ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

مِنَ الواجباتِ القلبيّةِ الإيمانُ باللهِ وبما جاءَ عَنِ اللهِ، والإيمانُ برسولِ اللهِ وبما جاءَ عَن رسولِ اللهِ.

الشرح: أن هناك واجباتٍ هى من واجبات القلب، كما أن هناك معاصِىَ هى من معاصِى القلب. والقلبُ سريعُ التَّقَلُّبِ، فينبغِى على الشخص أن يراقبَ قلبَهُ فى تقلبَاتِهِ حتَى يستمرَ قلبُهُ على الحالِ التِى تُرضِى اللهَ تبارك وتعالى. فإن الأمر هو كما قال النبىُّ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ فى البدنِ مُضغةً إذا صَلَحَت صلَحَ الجسَدُ كُلُّه وإذا فَسَدَت فَسدَ الجسدُ كلُّه أَلاَ وهِىَ القلب" والحديث رواه مسلم. فمن واجباتِ القلبِ الإيمانُ بالله وبالرسولِ عليه الصلاة والسلام، بل هذا أصلُ الواجبات، أى الاعتقاد الجازم من غيِر شكٍ بوجودِ الله تبارك وتعالى وَوَحْدَانِيَتِهِ، وأنه عزّ وجلّ موجودٌ لا يُشبِهُ الموجودات، موجودٌ بلا كمية وبلا كيفية وبلا مكان. والاعتقادُ الجازمُ بأنَّ محمّداً عليه الصلاة والسلام مرسَلٌ من ربّه إلى كلِّ الإنسِ والجن ليبلّـِغَهُم عن الله عزّ وجلّ. وهذا يستلزمُ الإيمانَ بكلِّ ما جاء عن الله وبكلِ ما جاء عن رسولِ الله r   ، أى بالقرءان وبما قاله رسول الله r    مُـبَلّـِغـاً عن ربّـِه.

والإخلاصُ وهوَ العملُ بالطاعةِ للهِ وحْدَهُ.

الشرح: أن من أعمالِ القلوبِ الواجبةِ الإخلاصَ لله تبارك وتعالى فى العمل. ومعنى ذلك أن لا يقصدَ بعملِه محمَدَةَ الناس. ليس معنى ذلك أن لا يَشْعُرَ قلبُه بالسرور فيما لو مدحَهُ الناس على عَمَلٍ حَسَن، لأن الإنسان مَجْبُولٌ على الفَرَح فيما لو مُدِحَ. إنما الخطر أن يعملَ العمَل وقَصْدُه من ذلك أن يمدَحَهُ الناس وينظروا إليه بعينِ الإجلال، فإنه فى هذه الحال واقع فى ذنبٍ من الذنوبِ الكبيرةِ. ومِن عُظْمِ هذا الذنب شبَّهَهُ الرسولُ r    بالشرك. وقد قال الله عزّ وجلّ: {فَمَنْ كان يَرْجُو لقاءَ ربّـِه فليعملْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِك بعبادَةِ ربّـِه أحداً} فمعنى: {ولا يشركْ بعبادة ربه أحداً} أى أن لا يُرائِى أى أن لا يقصد بعبادتِه محمَدَة الناس. فليس المقصودُ بهذه الآية الشركَ الأكبر، إنما المقصود الرياء، لأن الذى يقصِدُ بفعلِ الطاعةِ رضا إنسان من البشر يكون فعلُه شبيهاً بالذى يعبُدُ غيرَ الله، ولذلك شَبَّهَهُ رسول الله r    فى حديث ابن حبان بالشرك بقوله "اتقوا الرياء فإنه الشرك الأصغر" ولم يقصد أنه كفر.

والندمُ على المعاصِى.

