ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

استعرضنا في الفصل السابق المراحل التي مرَّت على بناء الكعبة المشرَّفة من لدنِ ءادم وحتى بناء قريشٍ لها ووضعِ النبيّ عليه الصلاة والسلام للحجر الأسود في مكانه، وذكرنا بعضَ الأسماء التي تطلق على مكَّة المكرمة.
وفي هذا الفصل نعرِضُ شيئًا مما جاء في تحليةِ الكعبة المشرفة وبابها وقناديلها بالذهبِ والفضة، ونأتي على ذِكرِ معاليقِها وكسوتها.
قال الأزرقيُّ في تاريخه:" أوَّل منْ حلَّى الكعبةَ في الجاهليَّةِ عبد المطلب جدّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم بالغزالتيْنِ الذهب اللتين وجدهما في بئر زمزم لمَّا حفرَها". أمَّا أرضُ الكعبة وجدرانُها من داخلها فمزخرفةٌ برخام ملون.
ونُقِلَ عن ابن جريج أنَّ الوليد بن عبد الملك بن مروان أول من رخَمَ أرض الكعبة وجدرانها برخام بعث بهِ من الشام، وهو أولُ من ذهَّب البيتَ في الإسلام كما ذكر ذلك الأزرقيّ، وذهبَ غيرُه إلى القول بأنَّ أولَ من حلَّى البيتَ في الإسلام عبد الله بنُ الزبير، فجعل على الكعبةِ وأساطينِها صفائحَ الذهب، وجعل مفاتيحَها من الذهب.
وذكر الفاكهيُّ أنَّ الوليدَ بنَ عبد الملك بعث إلى واليه على مكة خالدِ بنِ عبد الله القُسَرِي بستةٍ وثلاثينَ ألفَ دينار يضرب منها على بابِ الكعبة صفائحَ الذهب، وكذلك على الميزابِ والأساطين التي في جوفِ الكعبة، وعلى أركانِها من الداخل.
وذكر الأزرقي أنَّ الأمين بنَ هارون الرشيد أرسلَ إلى عاملِه على مكة سالمِ بن الحَجَّاج بثمانيةَ عشرَ ألفَ دينار ليضربَ بها صفائحَ الذهب على باب الكعبة. وذكر أيضًا أنَّ حَجَبَةَ الكعبة أرسلوا إلى المتوكلِ العباسي يذكرون له أنَّ زاويتيْن من زوايا الكعبة من داخلها مصفحَّتان بالذهب وزاويتين مصفحتانِ بالفضة، وعرضوا عليهِ أن يجعلوها كلَّها مذهَّبة، فأرسل المتوكلُ إلى إسحقَ بن سَلَمة الصائغ وأمره بعمل ذلك، فعمله.
وكان أسفل الباب عتبة من خشب ساجٍ قد رثت وتآكلت، فأبدلها بخشبٍ ءاخر وألبسَهُ صفائحَ الفضة. ثم إنَّ الحجبة كتبوا إلى المعتضدِ العباسي أنَّ بعضَ وُلاةِ مكة قلَعَ أيام الفتنة عِضَادتي الباب من الكعبة وغيرهما وسبكَهما دنانير وصرفها على رفْعِ الفتنة، فأمرَ المعتضد بإعادة ذلك جميعه، فأُعيد كما أشارَ به. ومن ذلك أيضًا أنَّ أمَّ المقتدر الخليفةِ العباسيِ أمرت غلامها لؤلؤًا أنْ يُلبِسَ جميع إسطوانات البيت الشريف ذهبًا، ففعل ذلكَ في سنةِ عشرٍ وثلاثمائة.

بدعتا "العروة الوثقى" و "سرة الدنيا"

ذكر الإمام أبو عمرو بن الصلاح في منْسَكِه أنَّ بعضَ الغجر والمحتالين ابتدعوا في الكعبة المكرمة أمريْنِ باطليْن عَظُمَ ضررهما على العامَّة، أحدهما ما أطلقوا عليع اسم "العروةِ الوثقى" حيث عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت العتيق فسمَّوْه بالعُروة الوثقى، وأقعوا في قلوب العامة أنَّ منْ ناله بيده فقد استمسكَ بالعروة الوثقى، وأحْوَجُوهم إلى أنْ يقاسوا في الوصول إليهِ شدَّة وعناء، ويركَبُ بعضهم فوق بعض، وربما صعدتِ الأنثى فوقَ الذكر ولامستِ النساء الرجال ولامسوهنَّ فلحقهم بذلك أنواعٌ من الضررِ دُنيا ودِينًا. والثاني مسمار في وسط البيتِ سموه "سرة الدنيا" وحملوا العامَّة على أنْ يكشِفَ أحدُهم عن سرّته وينبطِحَ بها على ذلك الموضع حتى يكونَ واضعًا سُرَّتَه على ذلك المسمار والعياذُ باللهِ تعالى.
وقال صاحب "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام": وهذان الأمران لا أثرَ لهما الآنَ في الكعبةِ". وكان زوال البدعة التي يقال لها "العروةُ الوثقى" في سنة إحدى وسبعمائةٍ بأمر من الصاحب زينِ الدين أحمدَ بن محمد بنِ عليِ بنِ محمد المعروف بابن حِنَّاء بعد أنْ توجَّه إلى مكَّة في أثناءِ سنة إحدى وسبعمائة ورأى فيها ما يقَعُ من الفتنةِ بسبب تلك البدعة فأمرَ بقلعها فقُلِعَت.

