ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

خلقَ اللهُ تعالى الأرضَ وخصَّ منها مكَّة بأوَّل بيت وُضِع للناسِ مباركًا، وأضاف هذا البيت إلى نفسِه إضافةَ تشريف وسماه الكعبةَ.
وقد ذكر كثير من المؤرخين الإسلاميين تاريخَ مكة وبناء المسجد الحرام، ومن أشهر هؤلاء الأزرقيّ في مؤلَّفه "تاريخُ مكة" وقطب الدين النهروالي محمد بن أحمد المكي الحنفي وابن أخيه عبد الكريم الشهيرُ بالقطبي، وهو الذي اختصرَ كتاب عمّه قطب الدين "الإعلام بأعلام بيت الله الحرام" في مؤلَّفه "إعلام العلماءِ الأعلام ببناءِ المسجد الحرام" وغيرُهم كثير.

شاء اللهُ سبحانه وتعالى أنْ تكونَ مكَّةُ المكرمة هي البقعة المباركة التي بُعِثَ بها رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ودعا فيها بدعوة إخوانه الأنبياء من قبل إلى الإسلام دين التوحيد والتنزيه؛ وكان ءادم عليه السلام أولُ أنبياء الله تعالى قد بنى الكعبة المشرَّفة قبل بنائه بيتَ المقدس بأربعين عامًا.
وبلد الله الحرام مكة المكرمة بلدة كبيرة مستطيلة ذات شعاب، وأمَّا موضع الكعبة المعظمة فهو في وسط المسجد الحرام والذي يقع وسط جبلَي "جزل" و "أبي قبيس"؛ ويقال لهذين الجبلين "الأخشبان"، ويذكر الأزرقي أنَّ هذين الجبليْن يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى. أما جبل "جَزَل" فقد سُمي بعد ذلك قُعَيْعقان قبل أن يسمى اليوم جبل هندي بسبب سكنى الهنود فيه.
وتزيد عمارتها وتنقص بحسب الأزمان، وبحسب الولادة والأمن والخوف والغلاء والرخاء.

أسماء مكة

أمَّا أسماء مكَّة فكثيرة منها: مكَّة وبكَّة والبلدُ الأمين والقرية وأمُّ القرى وغيرها. وقد ألَّف مجد الدين الفيروز ءابادي صاحب "القاموس" رسالة في أسمائها سمَّاها "مهيج الغرام إلى البلد الحرام". وقال النووي:" لا يعرف في البلاد أكثر اسمًا من مكة والمدينة لكونهما أشرفَ الأرض". وجاء في كتاب "الوفا بما يجب لحصرة المصطفى" لعلي السمهودي ما نصُّهُ:" لا خلاف أنَّ البقعة التي ضمت أعضاء النبي صلى اللهُ عليه وسلم أفضل بقاع الأرض على الإطلاق حتى موضع الكعبة المعظَّمة". ثمَّ نقل عن تاج الدين الفاكهاني في كتابه "البدر المنير" قولَه:" وأقول أنا، وأفضل بقاع السموات أيضًا".

بناء الكعبة المعظَّمة

خلقَ اللهُ تعالى الكعبةَ المشرفة، وجعلها في وسطِ الأرض، وتعبَّدَ الناسَ بالطواف حولها، وقد قدمنا أنَّ أول من بناها كان نبيَّ الله ءادم عليه السلام، ثمَّ بناها بأمر الله تعالى إبراهيمُ عليه السلام وولده إسمعيل بعد أنْ كان أصابها الطوفانُ زمن نوح عليه السلام.
بناء إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام:
ذكر الأزرقيُّ أنَّ الخليل عليه السلام لما بنى البيتَ جعلَ طوله في السماء تسعة أذرع وجعل طولَه في الأرض من قِبَلِ وجه البيت الشريف إلى الركن الشامي اثنين وثلاثين ذراعًا، وجعل عرضه في الأرض من قِبَل الميزاب من الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعًا، وجعل طوله في الأرض من جانب ظهر البيت الشريف من الركن الغربي المذكور إلى الركن اليماني إلى الحجر الأسود عشرين ذراعًا، وجعل الباب لاصقًا بالأرض غيرَ مرتفعٍ عنها، حتى جعل لها تُبّعٌ الحميري بابًا وغَلَقًا بعد ذلك.
وكان إبراهيم عليه السلام يبني وإسمعيل عليه السلام ينقل له الأحجار، فلما ارتفعَ البنيان قرَّب له المقام فكان يقف عليه ويبني حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود، وهو ياقوتة بيضاءُ أهبطت مع ءادم عليه السلام حين أُهبط من الجنة، فأتاه جبريل عليه السلام وكان استودِع جبل أبي قبيس حين طوفان نوح عليه السلام فوضعه جبريلُ في مكانه ليكون عَلَمًا للناسِ يبتدِئون منه الطواف، وبنى عليه إبراهيمُ وهو حينئذٍ يتلألأ نورًا ويضيء شرقًا وغربًا وشامًا ويمنًا إلاَّ أنَّ خطايا الجاهلية وأرجاسَها سوَّدتْه.

