ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

الْوَاحِدُ

الشَّرْحُ: أَنَّ الْوَاحِدَ مَعْنَاهُ الَّذِى لاَ شَرِيكَ لَهُ أَىِ الَّذِى لاَ أَحَدَ يُشَارِكُهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ. لَيْسَ الْوَاحِدُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَدَدِ، لأَنَّ الْعَدَدَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. إِذَا قُلْنَا هَذَا إِنْسَانٌ وَاحِدٌ ثُمَّ ضَمَمْنَا إِلَيْهِ ءَاخَرَ مِثْلَهُ فَقَدْ صَارَا اثْنَيْنِ. لَمَّا نَقُولُ وَاحِدٌ عَنْ إِنْسَانٌ فَهُنَاكَ أُنَاسٌ ءَاخَرُونَ كَثِيرُونَ مِثْلُهُ يُشَارِكُونَهُ فِى الإِنْسَانِيَّةِ، أَمَّا لَمَّا نَقُولُ عَنِ اللهِ وَاحِدٌ مَعْنَاهُ الَّذِى لاَ شَرِيكَ لَهُ، كَمَا شَرَحَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ فِى كِتَابِهِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ، قَالَ: وَاللهُ تَعَالَى وَاحِدٌ لاَ مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ إهـ.

الأَحَدُ

الشَّرْحُ: قَالَ بَعْضُهُمُ الأَحَدُ  بِمَعْنَى الْوَاحِدِ. وَقَالَ عُلَمَاءُ ءَاخَرُونَ الأَحَدُ مَعْنَاهُ الَّذِى لاَ يَقْبَلُ الانْقِسَامَ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ جِسْماً مِثْلَنَا. لِذَلِكَ لاَ يَقْبَلُ الانْقِسَامَ، لأَنَّ الَّذِى يَقْبَلُ الانْقِسَامَ هُوَ الْجِسْمُ وَالْجِسْمُ مَخْلُوقٌ. وَاللهُ خَالِقٌ لَيْسَ مَخْلُوقاً، لِذَلِكَ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ.

الأَوَّلُ الْقَدِيمُ

الشَّرْحُ: أَنَّ الأَوَّلَ وَالْقَدِيمَ بِمَعنـًى، أَىْ مَا لَيْسَ لِوُجُودِهِ ابْتِدَاءٌ، أَىْ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ. وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الأَوَّلُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وُكُلُّ مَا سِوَى اللهِ لِوُجُودِهِ ابْتِدَاءٌ. وَهَذَا الأَمْرُ مِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنِ اعْتَقَدَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ مُسْلِماً.

الْحَىُّ الْقَيُّومُ

الشَّرْحُ: أَنَّ هَذَا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

الدَّائِمُ

الشَّرْحُ: أَىِ الَّذِى لَيْسَ لِوُجُودِهِ انْتِهَاءٌ، لأَنّ وُجَودَهُ لَوْ كَانَ يَقْبَلُ النّـِهَايَةَ لَكَانَ مَخْلُوقاً لَهُ بِدَايَةٌ.

