عائشةَ رضي اللهُ عنها، وساقَ الحديث المتقدم.
فقال عبد الملك: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فجعل ينكُتُ بقضيبٍ في يده منكسًا ساعةً
طويلة ثم قال: ودِدْتُ واللهِ أني تركتُ ابنَ الزبير وما تحمَّل.اهـ.
|