الكعبة في الجاهلية

ثمَّ جدَّد قصي بن كلاب جَدّ النبي صلى اللهُ عليه وسلم بناءَ الكعبة، وقد ذكر الزبير بن بكار أنَّ قصي بن كلاب لما ولي أمر البيت جمع نفقة ثمَّ هدم الكعبة، فبناها بنيانًا لم يبنهِ أحد ممن بناها قبله.
وأمَّا بناء قريش فقد ذكر الحافظ الصالحيّ الشاميّ في كتابه "سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد": أنَّ امرأةَ عبد المطلب جمَّرت الكعبة بالبخور فطارت شرارة من مجمَرِها في ثيابِ الكعبة فاحترق أكثرُ خشبها، ودخلَها سيل عظيم فصدّع جدرانها فأُعيد بناؤها، حيث اقتسمت قريش جوانبَ البيت. وكان رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ينقل معهم الحجر، ثمَّ اختلفوا في من يجعل الحجر الأسود مكانَه، حتى اتفقوا على أنَّ أول داخل من باب الصفا يكون له ذلك، وكان أول داخل هو رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ، فلمَّا رأوه قالوا: هذا محمدٌّ الأمين. ورضوا حُكمَه، فقال صلى اللهُ عليه وسلم: هلمَّ إلي ثوبًا. فأتي به فأخذ الحجرَ الأسود فوضعه فيه بيدِه ثم قال: ليأخذْ كبير كلِّ قبيلة بطرفٍ من هذا الثوب، فحملوه جميعًا وأتوْا به ورفعوه إلى ما يحاذي موضعَه، فتناوله رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم ووضعه بيدِه الشريفة في محلّه.

ماء زمزم

أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أنْ يأتيَ بهاجر وولدها إسمعيل إلى مكة، فأتى بهما، وأمر هاجر أنْ تتخذَ عريشًا، ثمَّ انصرف فتبعته وسألته: ءالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا. ونفد ما كان معها من الماء، فعطشت وعطش ولدُها، فنظرت إلى الجبل فلم ترَ داعيًا ولا مُجيبًا، فصعِدت على الصفا، فلم تر أحدًا، ثم هبَطَت وعينُها على ولدها، حتى نزلتْ في الوادي، وغابت، فهرولت حتى صعِدت من الجانب الآخر، فرأته، واستمرت إلى أنْ صعِدت إلى المروة، فما رأت أحدًا، وفعلت ذلك سبعَ مرات، ثمَّ عادت إلى ولدِها، وقد نزلَ جبريل عليه السلام فضرب موضعَ زمزم بجناحه فنبع الماء، فبادرت هاجر إليهِ وحبستْه من السيلان كي لا يضيع الماء.
ولِمَاء زمزم من الشرف والخواصّ والمزايا ما لا يوجد لغيره من مياه الأرض، ففي المستدرك للحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا :" ماء زمزم لمَا شُرِبَ له". وقد فصّلت كتب الحديث والتاريخ فضائلَه.