الْخَالِقُ

الشَّرْحُ: أَىِ الَّذِى أَبْرَزَ كُلَّ شَىءٍ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَلَيْسَ شَىْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وُجِدَ إِلاَّ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. الْعَبْدُ وَفِعْلُ الْعَبْدِ بِخَلْقِ اللهِ. نَحْنُ وَأَصْوَاتُنَا وَحَرَكَاتُنَا وَسَكَنَاتُنَا وَأَفْكَارُنَا وَسَمْعُنَا وَبَصَرُنَا وَتَقَلُّبُ قُلُوبِنَا وَمَشِيئَتُنَا، كُلُّ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَالْعَبْدُ لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً أَىْ لاَ يُبْرِزُ شَيْئاً مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، إِنَّمَا الْعَبْدُ يَكْتَسِبُ عَمَلَهُ اكْتِسَاباً وَاللهُ يَخْلُقُهُ. وَكَذَلِكَ الأَسْبَابُ الْعَادِيَّةُ لاَ تَخْلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا أَىْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا، يَعْنِى أَنَّ النَّارَ لا تَخْلُقُ الإِحْرَاقَ، وَالسّـِكِينَ لاَ تَخْلُقُ الْقَطْعَ، والخُبْزَ لاَ يَخْلُقُ الشّـِبَعَ، وَالْمَاءَ لاَ يَخْلُقُ الرِّىَّ، وَالشَّمْسَ لاَ تَخْلُقُ الدِّفْءَ، إِنَّمَا هَذِهِ أَسْبَابٌ وَالْخَالِقُ هُوَ اللهُ. لَمَّا تُلاَمِسُ النَّارُ الشَّىْءَ الَّذِى يَحْتَرِقُ اللهُ يَخْلُقُ الاحْتِرَاقَ فِى هَذَا الشَّىءِ فَيَحْتَرِقُ، وَلَوْ لَمْ يَشَإِ اللهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْلُقْهُ لَمْ يَحْتَرِقْ ذَلِكَ الْجِسْمُ. وَذَلِكَ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيّـِدِنَا إِبْرَْهِيمَ إِذْ رُمِىَ فِى النَّارِ فَلَمْ تُحْرِقْهُ النَّارُ، وَذَلِكَ لأَنَّ اللهَ مَا خَلَقَ الإِحْرَاقَ فِيهَا وَلاَ الاحْتِرَاقَ فِى إِبْرَْهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. وَهَذِهِ الْمَسْئَلَةُ أَيْضاً مِنْ أُصُولِ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ مَنِ اعْتَقَدَ بِخِلاَفِهَا لاَ يَكُونُ مُسْلِماً، يَعْنِى مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ أَحَداً يُشَارِكُ اللهَ فِى الْخَالِقِيَّةِ لاَ يَكُونُ مُسْلِماً، وَلَوِ ادَّعَى الإِسْلاَمَ.

الرَّازِقُ

الشَّرْحُ: أَنَّ الرَّازِقَ مَعْنَاهُ الَّذِى يُوصِلُ الرِّزْقَ إِلَى عِبَادِهِ. وَالرِّزْقُ هُوَ كُلُّ مَا يَنْفَعُ حَلاَلاً كَانَ أَو حَرَاماً.

الْعَالِمُ

الشَّرْحُ: أَىِ الَّذِى يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ. فيَعْلَمُ اللهُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ حُصُولِهَا.

الْقَدِيرُ

الشَّرْحُ: أَىِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَلاَ يُعْجِزُهُ شَىْءٌ.

الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ

الشَّرْحُ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا أَرَادَ اللهُ فِى الأَزَلِ حُصُولَهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ فِى الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حُصُولَهُ فِيهِ، وَمَا لَمْ يُردِ اللهُ حُصُولَهُ لاَ يَحْصُلُ أَبَداً، وَلَوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ مَا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ لاَ يَضُرُّوكَ بِهِ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ مَا كَتَبَهُ اللهُ لَكَ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ، فَلاَ تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ وَلاَ تَسْكُنُ فِى هَذَا الْعَالَمِ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ رَبِـّنَا عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا كَذَلِكَ مِنْ أُصُولِ عَقِيدَةِ الإِسْلاَمِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَ الطَّبَرىّ و غيرهما أَحاديثَ عَدِيدةً عَن رَسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الأَمْرَ فَهُوَ كَافِرٌ.

الَّذِى لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِهِ

الشَّرْحُ: أَنَّ "لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ" ذِكْرٌ عَلَّمَنَاهُ رَسُولُ اللهِ r ، وَهُوَ يَعْنِى أَنَّهُ لاَ حَوْلَ أَىْ لاَ تَحَوُّلَ وَلاَ ابْتِعَادَ عَنْ مَعْصِيِةِ اللهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللهِ وَلاَ قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلاَّ بِعَوْنِ اللهِ. هَكَذَا فَسَّرَهَا رَسُولُ اللهِ r كَمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى المُوْصِلِىُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.

الْمَوصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ، الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقّـِهِ

الشَّرْحُ: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللاَّئِقَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا "اللاَّئِقَةِ بِهِ" لأَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ وَلاَ يَلِيقُ بِالْخَالِقِ، وَذَلِكَ كَشِدَّةِ الذَّكَاءِ، وَقُوَّةِ العَقْلِ، وَقُوَّةِ البَدَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ صِفَاتٌ هِىَ فِى حَقِّ الْمَخْلُوقِ صِفَاتُ كَمَالٍ وَلاَ يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ الْخَالِقُ بِهَا. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقّـِهِ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَالْجِسْمِ وَاللوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ. لِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الإِسْلاَمِ بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ، لأَنَّ الْمَوْجُودَ فِى مَكَانٍ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ، وَكُلُّ مَا لَهُ حَدٌّ مُحْتَاجٌ إِلى مَنْ خَصَّهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ لاَ يَكُونُ إِلَــهاً، فَلِذَلِكَ اللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَعَنِ الْجِهَاتِ، فَلاَ نَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ، وَلاَ نَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ فِى جِهَةِ فَوْق، وَلاَ نَقُولُ اللهُ مَوْجُودٌ فِى كُلِّ مَكَانٍ، إِنَّمَا نَقُولُ اللهُ مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ الْمَوْجُودَاتِ، مَوْجُودٌ بِلاَ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. مَعْنَاهُ لاَ شَىْءَ يُشْبِهُ اللهَ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ المِصْرِىُّ: مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ إهـ. فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ مَا فِى الأَرْضِ وَكُلِّ مَا فِى السَّمَاءِ، كُلِّ الأَجْسَامِ اللطِيفَةِ وَكُلِّ الأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ، اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَتِهَا بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَذُو النُّونِ الْمِصْرِىُّ هُوَ ثَوْبَانُ بنُ إِبْرَْهِيمَ، شُهِرَ بِذِى النُّونِ. وَهُوَ أَصْلاً نُوبِىٌّ، عَاشَ فِى مِصْرَ مُنْذُ نَحْوِ أَلْفٍ وَمِائَتَىْ سَنَةٍ. كَانَ مِنْ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ مَشَاهِيرِ أَهْلِ التَّقْوَى.

فَهُوَ الْقَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ وَهُوَ الْخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ

الشَّرْحُ: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الأَزَلِىُّ الَّذِى لاَ ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ. وَمَعْنَى الْحَادِثِ الَّذِى لَمْ يَكُنْ مَوْجُوداً ثُمَّ وُجِدَ أَىْ لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ. وَكُلُّ حَادِثٍ إِنَّمَا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ حَادِثٌ خَلَقَهُ اللهُ، سَوَاءٌ فِى ذَلِكَ النَّوْعُ وَالأَفْرَادُ، وَسَوَاءٌ فِى ذَلِكَ الأَجْسَامُ وَالأَعْمَالُ، والجَوَاهِرُ وَالأَعْرَاضُ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ مَخْلُوقٌ. وَهَذَا أَيْضاً مِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ الإِسْلاَمِ. فَإِذَا اعْتَقَدَ إِنْسَانٌ أَنَّ شَيْئاً غَيْرَ اللهِ لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ، كَالَّذِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّ نَوْعَ الْعَالَمِ أَزَلِىٌّ لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ، مِنْ مُتَأَخِرِى الْفَلاَسِفَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ كأَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَةَ. قَالَ الزَّرْكَشِىُّ فِى أَمْثَالِ هَؤُلاَءِ: كُفَّارٌ بِالإِجْمَـاعِ إهـ. ذَكَرَهُ فِى كِتَابِهِ تَشْنِيفِ المَسَامِعِ.

فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ مِنَ الذَّرَةِ إِلَى الْعَرْشِ وَمِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللهِ، لاَ طَبِيعَةٌ وَلاَ عِلَّةٌ، بَلْ دُخُولُهُ فِى الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ

الشَّرْحُ: أَنَّ طَبِيعَةَ الشَّىْءِ خَوَاصُّهُ وَصِفَاتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُرَادُ بِهَا الْعَادَةُ، فَطَبِيعَةُ النَّارِ الإِحْرَاقُ، وَطَبِيعَةُ الثَّلْجِ الْبُرُودَةُ وَهكَذا وَالْعِلَّةُ مِثْلُ السَّبَبِ. الْعِلَّةُ مِثْلُ مَا إِذَا كَانَ فِى إِصْبَعِكَ خَاتَمٌ ثُمَّ حَرَّكْتَ إِصْبَعَكَ، فَتَحْرِيكُ الإِصْبَعِ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ. فَلاَ الطَّبِيعَةُ وَلاَ الْعِلَّةُ خَالِقَةٌ لِشَىْءٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، إِنَّمَا الْخَالِقُ اللهُ.

لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: {وخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ} (1) أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. فَلاَ خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ} (2) . قَالَ النَّسَفِىُّ فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجاً بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ وَالْكَسْرُ وَالانْكِسَارُ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِلاَّ الْكَسْبُ وَأَمَّا الْخَلْقُ فَلَيْسَ لِغَيْرِ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (3)

الشَّرْحُ: أَنَّ هَذِهِ هِىَ عَقِيدَةُ أَهْلِ الْحَقِّ. الْعَبْدُ مَخْلُوقٌ وَفِعْلُهُ مَخْلُوقٌ، الْعَبْدُ لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا. إِنَّمَا اللهُ هُوَ الَّذِى يَخْلُقُ أَفْعَالَ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ يَكْتَسِبُ فِعْلَهُ اكْتِسَابًا. فَإِذَا أَخَذَ إِنْسَانٌ حَجَراً مِنَ الأَرْضِ وَرَمَى بِهِ زُجَاجاً فَكَسَرَهُ، فَالْكَسْرُ الَّذِى هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَالانْكِسَارُ الَّذِى هُوَ يَحْصُلُ فِى الزُّجَاجِ كِلاَهُمَا بِخَلْقِ اللهِ. وقَصْدُ الْعَبْدِ لِذَلِكَ بِخَلْقِ اللهِ، وَالْيَدُ بِخَلْقِ اللهِ، وَالْحَجَرُ بِخَلْقِ اللهِ. فَكُلُّ مَا يَحْصُلُ يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللهِ، حَتَّى أَعْمَالُ القُلُوبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ r : "إِنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَــْــنِ يُقَلّـِبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ". لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ الإِصْبَعَ الْجَارِحَةَ الَّذِى نَحْنُ نَعْرِفُهُ، إِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ تَحْتَ قَبْضَةِ اللهِ وَتَصَرُّفِهِ. فاللهُ تَعَالَى هُوَ يُقَلّـِبُ هَذِهِ القُلُوبَ إِنْ شَاءَ ثَبَّتَهَا عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهَا. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمَا. فَالذِينَ خَالَفُوا فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ وَزَعَموا أَنَّ الْعِبَادَ يَخْلُقُونَ أَعْمَالَهُمُ الاخْتِيَارِيَّةَ هُم مُكَذِّبونَ لِلْقُرْءَانِ وَلِلْحَدِيثِ. لِذَلِكَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِهِم. فَالْمَاتُرِيدِىُّ كَفَّرَهُمْ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا -يَعْنِى الأَشَاعِرَةَ- عَلَى تَكْفِيرِهِمْ. وَ  قَبْلَهُمَا نَصَّ عَلىكُفْرِهِمْ عِدَّةٌ مِنْ أَكَابِرِ السَّلَفِ، وَقَبْلَهُمْ رَسُولُ اللهِ r وَفِى قَولِهِ كِفَايَةٌ. وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْكَلاَمِ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ، بَلْ الْعَبْدُ لَهُ اخْتِيَارٌ لَكِنَّ اخْتِيَارَهُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ. اِخْتِيَارُهُ لاَ يَصِلُ إِلَى حَدِّ أَنْ يَخْلُقَ هُوَ فِعْلَهُ إِنَّمَا اخْتِيَارُهُ نَفْسُهُ مَخْلُوقٌ وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ.