معاليق الكعبة المشرَّفة

قال المسعوديّ في "مروجِ الذهب": كانت الفُرْس تهدي إلى الكعبة أموالاً في صدر الزمانِ وجواهر، وقد كان ساسان بن بابِك أهدى غزالتيْن من ذهب وجواهرَ وسيوفًا وذهبًا كثيرًا إلى الكعبةِ. وقال الفاسيُّ صاحبُ "شفاءِ الغرام": ويقال إنَّ كلابَ بن مرة بنِ كعب بنِ لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشيّ أولُّ من جعل في الكعبةِ السيوف المحلاَّةَ بالذهب والفضة ذخيرةً للكعبة، وذكر ذلك صاحب "المورد العذب الهَنِيء" ثمَّ نُقل عن الأزرقيّ ذِكْرُ أشياءَ أهديت إلى الكعبة منها أنَّ أميرَ المؤمنينَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمَّا فتحَ مدائِنَ كِسرى كان قد بُعث إليهِ هلالان فعلّقهما في الكعبةِ، وبعث السفاحُ بالصفحةِ الخضراء فعُلّقَت في الكعبة، وبعث المؤمنون بالياقوتة التي تُعلَّق في كلّ موسم بسلسةٍ من الذهب لتعلَّقَ في وجهِ الكعبة، وبعث المتوكل على الله بشمعَةٍ من الذهب مكلّلة بالدُّرِ الفاخر والياقوت الرفيع والزبرجد تُعلق في سلسلة من الذهب في وجه البيت في كلّ موسم، وأهدى المعتصمُ العباسيُّ قفلاً لباب الكعبة فيه ألفُ مثقال ذهبًا في سنة تسع وعشرين ومائتين، وكان والي مكة من قِبَلِهِ صالح بن العباس، فأرسل إلى الحجبةِ ليعطيَهم القفلَ، فأبوا أنْ يأخذوه، وأراد أنْ يأخُذَ القفلَ الأول ويرسلَ به إلى الخليفة فأبوا أنْ يعطوه له، وتوجهوا إلى بغداد وتكلَّموا مع المعتصم، فترك قفلَ الكعبةِ عليها وأعطاهُم القفلَ الذي كان بعثه إليها فاقتسموه بينهم.
وقال القطبيُّ في "إعلامُ العلماءِ الأعلام ببناء المسجد الحرام":" وقد وصل في سنة 984 للهجرة منَ الباب الشريف السلطاني محمد جَاوش، وكان قبْلَ ذلك كاتبًا على عمارةِ الحرم الشريف، وجهزَتِ السلطنة الشريفةُ صحبةَ محمد جاوش المذكور ثلاثةَ قناديلَ من الذهب مرصَّعةٍ بالجواهر لتعلّق اثنان منها في سقف بيتِ اللهِ والثالثُ في الحجرة النبويةِ تُجاهَ الوجهِ الشريفِ النبويّ عليهِ الصلاة والسلام، فوصل محمد جاوش بالقناديل والخِلَع، وعلَّق القنديلان في البيت الشريف تجاه الباب ثمَّ توجَّه إلى المدينةِ المنورةِ وعلَّق القنديلَ في الحجرةِ المنيفة، وهو أوَّلُ منْ علَّق قناديلَ الذهب في الحرمينِ الشريفينِ أيام دولة سلاطين بني عثمان.
وفي موسم سنة 997هـ وصل من الباب العالي إبراهيم بك الدفتردار بالباب سابقًا ومعه قنديلٌ من ذهب مرصَّع بالجواهر وفي وسطه ـ كما شاهدته ـ منديل مطرّز بالذهب وفيه ورقةٌ بخط مولانا السلطان مرادخان وعلَّق القنديلَ بالمنديل والورقة بالبيتِ الشريف بعد أنْ حجّ، وكان ذلك في أوائل محرمٍ الحرام سنة 998هـ".

