|
خراب المدينة
وفي ءاخر الزمان ينزوي الإيمان الى المدينة المنورة كما تنزوي الحية الى جحرها أي الى وكرها ، لأن ءاخر قرية من قرى الإسلام تخرب هي المدينة كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي و اِبْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ .
قال النووي :قَالَ الْقَاضِي عياض : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهُوَ يَأْرِز إِلَى الْمَدِينَة ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَان أَوَّلًا وَآخِرًا بِهَذِهِ الصِّفَة لِأَنَّهُ فِي أَوَّل الْإِسْلَام كَانَ كُلّ مَنْ خَلَصَ إِيمَانه وَصَحَّ إِسْلَامه أَتَى الْمَدِينَة , إِمَّا مُهَاجِرًا مُسْتَوْطِنًا , وَإِمَّا مُتَشَوِّقًا إِلَى رُؤْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُتَعَلِّمًا مِنْهُ وَمُتَقَرِّبًا ثُمَّ بَعْدَهُ هَكَذَا فِي زَمَن الْخُلَفَاء كَذَلِكَ , وَلِأَخْذِ سِيرَة الْعَدْل مِنْهُمْ وَالِاقْتِدَاء بِجُمْهُورِ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ فِيهَا ثُمَّ مَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ كَانُوا سُرُج الْوَقْت وَأَئِمَّة الْهُدَى لِأَخْذِ السُّنَن الْمُنْتَشِرَة بِهَا عَنْهُمْ فَكَانَ كُلّ ثَابِت الْإِيمَان مُنْشَرِح الصَّدْر بِهِ يَرْحَل إِلَيْهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلّ وَقْت إِلَى زَمَاننَا لِزِيَارَةِ قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَرُّك بِمَشَاهِدِهِ وَآثَاره وَآثَار أَصْحَابه الْكِرَام فَلَا يَأْتِيهَا إِلَّا مُؤْمِن هَذَا كَلَام الْقَاضِي .ا.هـ
قال الحافظ ابن حجر : قَوْله : ( كَمَا تَأْرِز الْحَيَّة إِلَى جُحْرهَا ) أَيْ إِنَّهَا كَمَا تَنْتَشِر مِنْ جُحْرهَا فِي طَلَب مَا تَعِيش بِهِ فَإِذَا رَاعَهَا شَيْء رَجَعَتْ إِلَى جُحْرهَا كَذَلِكَ الْإِيمَان اِنْتَشَرَ فِي الْمَدِينَة , وَكُلّ مُؤْمِن لَهُ مِنْ نَفْسه سَائِق إِلَى الْمَدِينَة لِمَحَبَّتِهِ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَشْمَل ذَلِكَ جَمِيع الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ , وَفِي زَمَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعهمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ , وَمِنْ بَعْد ذَلِكَ لِزِيَارَةِ قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّلَاة فِي مَسْجِده وَالتَّبَرُّك بِمُشَاهَدَةِ آثَاره وَآثَار أَصْحَابه. ا.هـ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ- يَنْضَمّ وَيَجْتَمِع- بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ- أَيْ مَسْجِدَيْ مَكَّة وَالْمَدِينَة- كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا- ثُقْبِهَا- رواه مسلم .
قال النووي : قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فِي قَوْله ( غَرِيبًا ) رَوَى اِبْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْمَدِينَة وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ بِهَا غَرِيبًا وَسَيَعُودُ إِلَيْهَا . قَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِر الْحَدِيث الْعُمُوم وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ فِي آحَاد مِنْ النَّاس وَقِلَّة ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْص وَالْإِخْلَال حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا فِي آحَاد وَقِلَّة أَيْضًا كَمَا بَدَأَ. ا.هـ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ . رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد
وفي رواية ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قَالَ قِيلَ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ قَالَ النُّزَّاعُ مِنْ الْقَبَائِلِ .
وفي شرح سنن ابن ماجه للسندي قَوْله ( قَالَ النُّزَّاع ) ضُبِطَ بِضَمٍّ فَتَشْدِيد قِيلَ هُوَ جَمْع نَزِيع وَنَازِع وَهُوَ الْغَرِيب الَّذِي أَنَزَعَ عَنْ أَهْله وَعَشِيرَته أَيْ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ الْأَوْطَان لِإِقَامَةِ سُنَن الْإِسْلَام وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُمْ أَهْل الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم.
وفي رواية أحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَ ( طُوبَى ) فُعْلَى مِنْ الطِّيب . قَالَهُ الْفَرَّاء قَالَ : وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْوَاو لِضَمَّةِ الطَّاء . قَالَ : وَفِيهَا لُغَتَانِ تَقُول الْعَرَب ( طُوبَاك ) وَ ( طُوبَى لَك ) . وَأَمَّا مَعْنَى ( طُوبَى ) فَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْن مَآب } فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَرَح وَقُرَّة عَيْن . وَقَالَ عِكْرِمَة : نِعْمَ مَا لَهُمْ . وَقَالَ الضَّحَّاك : غِبْطَة لَهُمْ . وَقَالَ قَتَادَةُ : حُسْنَى لَهُمْ . وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا مَعْنَاهُ أَصَابُوا خَيْرًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيم : خَيْر لَهُمْ وَكَرَامَة : وَقَالَ اِبْن عَجْلَان : دَوَام الْخَيْر . وَقِيلَ : الْجَنَّة . وَقِيلَ : شَجَرَة فِي الْجَنَّة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَلَة فِي الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم. ا.هـ كلام النووي
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُحَازَنَّ الْإِيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الْإِسْلَامُ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا . رواه أحمد
عَنِ ابْنٍ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الْإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا . رواه أحمد
روى الترمذي وابن ماجه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ- وَهُوَ اِسْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا فِي الْبِلَادِ- كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ - أَيْ وَاللَّهِ لَيَعْتَصِمَن - الدِّينُ مِنْ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ- الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْزِ الْجَبَلِيِّ - مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
( وَيَرْجِعُ غَرِيبًا ) أَيْ كَمَا بَدَأَ يَعْنِي أَهْلُ الدِّينِ فِي الْأَوَّلِ كَانُوا غُرَبَاءَ يُنْكِرُهُمْ النَّاسُ وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ , هَكَذَا فِي الْآخِرِ .