وَكَلاَمُهُ قَدِيمٌ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ وَالصّـِفَاتِ وَالأَفْعَالِ. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيراً

الشَّرْحُ: أَنَّ كَلامَ اللهِ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ لاَ ابْتِدَاءَ لَهُ كَسَائِرِ صِفَاتِ اللهِ. لَيْسَ هُوَ شَيْئاً لَهُ ابْتِدَاءٌ، وَلاَ هُوَ شَىْءٌ لَهُ نِهَايَةٌ، وَلاَ هُوَ شَىْءٌ مُتَقَطّـِعٌ يَحْدُثُ دُفْعَةً بَعْدَ دُفْعَةً. لَيْسَ هُوَ صَوْتاً وَلاَ حَرْفاً وَلاَ لُغَةً، إِنَّمَا هُوَ كَلاَمٌ لاَ يُشْبِهُ كَلاَمَ الْخَلْقِ. وَيُسَمَّى هَذَا الْكَلاَمُ الْقُرْءَانَ، وَيُطْلَقُ الْقُرْءَانُ أَيْضاً عَلَى اللفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى سَيّـِدِنَا مُحَمَّدٍ r . وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ مَخْلُوقَةٌ وَبِاللغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. لَكِنْ لأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلاَمِ الذَّاتِىِّ أَىْ تَدُلُّ عَلَى الْكَلاَمِ الذَّاتِىِّ يُقَالُ عَنْهَا أَيْضاً كَلاَمُ اللهِ، وَهِىَ لاَ شَكَّ مَخْلُوقَةٌ. وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَتَبَ شَخْصٌ لَفْظَ الْجَلاَلَةِ [الله] وَقِيلَ لَهُ مَا هَذَا؟ يَقُولُ الله، وَلاَ يَعْنِى بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللفْظَ هُوَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسُ الَّذِى نَعْبُدُهُ. إِنَّمَا هَذَا اللفْظُ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسِ أَىْ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُقَدَّسِ الَّذِى نَعْبُدُهُ. وَكَذَلِكَ اللفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيّـِدِنَا مُحَمَّدٍ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلاَمِ الذَّاتِىِّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفاً وَلاَ صَوْتاً. كُلٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلاَمُ اللهِ، وَكُلٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ إِنْسَانٌ أَنَّ كَلاَمَ اللهِ الذَّاتِىَّ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ وَسَمِعَهُ سَيّـِدُنَا مُوسَى لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الْلُّغَاتِ. هَذَا ضَلاَلٌ لأَنَّ فِيهِ تَشْبِيهاً للهِ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَاللهُ مُبَايِنٌ أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِلْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ وَفِى الصّـِفَاتِ وَفِى الأَفْعَالِ، يَعْنَى لاَ ذَاتُهُ يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ صِفَاتُهُ تُشْبِهُ صِفَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ فِعْلُه يُشْبِهُ فِعْلَ الْخَلْقِ. وَهُوَ مُتَعَالٍ أَىْ مُنَزَّهٌ عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ أَىِ الْكَافِرُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. لَمَّا نَقُولُ عَنِ اللهِ [سُبْحَانَهُ] يَعْنِى نُنَزِّهُ اللهَ، و[تَعَالَى] يِعْنِى نُؤَكّـِدُ هَذَا التَّنْزِيهَ عَنْ كُلِّ صِفَاتِ النَّقْصِ.