تحلية الكعبة الشريفة بالذهب والفضَّة:


ذكر الأزرقيُّ في "تاريخ مكة" أنَّ أول من حلَّى الكعبةَ في الجاهليةِ عبد المطلب جدّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم بالغزالتين الذهب اللتين وجدَهما في بئر زمزم لمَّا حفرَها، وقال:" أول منْ ذهَّبَ البيتَ في الإسلام عبد الملك بنُ مروان". وذكر غيرُه ما يقتضي خلاف ذلك فقال المُسبِّحي:" أوَّل من حلَّى البيت عبد الله بن الزبير، جعل على الكعبة وأساطينِها صفائحَ الذهب، وجعل مفاتيحَها من الذهب". وذُكِرَ أنَّ الوليد بن عبد الملِك بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله بستة وثلاثين ألف دينار يضرب بها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى ميزاب الكعبة، وعلى الأساطين التي في جوف الكعبة، وعلى أركانها من الداخل".
وممَّن حلاها الأمين بن هارون الرشيد والمتوكل العباسي والمعتضد العباسي وأم المقتدر الخليفة العباسي. ومنهم أيضًا الملك المظفر الغسانيُّ صاحب اليمن، وحلاَّها حفيدُه، والملك المجاهد صاحبُ اليمن أيضًا، ثم الملك الناصر محمدُ بن قلاوون الصالحي صاحبُ مصر، الذي حلَّى بابَ الكعبة، كما حلاَّه حفيده الملك الأشرف شعبان في سنة 776هـ.
ويقول عبد الكريم القطبي في كتابه "إعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام": قال شيخُنا رحمه الله :" وقد أدركْنا الباب الشريف مصفّحًا بالفضّة، وكان يختلس من فضته أوقاتَ الغفلة من قَلَّ دينُه، إلى أنْ انكشَفَ أسفلُ الباب الشريف، وظهر الخشب، فعُرِضَ ذلك على السلطان خان في سنة 961هـ، فبرز الأمر السلطاني بتصفيح الباب الشريف بالفضة. وكان في البيت الشريف خشبة من أخشاب السقف قد انكسرت وصار الماء ينزل من موضع الكَسر في جوف البيت، وكان قاضي مصر يومئذ حامد أفندي، وقاضي مكة المشرفة محمدَ بن محمود فاطلعا على هذا الاختلال وعرضَا الأمر على السلطان سليمان الذي أرسله بدوره إلى المفتي أبي السعود يستفتيه في ذلك، فكتب له بجواز ذلك إنْ دعت الضرورةُ إليه، فأرسلَ بجواب المفتي إلى صاحب مصر إذ ذاك علي باشا ومنه إلى ناظر الحرم المكي أحمد حلبي المقاطعجي مع الحُكم السلطاني الذي مضمونه: العمل بمقتضى الفتوى. واجتمع العلماء للمشاورة، فذكر مصطفى المعمار أنَّه شاهد بالسقف الشريف عودين نزلا عن محاذاة بقية أخشاب السقف من وسطهما، وذكر أنَّ عودًا ثالثًا إلى جانبهما لنحو الباب الشريف، وأنَّه يُحتمل أنْ يكونَ مكسورًا أيضًا، وأكَّد الكثيرون أنَّه إن لم يتدارك تغيير الخشب المذكور بخشب صحيح سقط إلى أسفل وتتزعزع الجدران، وشرع العمال في العمل، ولما كشفوا عن تلك الأعواد وجدوها مكسورة، فأبدلوها بأعواد جيدة في غاية الإحكام والاستقامة، وأعادوا السقف والسطح كما كان بغاية الإتقان. ثمَّ إنَّ السلطان سليمان خان لما فرغ من تحديد سطح البيت وما يتعلق به، شرع في تسوية فرش المطاف الشريف بعد أنْ انفصلت أحجاره وصار بين كل حجرين حُفَر، فأزال ما بين الأحجار من الحُفَر، وألصق طرف الحجر بطرف الحجر الآخر، واستمر على هذا الأسلوب إلى أنْ فرغَ من ذلك، وأصلح أبواب المسجدِ الشريف وفرشَ أرضَه كلَّها بالحصى، ثم صُفّح الباب الشريف بالفضة، وسُمّرت الصفائح بمسامير الفضة وأُصلح الميزاب وصَفَّحه بالفضَّة المموهَّة بالذهب إلى أنْ غُيّر بعد ذلك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 الصفحة التالية
الصفحة الرئيسية >