كِسوة الكعبة المشرفة


كُسيت الكعبةُ في الجاهلية أنواعًا من الكِسِيّ، منها المعرفر وهو اسم بلد سميت به الثياب المعافرية التي تصنع فيه، والمَلاء ومفردها ملاءة وهي ثوبٌ ليّن رقيق، والوصائِل ومفردها وَصيلة وهي ثوبٌ أحمر، مخطط يمانيّ. وقد روى ابن هشام نقلاً عن ابن إسحق أن تُبّعًا أولُ من كسا البيت وأوصى به ولاتَه من جُرهم وأمرهم بتطهيرِه، وجعل له بابًا ومِفتاحًا.
وذكر ابن جريج أنَّ تُبَّعًا أول من كسى الكعبة كِسوةً كاملة، وذكر السهيلي أنَّه كساها المُسوحَ والأنطاع. والمسوح جمع مِسْحٍ وهو ثوب من الشعر، أمَّا الأنطاع فهو جمع نِطْعٍ وهو بساط من الجلد، ومن قوله حين كسى البيت:

وكسونا البيتَ الذي حرَّم الله ... ملاء مُعْضَدًا وبرودا
فأقمنا بهِ من الشهرِ عشرًا ... وجعلنا لبابِه إقليدا
ثم سِرنا عنه نؤمُّ سهيلاً ... فرفعنا لواءَنا معقودا
.
وقال الأزرقيّ: كسى النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم الكعبةَ الثيابَ اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان رضي الله عنهما القَمَاطِيّ، وكانت تكسى الديباجَ بعد ذلك. وقال أيضًا كانت الكعبة تكسى كلَّ سنة مرتين، فتكسى أولاً الديباج قيمصًا يُدلى عليها يوم التروية ولا يُخاط، وتُترك الأُزُر حتى يذهبَ الحاج لئلاَّ يمزقوه فإذا كان يوم عاشوراء علّقوا عليها الإزار وأوصلوها بالقميصِ الديباج فلا يزالُ عليها إلى يوم السابع والعشرين من رمضان فتُكسى الكِسوة الثانية وهي من القَمَاطي.
فلما كانت خلافة المأمون أمر أن تُكسى الكعبةَ ثلاثً مراتٍ كل سنة، فتكسى الديباجَ الأحمرَ يوم التروية، وتكسى القماطي أول رجب، وتكسى الديباجَ الأبيضَ في عيد رمضان، ثم أمر أنْ تكسى إزارًا ءاخرَ على عيدِ رمضان. ثم بلغَ المتوكلَ على الله إنَّ الإزار يبلى قبل شهرِ رجب من كثرةِ مسّ أيادي الناس فزادها إزارًا، وأمر بإسبال قميصِ الديباجِ الأحمرِ إلى الأرض ثم جعل فوقَه في شهرين إزارًا، وذلك في سنة 240 للهجرة.
ثم بعد خلفاء بني العباس وأيام وَهْنِهِم وضعفهم كانت كِسوةُ الكعبةِ تارةً من قِبَل سلاطين مصر، وتارةً من قِبل سلاطين اليمن واستقرَّت الكسوة الشريفة بعد ذلك من سلاطينِ مصر إلى أنْ اشترى السلطانُ الملك الصالحُ قلاوون قريتيْنِ بمصر وأوقفهما على عملِ الكسوة واسمها "يَبْسُوس" و "سَنْدَبيس"؛ ثمَّ استمرتْ سلاطين مصر من بعدِه ترسل كسوةَ الكعبة في كلّ عام، وكانوا يرسلون عند تجدُّدِ كلّ سلطان مع كسوةِ الكعبةِ التي تُكسى من ظاهر البيت الشريف كسوةً حمراءَ لداخل البيت الشريف، وكسوةً خضراء للحجرة النبوية الشريفة على ساكنها أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم. فلما ءالت الخلافة إلى سلاطين بني عثمان جهَّز السلطانُ سليم خان كسوةَ الكعبة داخلاً وخارجًا، وكسوةَ المدينة على ما جرتْ به العادة، وأمر باستمرار الكسوة السوداءِ للكعبة الشريفة. ثمَّ إنَّ القريتيْنِ "يبسوس" و "سندبيس" خرِبَتَا وضعف ريعُهُما عن الوفاء بمصروف الكسوة، فأمر السلطان سليمان خان أن يكْمِلَ من الخزائن السلطانية بمصر، ثمَّ أضافَ إلى القريتينِ قرًى أخرى أوقَفَها على كسوةِ الكعبةِ فصار عامِرًا فائضًا مستمرًا.
نسألُ اللهَ العظيمَ أن يرزقَنا الحجّ وزيارةَ الكعبة المعظّمة

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 الصفحة التالية

الصفحة الرئيسية >