فَيَتَلَخَّصُ مِنْ مَعْنَى مَا مَضَى إِثْبَاتُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ صِفَةً للهِ تَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِى الْقُرْءَانِ إِمَّا لَفْظاً وَإِمَّا مَعْنًى كَثِيراً. وَهِىَ: الْوُجُودُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ وَالْقِدَمُ أَىِ الأَزَلِيَّةُ وَالْبَقَاءُ وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ وَالْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْعِلْمُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلاَمُ وَتَنَزُّهُهُ عَنِ الْمُشَابَهَةِ لِلْحَادِثِ. فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصّـِفَاتُ ذِكْرُهَا كَثِيراً فِى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا وُجُوباً عَيْنِيّاً

الشَّرْحُ: أَنَّ هُنَاكَ صِفَاتٍ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ كَثِيراً. الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ يُكَلّـِمُ النَّاسَ عَنْهَا كَثِيراً إِمَّا بِالنَّصِّ وَإِمَّا بِالْمَعْنَى. وَمِنْ هَذَا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الصّـِفَاتِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْرِفَهَا. وَهِىَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ صِفَةً. وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صِفَاتِ اللهِ مُنْحَصِرَةٌ فِى ثَلاَثَ عَشْرَةَ صِفَةً، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ مِنْ بَيْنِ صِفَاتِ اللهِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ صِفَةً يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا كُلُّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لاَ سِيَّمَا مِنَ الْمُتَأَخّـِرِينَ، مِثْلِ السَّـنُوسِىِّ مُؤَلّـِفِ الْعَقِيدَةِ السَّنُوسِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْفَضَالِىِّ وَالشَّرنُوبِىِّ الْمَالِكِيَّيْنِ وَغَيْرِهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَمِمَّنْ عَدَّدَ هَذِهِ الصّـِفَاتِ نَصّاً وَبَيَّنَ وُجُوبَ مَعْرِفَتِهَا الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضاً، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ السَّلَفِ كَمَا لا يَخْـفَى، ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْفِقَهِ الأَكْبَرِ.

وَالصّـِفَةُ الأُولَى مِنْ هَذِهِ الصّـِفَاتِ هِىَ الْوُجُودُ: أَىْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ لاَ يُشْبِهُ الْمَوجُودَاتِ، مَوْجُودٌ بِغَيْرِ بِدَايَةٍ وَبِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَبِغَيْرِ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفِى اللهِ شَكٌّ}، يَعْنِى لاَ شَكَّ فِى وُجُودِ اللهِ.

الصّـِفَةُ الثَّانِيَةُ الْوَحْدَانِيَّةُ: أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ، لاَ ذَاتُهُ يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ صِفَاتُهُ تُشْبِهُ صِفَاتِ الْخَلْقِ وَلاَ فِعْلُهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا}، أَىْ لَوْ كَانَ لَهُمَا-أَىْ لِلسَّمَاءِ وَالأَرْضِ-ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا. [فِى] هُنَا بِمَعْنَى اللاَّمِ.

الثَّالِثَةُ الْقِدَمُ: أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ.

الرَّابِعَةُ الْبَقَاءُ: أَىْ أَنَّ اللهَ لاَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فَنَاءٌ وَلاَ عَدَمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الأّوَّلُ وَالآخِرُ}، الأَوَّلُ يَعْنِى الَّذِى لَمْ يَسْبِقْ وُجودَهُ عَدَمٌ وَالآخِرُ مَعْنَاهُ الَّذِى لاَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فَنَاءٌ.

الْخَامِسَةُ الْقِيَامُ بِالنَّفْسِ: يَعْنَى أَنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ سِوَاهُ. كَمَا قَالَ رَبُّنَا: {فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

السَّادِسَةُ الْقُدْرَةُ: أَىْ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ لاَ يُعْجِزُهُ شَىْءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

السَّابِعَةُ الإِرَادَةُ: فَكُلُّ مَا شَاءَ اللهُ وُجُودَهُ لاَ بُدَّ أَنْ يُوْجَدَ فِى الْوَقْتِ الَّذِى شَاءَ اللهُ وُجُودَهُ فِيهِ. وَكُلُّ مَا لَمْ يَشَأْ وُجُودَهُ لاَ يُوْجَدُ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

الثَّامِنَةُ الْعِلْمُ: فَاللهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا: {وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْماً}.