( لِلْغُرَبَاءِ ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْأَذَى وهُمْ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ سُنَّتِهِ , كَمَا وَرَدَ مُفَسَّرًا فِي الحَدِيثِ . وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ رِسَالَةً سَمَّاهَا " كَشْفَ الْكُرْبَةِ فِي وَصْفِ حَالِ أَهْلِ الْغُرْبَةِ ", وَقَدْ طُبِعَتْ بِمِصْرَ وَشَاعَتْ .
( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ) أَيْ يَعْمَلُونَ بِهَا وَيُظْهِرُونَهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ .
وأما بعد هبوب الريح التي تقبض روح كل مسلم بزمان وقبل قيام الساعة فتخرب المدينة وهي آخر قرى الإسلام خرابًا. قَالَ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ- أَيْ عَلَى أَحْسَن حَال كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْل- لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ - يَصِيحَانِ- بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا- يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش -حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ - وثَنِيَّةُ الوَداعِ بِالمَدينَةِ سُمَّيَتْ لأُنَّ مَنْ سافَرَ إلى مَكَّةَ كانَ يُوَدَّعُ ثَمَّ وَيشَيَّعُ إليها-خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِم- أَيْ سَقَطَا مَيِّتَيْنِ , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا أَيْ سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا , وَهُوَ الْمَلَك كما سيأتي والمعنى أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى-. رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ للبخاري . قَالَ أَبَو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَدِينَةِ لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ . رواه مسلم وأحمد
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الْعَصَا وَفِي الْمَسْجِدِ أَقْنَاءٌ مُعَلَّقَةٌ فِيهَا قِنْوٌ فِيهِ حَشَفٌ فَغَمَزَ الْقِنْوَ بِالْعَصَا الَّتِي فِي يَدِهِ قَالَ لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لَيَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَتَدَعُنَّهَا أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي . قَالَ فَقُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ يَعْنِي الطَّيْرَ وَالسِّبَاعَ قَالَ وَكُنَّا نَقُولُ إِنَّ هَذَا لَلَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَجَمُ هِيَ الْكَرَاكِيُّ رواه أحمد .
قال النووي: وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالظَّاهِر الْمُخْتَار : أَنَّ هَذَا التَّرْك لِلْمَدِينَةِ يَكُون فِي آخِر الزَّمَان , عِنْد قِيَام السَّاعَة , وَتُوَضِّحهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ مِنْ مُزَيْنَة فَإِنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا حِين تُدْرِكهُمَا السَّاعَة , وَهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ. ا.هـ
قال الحافظ ابن حجر: قُلْت : وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى مَالِك عَنْ اِبْن حَمَاس بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيف عَنْ عَمّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُل الذِّئْب فَيَعْوِي عَلَى بَعْض سَوَارِي الْمَسْجِد أَوْ عَلَى الْمِنْبَر . قَالُوا : فَلِمَنْ تَكُون ثِمَارهَا ؟ قَالَ : لِلْعَوَافِي الطَّيْر وَالسِّبَاع " أَخْرَجَهُ مَعْن بْن عِيسَى فِي " الْمُوَطَّأ " عَنْ مَالِك وَرَوَاهُ جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات خَارِج الْمُوَطَّإ , وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَد وَالْحَاكِم وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث مِحْجَن بْن الْأَدْرَع الْأَسْلَمِيّ قَالَ " بَعَثَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ , ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِج مِنْ بَعْض طُرُق الْمَدِينَة فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَة فَقَالَ : وَيْلَ أُمّهَا قَرْيَة يَوْم يَدَعهَا أَهْلهَا كَأَيْنَع مَا يَكُون . قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ يَأْكُل ثِمَارهَا ؟ قَالَ : عَافِيَة الطَّيْر وَالسِّبَاع " . وَرَوَى عُمَر بْن شَبَّة بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ عَوْف بْن مَالِك قَالَ " دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِد ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا وَاللَّه لَيَدَعَنَّهَا أَهْلهَا مُذَلَّلَة أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي , أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي ؟ الطَّيْر وَالسِّبَاع " .ا.هـ
وَفِي رِوَايَة لِلْعُقَيْلِيِّ " أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَان " , وَلَهُ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْنِ أُسَيْد " أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاس فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى بَنِي فُلَان , فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ : نَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة , فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا , فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيع فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاع وَالثَّعَالِب ".
وروى عُمَر بْن شَبَّة فِي " أَخْبَار الْمَدِينَة " مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ رَجُل مِنْ أَشْجَع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا قَالَ " آخِر مَنْ يُحْشَر رَجُلَانِ رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَآخَر مِنْ جُهَيْنَة , فَيَقُولَانِ : أَيْنَ النَّاس ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَة فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِب , فَيَنْزِل إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوههمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ ".
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |