|
خروج النار
عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ . رواه مسلم
روى مسلم وغيره عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُرْفَةٍ وَنَحْنُ أَسْفَلَ مِنْهُ فَاطَّلَعَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا تَذْكُرُونَ قُلْنَا السَّاعَةَ قَالَ إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ وَدَابَّةُ الْأَرْضِ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ قَالَ شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و قَالَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَاشِرَةِ نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و قَالَ الْآخَرُ وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ و حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُرْفَةٍ وَنَحْنُ تَحْتَهَا نَتَحَدَّثُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسِبُهُ قَالَ تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا . قال النووي في شرح صحيح مسلم : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ الْيَمَن تَطْرُد النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ ) وَفِي رِوَايَة ( نَار تَخْرُج مِنْ قُعْرَة عَدَن ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول : ( قُعْرَة ) بِالْهَاءِ وَالْقَاف مَضْمُومَة , وَمَعْنَاهُ مِنْ أَقْصَى قَعْر أَرْض عَدَن , وَعَدَن مَدِينَة مَعْرُوفَة مَشْهُورَة بِالْيَمَنِ . قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : سُمِّيَتْ عَدَنًا مِنْ الْعُدُون , وَهِيَ الْإِقَامَة ; لِأَنَّ تُبَّعًا كَانَ يَحْبِس فِيهَا أَصْحَاب الْجَرَائِم , وَهَذِهِ النَّار الْخَارِجَة مِنْ قَعْر عَدَن وَالْيَمَن هِيَ الْحَاشِرَة لِلنَّاسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث . ا.هـ
وقال النووي في شرح صحيح مسلم : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَرْحَل النَّاس ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَإِسْكَان الرَّاء وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَة الْمُخَفَّفَة , هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ , وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور , وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَتهمْ , وَمَعْنَاهُ تَأْخُذهُمْ بِالرَّحِيلِ , وَتُزْعِجهُمْ , وَيَجْعَلُونَ يَرْحَلُونَ قُدَّامهَا , وَقَدْ سَبَقَ شَرْح رَحْلهَا النَّاس وَحَشْرهَا إِيَّاهُمْ.ا.هـ
روى الترمذي عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ . قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي : قَوْلُهُ : ( سَتَخْرُجُ نَارٌ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ .( مِنْ حَضْرَمَوْت ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحَتَيْنِ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ . فَفِي الْقَامُوسِ : حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ , وَيُقَالُ هَذَا حَضْرَمَوْتُ , وَيُضَافُ فَيُقَالُ حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ , وَإِنْ شِئْت لَا تُنَوِّنْ الثَّانِيَ . ( تَحْشُرُ النَّاسَ ) أَيْ تَجْمَعُهُمْ النَّارُ وَتَسُوقُهُمْ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ( فَمَا تَأْمُرُنَا ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ( فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ) أَيْ خُذُوا طَرِيقَهَا وَالْزَمُوا فَرِيقَهَا . فَإِنَّهَا سَالِمَةٌ مِنْ وُصُولِ النَّارِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ لِحِفْظِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ إِيَّاهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ ) أَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ اِبْنِ أَسِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْخَسْفِ , وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا " أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ " . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبَصْرَى " , وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .ا.هـ روى أحمد وأبو داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ . وفي لفظ " سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة وَتَنْحَاز النَّاس إِلَى مَهَاجِر إِبْرَاهِيم وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْض إِلَّا شِرَارهَا تَلْفِظهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ . وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود: قوله:( هِجْرَة بَعْد هِجْرَة ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْهِجْرَة الثَّانِيَة الْهِجْرَة إِلَى الشَّام يُرَغِّبُهَا فِي الْقِيَام بِهَا وَهِيَ مُهَاجَر إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِمَا وَسَلَّمَ ( مُهَاجَر إِبْرَاهِيم ) : بِفَتْحِ الْجِيم وَهُوَ الشَّام ( تَلْفِظهُمْ ) : بِكَسْرِ الْفَاء أَيْ تَقْذِفهُمْ وَتَرْمِيهِمْ , يُقَال قَدْ لَفَظَ الشَّيْء لَفْظًا إِذَا رَمَاهُ ( أَرْضُوهُمْ ) : جَمْع أَرْض ( تَقْذَرُهُمْ ) : بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ تَكْرَههُمْ ( نَفْس اللَّه ) : بِسُكُونِ الْفَاء أَيْ ذَاته تَعَالَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَأْوِيله أَنَّ اللَّه يَكْرَه خُرُوجهمْ إِلَيْهَا وَمُقَامهمْ بِهَا فَلَا يُوَفِّقهُمْ لِذَلِكَ فَصَارُوا بِالرَّدِّ وَعَدَم الْقَبُول فِي مَعْنَى الشَّيْء الَّذِي تَقْذُرهُ نَفْس الْإِنْسَان , وَذِكْر النَّفْس هَهُنَا مَجَاز وَاتِّسَاع فِي الْكَلَام وَهَذَا شَبِيه بِمَعْنَى قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّه اِنْبِعَاثهمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ } اِنْتَهَى . قَالَ فِي النِّهَايَة : يُقَال قَذَرْت الشَّيْء أَقْذُرهُ إِذَا كَرِهْته وَاجْتَنَبْته اِنْتَهَى ( وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير ) : أَيْ تَجْمَعهُمْ وَتَسُوقهُمْ النَّار فَيَفِرُّونَ هَؤُلَاءِ وَالشِّرَار مَخَافَة النَّار مَعَ الْبَهَائِم مِنْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَالنَّار لَا تُفَارِقهُمْ بِحَالٍ . وَلَيْسَ هَذَا حَشْر يَوْم الْقِيَامَة وَإِلَّا قِيلَ تَحْشُر شِرَار أَهْلهَا إِلَى النَّار وَلَا يُقَال تَحْشُرهُمْ النَّار , وَلِقَوْلِهِ فِي بَعْض الرِّوَايَات تَقِيل مَعَهُمْ , فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّار لَيْسَتْ حَقِيقَة بَلْ نَار الْفِتْنَة , وَهَذِهِ الْقَيْلُولَة وَالْبَيْتُوتَة هِيَ الْمُرَادَة فِي قَوْله سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة إِلَى قَوْله تَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة تَبِيت مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا اِنْتَهَى كَلَام الطِّيبِيّ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ا.هـ وفي صحيح البخاري : بَاب خُرُوجِ النَّارِ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ . قال الحافظ : قَوْله ( بَاب خُرُوج النَّار ) أَيْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَاز
روى البخاري واحمد – واللفظ للبخاري- عن أَنَس أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَالَ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَجَاءَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ قَالَ هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
في صحيح البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى قَوْله ( حَتَّى تَخْرُج نَار مِنْ أَرْض الْحِجَاز ) قال الحافظ ابن حجر في الفتح : قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " التَّذْكِرَة " : قَدْ خَرَجَتْ نَار بِالْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ , وَكَانَ بَدْؤُهَا زَلْزَلَة عَظِيمَة فِي لَيْلَة الْأَرْبِعَاء بَعْدَ الْعَتَمَة الثَّالِث مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى ضُحَى النَّهَار يَوْمَ الْجُمُعَة فَسَكَنَتْ , وَظَهَرَتْ النَّار بِقُرَيْظَةَ بِطَرَفِ الْحِرَّة تَرَى فِي صُورَة الْبَلَد الْعَظِيم عَلَيْهَا سُوَر مُحِيط عَلَيْهِ شَرَارِيف وَأَبْرَاج وَمَآذِن , وَتَرَى رِجَال يَقُودُونَهَا , لَا تَمُرّ عَلَى جَبَل إِلَّا دَكَّتْهُ وَأَذَابَتْهُ , وَيَخْرُج مِنْ مَجْمُوع ذَلِكَ مِثْل النَّهَر أَحْمَر وَأَزْرَق لَهُ دَوِيّ كَدَوِيِّ الرَّعْد يَأْخُذ الصُّخُور بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْتَهِي إِلَى مَحَطّ الرَّكْب الْعِرَاقِيّ , وَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ رَدْم صَارَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيم , فَانْتَهَتْ النَّار إِلَى قُرْب الْمَدِينَة , وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي الْمَدِينَة نَسِيم بَارِد , وَشُوهِدَ لِهَذِهِ النَّار غَلَيَان كَغَلَيَانِ الْبَحْر , وَقَالَ لِي بَعْض أَصْحَابنَا : رَأَيْتهَا صَاعِدَة فِي الْهَوَاء مِنْ نَحْو خَمْسَة أَيَّام , وَسَمِعْت أَنَّهَا رُؤِيَتْ مِنْ مَكَّة وَمِنْ جِبَال بُصْرَى . وَقَالَ النَّوَوِيّ : تَوَاتَرَ الْعِلْم بِخُرُوجِ هَذِهِ النَّار عِنْدَ جَمِيع أَهْل الشَّام . وَقَالَ أَبُو شَامَة فِي " ذَيْل الرَّوْضَتَيْنِ " : وَرَدَتْ فِي أَوَائِل شَعْبَان سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ كَتَبَ مِنْ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فِيهَا شَرْح أَمْر عَظِيم حَدَثَ بِهَا فِيهِ تَصْدِيق لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْض مَنْ أَثِق بِهِ مِمَّنْ شَاهَدَهَا أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَتَبَ بِتَيْمَاء عَلَى ضَوْئِهَا الْكُتُب , فَمِنْ الْكُتُب . . فَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض الْكُتُب : ظَهَرَ فِي أَوَّل جُمْعَة مِنْ جُمَادَى الْآخِرَة فِي شَرْقَيْ الْمَدِينَة نَار عَظِيمَة بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَة نِصْف يَوْم اِنْفَجَرَتْ مِنْ الْأَرْض وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ مِنْ نَار حَتَّى حَاذَى جَبَل أُحُد . وَفِي كِتَاب آخَر : اِنْبَجَسَتْ الْأَرْض مِنْ الْحِرَّة بِنَارٍ عَظِيمَة يَكُون قَدْرهَا مِثْل مَسْجِد الْمَدِينَة وَهِيَ بِرَأْيِ الْعَيْن مِنْ الْمَدِينَة , وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ يَكُون مِقْدَاره أَرْبَع فَرَاسِخ وَعَرْضه أَرْبَع أَمْيَال يَجْرِي عَلَى وَجْه الْأَرْض وَيَخْرُج مِنْهُ مِهَاد وَجِبَال صِغَار . وَفِي كِتَاب آخَر : ظَهَرَ ضَوْؤُهَا إِلَى أَنْ رَأَوْهَا مِنْ مَكَّة , قَالَ وَلَا أَقْدِر أَصِف عِظَمَهَا , وَلَهَا دَوِيّ . قَالَ أَبُو شَامَة : وَنَظَمَ النَّاس فِي هَذَا أَشْعَارًا , وَدَامَ أَمْرهَا أَشْهُرًا , ثُمَّ خَمَدَتْ .
وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ النَّار الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب هِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَة كَمَا فَهِمَهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره , وَأَمَّا النَّار الَّتِي تَحْشُر النَّاس فَنَار أُخْرَى . وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْض بِلَاد الْحِجَاز فِي الْجَاهِلِيَّة نَحْو هَذِهِ النَّار الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَة فِي زَمَن خَالِد بْن سِنَان الْعَبْسِيّ , فَقَامَ فِي أَمْرهَا حَتَّى أَخْمَدَهَا وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِصَّة لَهُ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى فِي " كِتَاب الْجَمَاجِم " وَأَوْرَدَهَا الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرَك " مِنْ طَرِيق يَعْلَى بْن مَهْدِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ أَبِي يُونُس عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْس يُقَال لَهُ خَالِد بْن سِنَان قَالَ لِقَوْمِهِ إِنِّي أُطْفِي عَنْكُمْ نَار الْحِدْثَان فَذَكَرَ الْقِصَّة وَفِيهَا فَانْطَلَقَ وَهِيَ تَخْرُج مِنْ شَقّ جَبَل مِنْ حَرَّة يُقَال لَهَا حَرَّة أَشْجَع فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي دُخُوله الشَّقّ وَالنَّار كَأَنَّهَا جَبَل سَقَر " فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ حَتَّى أَدْخَلَهَا وَخَرَجَ " وَقَدْ أَوْرَدْت لِهَذِهِ الْقِصَّة طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَته فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَة .ا.هـ كلام الحافظ
قَوْله ( تُضِيء أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى ) قال الحافظ ابن حجر في الفتح : قَالَ اِبْن التِّين : يَعْنِي مِنْ آخِرهَا يَبْلُغ ضَوْؤُهَا إِلَى الْإِبِل الَّتِي تَكُون بِبُصْرَى وَهِيَ مِنْ أَرْض الشَّام " وَأَضَاءَ يَجِيء لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا , يُقَال أَضَاءَتْ النَّار وَأَضَاءَتْ النَّار غَيْرهَا " وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة مَقْصُور بَلَد بِالشَّامِ وَهِيَ حَوْرَان . وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : أَعْنَاق بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ تُضِيء مُتَعَدٍّ وَالْفَاعِل النَّار أَيْ تَجْعَل عَلَى أَعْنَاق الْإِبِل ضَوْءًا , قَالَ : وَلَوْ رَوَى بِالرَّفْعِ لَكَانَ مُتَّجِهًا أَيْ تُضِيء أَعْنَاق الْإِبِل بِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث آخَر " أَضَاءَتْ لَهُ قُصُور الشَّام " وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة مِنْ وَجْه آخَر أَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ فِي الْكَامِل مِنْ طَرِيق عُمَر بْن سَعِيد التَّنُوخِيّ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَرْفَعهُ " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَسِيل وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة الْحِجَاز بِالنَّارِ تُضِيء لَهُ أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى " وَعُمَر ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَلَيَّنَهُ اِبْن عَدِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَهَذَا يَنْطَبِق عَلَى النَّار الْمَذْكُورَة الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمِائَة السَّابِعَة . وَأَخْرَجَ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِر حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الَّذِي مَضَى التَّنْبِيه عَلَيْهِ " وَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَخْرُج نَار مِنْ رُومَان أَوْ رَكُوبَة تُضِيء مِنْهَا أَعْنَاق الْإِبِل بِبُصْرَى " . قُلْت : وَرَكُوبَة ثَنِيَّة صَعْبَة الْمُرْتَقَى فِي طَرِيق الْمَدِينَة إِلَى الشَّام مَرَّ بِهَا النَّبِيّ فِي غَزْوَة تَبُوك ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ , وَرُومَان لَمْ يَذْكُرهُ الْبَكْرِيّ وَلَعَلَّ الْمُرَاد رُومَة الْبِئْر الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ , فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيْنَ النَّارَيْنِ وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَقَع قَبْلَ قِيَام السَّاعَة مَعَ جُمْلَة الْأُمُور الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يَعْقُبهَا قِيَام السَّاعَة بِغَيْرِ تَخَلُّل شَيْء آخَر , وَتَقَدُّم الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى فِي الذِّكْر لَا يَضُرّ وَاَللَّه أَعْلَم . ا.هـ كلام الحافظ
روى أحمد والحاكم عَنْ رَافِعِ بْنِ بِشْرٍ هُوَ أَبُو بِشْرٍ السُّلَمِيِّ
عَنْ أَبِيهِ وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير رافع وهو ثقة.