التَّاسِعَةُ السَّمْعُ: أَىْ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ مِنْ غَيْرِ أُذُنٍ وَلاَ ءَالَةٍ أُخْرَى، ومِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى{إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

العَاشِرَةُ البَصَرُ: أَىْ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرَى كُلَّ المُبْصَرَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى ضَوْءٍ وَلاَ حَدَقَةٍ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْحَيَاةُ: وَهِىَ حَيَاةٌ لاَ تُشْبِهُ حَيَاتَنَا، حَيَاةٌ لَيْسَ لَهَا بِدَايَةٌ وَلاَ نِهَايَةٌ. وَلَيْسَتْ هِىَ حَيَاةٌ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ، إِنَّمَا هِىَ صِفَةٌ لاَئِقَةٌ بِاللهِ لَيْسَتْ كَحَيَاتِنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللهُ لاَ إِلَــْــهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ}.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْكَلاَمُ: وَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا كَلاَمٌ لاَ يُشْبِهُ كَلاَمَنَا، لَيْسَ حَرْفاً وَلاَ صَوْتاً وَلاَ لُغَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً}.

الصّـِفَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمُشَابَهَةِ لِلْحَادِثِ: فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ اللهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، لأَنَّ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى خَالِقٍ. فَلَوْ كَانَ اللهُ مَوْصُوفاً بِهَذِهِ الصّـِفَاتِ لَكَانَ مُحْتَاجاً إِلَى خَالِقٍ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الآيةُ الْمُحْكَمَةُ الْجَامِعَةُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ}.

فَلَمَّا ثَبَتَتِ الأَزَلِيَّةُ لِذَاتِ اللهِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً لأَنَّ حُدُوثَ الصّـِفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الذَّاتِ

الشَّرْحُ: أَنَّ مَا كَانَ مَوْصُوفاً بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَادِثاً، لِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ مَوْصُوفاً بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ. بَعْضُ الْمُشَبّـِهَةِ مِنْ فَسَادِ عُقُولِهِمْ يَقُولُونُ اللهُ يَتَكَلَّمُ مِثْلَنَا بِكَلاَمٍ هُوَ حَرْفٌ وَصَوْتٌ وَهَذَا كُفْرٌ، لأَنَّ فِيهِ تَشْبِيهَ اللهِ بِخَلْقِهِ. ثُمَّ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُونَ وَكَلاَمُهُ أَزَلِىٌّ لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ فَيُنَاقِضُونَ أَنْفُسَهُمْ. هَؤُلاَءِ لاَ عُقُولَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لأَنَّهُ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْحِسِّ أَنَّ الْحَرْفَ مَخْلُوقٌ وَالصَّوْتَ مَخْلُوقٌ. إِذَا قُلْتَ (بِسْمِ) فَقَدْ تَلَفَّظْتَ بِالْبَاءِ قَبْلَ السّـِينِ وَبِالسّـِينِ قَبْلَ الْمِيمِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ شَكَّ هُوَ مَخْلُوقٌ. فَكَيْفَ يَقُولُونَ بَعْدَ هَذَا إِنَّ اللهَ مَوْصُوفٌ بِالحُرُوفِ وَ الأَصْوَاتِ؟ ثُمَّ يَزِيدُونَ فَيَقُولُونَ إِنَّها أَزَلِيَّةٌ لاَ ابْتَدَاءَ لَهَا!! هَذَا كَلاَمٌ فَاسِدٌ بِلاَ شَكٍّ. لَمَّا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ أَنَّ ذَاتَ اللهِ تَعَالَى أَزَلِىٌّ لاَ ابْتِدَاءَ لَهُ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً لاَ ابْتِدَاءَ لَهَا. قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ  رَضِىَ اللهُ عَنْهُ فِى كِتَابِهِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: وَصِفَاتُهُ تَعَالَى فِى الأَزَلِ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ وَلاَ مَخْلُوقَةٍ. وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْدَثَةٌ أَوْ مَخْلُوقَةٌ أَوْ وَقَفَ فِيهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاللهِ تَعَالَى. إهـ.

 

سورة الفرقان، ءاية 2. (1)

سورة فاطر، ءاية 3. (2)

سورة البقرة، ءاية 286. (3)

الصفحة الرئيسية >