الشرح: أن من الواجبات القلبية التوبةَ من المعاصِى إن كانت كبيرةً وإن كانت صغيرةً. والركنُ الأعظمُ من أركانِ التوبة هو الندم، لذلك جاء فى الحديثِ: "النَّدَمُ تَوبَة". ليس معناه أن الندمَ وحدَه كافٍ لحصولِ التوبة، إنما معناه الركنُ الأعظم فى التوبةِ هو الندم على المعصية. والحديث رواه الترمذىّ. ويجب أن يكون الندمُ لأنه عصى الله ليس لأجلِ الفضيحةِ بين الناس مثلاً. يعنى مَنْ نَدِمَ فقال: أنا كيف فعلتُ هذا الأمر أنا الآن أنفضِحُ بين الناس فكان هذا كُلَّ ما شَغَلَ بالَهُ، أى ما كان ندمه لأجل أنه عصى ربه فهذا لا يكون نَدَماً مُعْتَبَراً فى التوبة.

والتوكُّلُ على اللهِ.

الشرح: أن التوكُّلَ على اللهِ معناهُ الاعتمادُ على الله، يعنى ثقةَ القلبِ بالله أنه لا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا الله، لا أحد يَضُرُّكَ بشىءٍ لم يُرِدْهُ الله ولا أحد ينفعُكَ بشىء لم يَكْتُبْهُ اللهُ لك، فيكون اعتمادُ الشخص فى قلبه على الله فى أمورِ الرزق والسلامةِ من الآفَاتِ وما شابه ذلك.

والمراقبةُ للهِ.

الشرح: أن مِنْ واجباتِ القلبِ المراقبةَ للهِ، يعنى أن يَستَدِيمَ الشخصُ فى قلبِهِ خوفَ اللهِ عزّ وجلّ على نحوٍ يمنَعُهُ من إهمالِ الواجب أو إتيانِ المُحَرَّم. ومما يساعد على هذا أن يستحضِرَ الشخصُ فى مختلف أحواله أنَّ الله يراه وأنَّ اللهَ عالِمٌ به. بعضُ السلَفِ لما كان صغيراً جداً أحدُ أقاربِهِ من أكابرِ الأولياء نصحَهُ أن يردِد: (اللهُ يرانِى اللهُ عالمٌ بى)، قال: فَرَدَّدتُهَا سَنَة، ثم بعد سنة قال لى: الذى يَعْلَمُ أن الله يراهُ وأن الله عالمٌ به هل يعصِيهِ؟ لا تعْصِ الله طَرْفَةَ عين. قال فانتفعت بذلك انتفاعاً عظيماً إهـ. (وكان عمرُهُ أقل من سبع سنوات عند ذلك!!).

قال المؤلف رحمه الله: والرِضا عن اللهِ بمعنَى التسليمِ له وتركِ الاعتراضِ.

الشرح: أنه يجب على المكلفِ أن يرضَى عن الله أى أن لا يعترض على الله لا باطناً ولا ظاهراً. فيرضى عن الله عزّ وجلّ فى تقديره سبحانه للخير والشر. وفى تقديره سبحانه للحُلوِ والمر والسَّهْلِ والحَزَن وللراحة والألم، فلا يعترضُ على الله فى أى شأنٍ من ذلك. والذى يجب أن يَرضَى به العبدُ تقديرُ الله. أما المقْدُورُ أى ما يحصُلُ بتقديرِ الله من الشرور فلا يجبُ أن يرضى به بل ينكِرُهُ.

وتَعظيمُ شعائِرِ اللهِ.

الشرح: أنه يجبُ أن يُعظّـِمَ الإنسان أعلامَ الدين. وأعلام الدين هى شعائرُ الدين فالأمور المشهورة بأنها من الدين يجبُ تعظيمُهَا، مثل الأذان والحج والوقوف بعرفة وما شابَه ذلك. فيحرُمُ عليه أن يَستَهِينَ بشىءٍ منهَا.

والشُكْرُ على نِعَمِ اللهِ بمعنَى عَدَمِ استعمالِهَا فِى مَعْصِيَةٍ.

الشرح: أن الشكرَ قسمان شُكرٌ واجب وشكرٌ مندوب. أما الواجب فهو بأن لا يستعمِلَ نعمةَ الله فى معصيةِ الله. ليس الشكرُ الواجبُ مُجَرَّدَ أن يقولَ الإنسانُ بلسانه الشكرُ لله أو الحمدُ لله. فلو قال بلسانه عشرة ءالاف مرة فى اليوم الشكر لله ثم هو يستعمل يدَه فى معصيةِ الله ورجلَهُ فى معصية الله ولسانَه فى معصية الله، هذا لا يكون شاكراً لله عزّ وجلّ الشكرَ الواجب. إنما الشكرُ الواجبُ أن لا تستعملَ نعمةَ الله فى معصيته. وأما الشكرُ المسنون فهو مِثْلُ أن تدعُوَ لمن أحسَنَ إليك.

والصبرُ على أَدَاءِ ما أَمَرَ اللهُ، والصبُر عما حَرَّمَ اللهُ، وعلى ما ابتلاكَ اللهُ بِهِ.

الشرح: أن من واجباتِ القلب الصَّبْرَ. والصبرُ ثلاثةُ أنواع:

-صبرٌ على أداءِ الواجب، لأن الإنسانَ يَشُقُّ عليه فى بعضِ الأحيان أداءُ الواجب فيحتاجُ إلى الصبر حتى يَتَحَمَّلَ هذه المشقة. كما لما يتوضأُ الإنسان بالماء البارد فى الصبيحةِ الباردة ليصلىَ الصبح، فإنه يحتاجُ إلى الصبر فى هذه الحال.

-والنوع الثانى الصبرُ عن المعصية أى أن يَكُفَّ نفسَهُ عن معصيةِ الله مع أن نفسَه تدعوه إلى ذلك. فى هذه الحال يحتاجُ إلى الصبر. كأن كان فى ضِيقِ عَيش وحالِ فَقر وعَرَفَ أنه يستطيعُ أن يحصّل مالاً كثيراً من طريقٍ حرام فدعته نفسه إلى ذلك فامتنع لله تعالى مُؤْثِراً شدة الفَقرِ على أكل ما حرَّم الله. فإن هذا يحتاج إلى صبرٍ بلا شك.

-والنوعُ الثالثُ هو الصبرُ على البلاء، فلا يَجُرُّه البلاءُ إلى معصيةِ اللهِ. مثالُ ذلك أن يتعرَّضَ من مسلمٍ ءاخَرَ للإيذاء وللإهانة كُلَّ يوم وهو يعرف أنه لو قَتَلَ ذلك الشخص يرتاحُ من هذه الإهانات المتكررة. هنا يحتاجُ أن يصبرَ على هذا البلاء حتى لا يقعَ فيما حرَّم الله عزّ وجلّ. بعضُ الناس إذا ابتُـلُوا لا يصبرون حتى إنهم قد يكفرون. لما يَظْهَر الدّجال يحصُلُ ضيق شديد للمسلمين، يحصل بين المسلمين مجاعة، أما مَنْ تَبِعَ الدجال فإن أَرْضَهُم تُنْبِت والسماءَ تُمطِرُ عليهم، فإذا لم يُعَوّد الإنسان نفسَه على الصبر على البلاء قد يكفر إذا صار فى مثل تلك الحال. نسأل الله أن يحفَظَنَا.

فائدة: قال رسول الله قال الله تعالى: "ما لعبدِى عندى إذا قبضتُ خَلِيلَهُ أو صَفِيَّهُ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ ذلكَ عِنْدِى من جزاءٍ إلا الجنة" أى من غير عذاب، وفى رواية: "وما لعبدى المؤمن". رواه الترمذىّ.

وبغضُ الشيطان.

الشرح: أنه يجب على المكلفينَ بغضُ الشيطان لأن الله تبارك وتعالى قال: {فاتّخِذُوه عَدُوًّا} . والشيطانُ هو الكافرُ من الجن، وجَدُّهُم الأعلى ورئيسُهُم هو إبليس.

وبغضُ المعاصِى.

الشرح: أن من واجباتِ القلبِ بغضَ المعاصِى سواءٌ صدرت منَ الشخصِ أو من غيرِه فى حضرَتِهِ أو فى غَيبَتِهِ. أى إذا عَلِمَ بمعصيةٍ من المعاصى لا بد أن يَكْرَهَهَا بقلبِهِ.

ومحبةُ اللهِ ومحبةُ كلامِهِ ورسولِه والصحابةِ والآلِ والصالحين.

الشرح: أنه يجب على المكلفِ مَحَبةُ اللهِ عزّ وجلّ، يعنِى محبةَ التعظيمِ التى تليقُ بالله عزّ وجلّ. وكذلك يجب محبةُ كلامِ الله عزّ وجلّ أى القرءان، أى بتعظيمِهِ التعظيمَ اللائقَ به. ويجبُ محبةُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، أى تعظيمُ الرسولِ r    على ما يليقُ به، بالإيمانِ به واعتقادِ أنَّه عليه الصلاة والسلام أفضلُ رُسُلِ اللهِ عزّ وجلّ، من غيرِ الغُلُوّ فى ذلك ومجاوزَةِ الحدّ المطلوبِ شرعاً أى من غيرِ وصفِه عليه الصلاة والسلام بما لا يجوز أن يوصَفَ به. كما فعل بعضُ الناس فإنهم بالغوا فى تعظيمِ النبىّ r    حتى قالوا بأنه يَعْلَمُ كلَّ ما يعلمُهُ اللهُ عزّ وجلّ وهذا كفر. وكذلك يجبُ محبةُ كلامِ الرسولِ r لأن هذا تابعٌ لتعظيمِ النبىّ r . يُروَى عن مالكٍ رضى الله عنه أنه كان إذا أتاه طلاّبُ الحديث الذين يطلبون تعلُّمَ حديثِ رسولِ الله r وسماعَهُ منه، كان يتوضأُ ويلبَسُ مِن أحسنِ الثيابِ ويتطيبُ ويأمرُ بالعُودِ أو ما شابه من البَخُورَات أن يوضَع فى المجلس، ثم تُطْرَحُ له وِسَادة فيقعُدُ عليها ساكناً عليه الوقارُ والهيبةُ. فلا يتحركُ ولا يتنحنحُ ما دام حديثُ رسولِ الله r    يُقْرَأُ عليه إجلالاً لحديث النبىّ ومحبةً فيه.

كذلك يجب محبةُ الصحابة. والصحابىُّ هو مَن لَقِىَ النبىَّ r على سبيلِ العادةِ مُصَدِّقاً به ثم مات على ذلك. فالأنبياءُ الذين صَلَّوْا خلفَ النبىّ r ليلةَ الإسراءِ لا يُعَدُّون من صحابتِهِ لأن لقياهم له ما كان على الطريق المعتاد بل كان بطريق خَرقِ العادة. فيجب محبةُ الصحابةِ لأنهم أنصارُ دينِ الله عزّ وجلّ، لا سيما السابقونَ الأولونَ منهم من المهاجرين والأنصار. كذلك يجبُ محبةُ ءالِ النبىّ r   . والآل يُطْلَقُ بأكثرَ من معنًى. إن أُرِيدَ بالآلِ الأتباعُ الأتقياء فتجبُ محبتُهُم لأننا مأمورون بمحبةِ الصالحينَ، و قولنا فى الصلاة: (السلام علينا وعلى عبادِ الله الصالحين) فهذا إشارة إلى تعظيمهم ووجوبِ محبَّتِهِم. وإن أُرِيدَ بالآلِ أَقْرِبَاءُ الرسول عليه الصلاة والسلام فهؤلاء أيضاً تجبُ محبتُهُم. أزواجُه وأقرباؤه المؤمنون تجب محبتهم لِمَا خُصُّوا به من الفضلِ. أليس ربنا عزّ وجلّ قال: { إنما يُريدُ اللهُ ليُذهِبَ عَنْكُم الرّجْسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِرَكُم تَطْهِيراً} بعضُ العلماءِ قال الرجسُ معناه الشرك، وبعضُ العلماءِ قال: معناهُ العذاب. ثم إن رسول الله بَـيَّن ذلك فقال: "تركتُ فيكم شَيئَينِ ما إنْ تَمَسَّكْتُم بهِمَا فلَن تَضِلُّوا أبداً: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِى أَهْلَ بَيْتِى"، معنى ذلك أن علماءَ أهلِ البيت النَبَوىّ يكونون متمسكين بسنةِ النبىّ وبمنهاجه.

الصفحة الرئيسية >