وروى الحاكم عن أبي البداح بن عاصم الأنصاري، عن أبيه أنه قال:سألنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حدثان ما قدم. فقال: (أين حبس سيل؟) قلنا: لا ندري. فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ فقال: من حبس سيل. فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقلت:يا رسول الله، سألتنا عن حبس سيل، وإنه لم يكن لنا به علم، وإنه مر بي هذا الرجل، فسألته، فزعم أن به أهله.فسأله رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: (أين أهلك؟).قال: بحبس سيل.فقال: (أخر أهلك، فإنه يوشك أن تخرج منه نار، تضيء أعناق الإبل ببصرى). هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: ( تُبْعَثُ نَارٌ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمُغْرِبِ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَيَكُون لَهَا مَا سَقَطَ مِنْهُمْ وَتَخَلَّفَ تَسُوقُهُمْ سَوْقَ الْجَمَلِ الْكَسِيرِ). قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال الحافظ ابن حجر : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْحَشْر الْجَمْعُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ : حَشْرَانِ فِي الدُّنْيَا وَحَشْرَانِ فِي الْآخِرَة فَاَلَّذِي فِي الدُّنْيَا أَحَدُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ) وَالثَّانِي الْحَشْرُ الْمَذْكُور فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ رَفَعَهُ " إِنَّ السَّاعَة لَنْ تَقُوم حَتَّى تَرَوْا قَبْلهَا عَشْر آيَات " فَذَكَرَهُ وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى مَرْفُوعًا " تَخْرُج نَار قَبْل يَوْم الْقِيَامَة مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوق النَّاس " الْحَدِيثَ وَفِيهِ " فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ " وَفِي لَفْظٍ آخَر " ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ قَعْرِ عَدَن تُرَحِّلُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ " . قُلْت : وَفِي حَدِيث أَنَس فِي مَسَائِل عَبْد اللَّه بْن سَلَام لَمَّا أَسْلَمَ " أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ " وَقَدْ قَدَّمْت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي " بَابٌ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا " وَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الْحَاكِم رَفَعَهُ " تُبْعَثُ نَارٌ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمُغْرِبِ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَيَكُون لَهَا مَا سَقَطَ مِنْهُمْ وَتَخَلَّفَ تَسُوقُهُمْ سَوْقَ الْجَمَلِ الْكَسِيرِ " وَقَدْ أَشْكَلَ الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَخْبَار وَظَهَرَ لِي فِي وَجْه الْجَمْع أَنَّ كَوْنهَا تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن لَا يُنَافِي حَشْرهَا النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمُغْرِب وَذَلِكَ أَنَّ اِبْتِدَاء خُرُوجهَا مِنْ قَعْر عَدَن فَإِذَا خَرَجَتْ اِنْتَشَرَتْ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا . وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ " تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ " إِرَادَةُ تَعْمِيمِ الْحَشْرِ لَا خُصُوصُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ أَنَّهَا بَعْد الِانْتِشَار أَوَّل مَا تَحْشُر أَهْل الْمَشْرِق وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ اِبْتِدَاء الْفِتَن دَائِمًا مِنْ الْمَشْرِق كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب الْفِتَن وَأَمَّا جَعْل الْغَايَة إِلَى الْمَغْرِبِ فَلِأَنَّ الشَّام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ مَغْرِبٌ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون النَّار فِي حَدِيث أَنَس كِنَايَةٌ عَنْ الْفِتَنِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي أَثَارَتْ الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَالْتَهَبَتْ كَمَا تَلْتَهِبُ النَّارُ وَكَانَ اِبْتِدَاؤُهَا مِنْ قِبَل الْمَشْرِق حَتَّى خَرِبَ مُعْظَمُهُ وَانْحَشَرَ النَّاس مِنْ جِهَة الْمَشْرِق إِلَى الشَّام وَمِصْرَ وَهُمَا مِنْ جِهَة الْمَغْرِبِ كَمَا شُوهِدَ ذَلِكَ مِرَارًا مِنْ الْمَغُول مِنْ عَهْد جَنْكِزْخَانْ وَمَنْ بَعْده وَالنَّار الَّتِي فِي الْحَدِيث الْآخَر عَلَى حَقِيقَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَشْر الثَّالِثُ حَشْرُ الْأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَغَيْرهَا بَعْد الْبَعْث جَمِيعًا إِلَى الْمَوْقِف . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) وَالرَّابِع حَشْرهمْ إِلَى الْجَنَّة أَوْ النَّار . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ . قُلْت : الْأَوَّل لَيْسَ حَشْرًا مُسْتَقِلًّا فَإِنَّ الْمُرَاد حَشْر كُلّ مَوْجُود يَوْمئِذٍ وَالْأَوَّل إِنَّمَا وَقَعَ لِفِرْقَةٍ مَخْصُوصَة وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ مِرَارًا : تَخْرُجُ طَائِفَةٌ مِنْ بَلَدهَا بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهَا إِلَى جِهَةِ الشَّام كَمَا وَقَعَ لِبَنِي أُمَيَّةَ أَوَّلَ مَا تَوَلَّى اِبْنُ الزُّبَيْرِ الْخِلَافَةَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ وَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ أَحَدٌ حَشْرًا . ا.هـ قال الحافظ" وَقَوْله ( لِأَوَّلِ الْحَشْر ) فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ أَوَّل حَشْر حَشْرًا فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّام .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا . رواه البخاري ومسلم والنسائي . قال النووي في شرح مسلم : قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذَا الْحَشْر فِي آخِر الدُّنْيَا قَبِيل الْقِيَامَة , وَقَبِيل النَّفْخ فِي الصُّور , بِدَلِيلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَحْشُر بَقِيَّتهمْ النَّار تَبِيت مَعَهُمْ وَتَقِيل وَتُصْبِح وَتُمْسِي " , وَهَذَا آخِر أَشْرَاط السَّاعَة كَمَا ذَكَرَ مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي آيَات السَّاعَة , قَالَ : ( وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تَرْحَل النَّاس ) , وَفِي رِوَايَة : ( تَطْرُد النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ ) وَالْمُرَاد بِثَلَاثِ طَرَائِق : ثَلَاث فِرَق , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْجِنّ : { كُنَّا طَرَائِق قِدَدًا } أَيْ : فِرَقًا مُخْتَلِفَة الْأَهْوَاء. ا.هـ
قال الحافظ ابن حجر في الفتح : قَوْله ( وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ ) هَذِهِ هِيَ النَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيث حُذَيْفَةَ بْن أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَعِنْد مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَاتِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ قِيَام السَّاعَة كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَفِيهِ " وَآخِر ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ النَّاسَ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى حَشْرِهِمْ " . قَوْله ( تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا إِلَخْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُلَازَمَةِ النَّارِ لَهُمْ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى مَكَان الْحَشْر . وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَشْر يَكُون قَبْل قِيَام السَّاعَة تُحْشَر النَّاسَ أَحْيَاءً إِلَى الشَّام . وَأَمَّا الْحَشْر مِنْ الْقُبُور إِلَى الْمَوْقِف فَهُوَ عَلَى خِلَاف هَذِهِ الصُّورَة مِنْ الرُّكُوب عَلَى الْإِبِل وَالتَّعَاقُبِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب " حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً " قَالَ : وَقَوْله " وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ " يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضٌ وَيَمْشِي بَعْضٌ . قُلْت : وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ إِلَى الْعَشَرَةِ إِيجَازًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْدَادِ مَعَ أَنَّ الِاعْتِقَابَ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ وَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْعَل اللَّهُ فِي الْبَعِيرِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى حَمْلِ الْعَشَرَةِ وَمَالَ الْحَلِيمِيّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُورِ وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : ظَاهِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يُخَالِف حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور بَعْد أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاة عُرَاة مُشَاة قَالَ : وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَهُوَ إِخْرَاجُ الْخَلْقِ مِنْ الْقُبُورِ حُفَاةً عُرَاةً فَيُسَاقُونَ وَيُجْمَعُونَ إِلَى الْمَوْقِف لِلْحِسَابِ فَحِينَئِذٍ يُحْشَر الْمُتَّقُونَ رُكْبَانًا عَلَى الْإِبِل وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْقُبُورِ بِالْوَصْفِ الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثُمَّ يَفْتَرِقُ حَالُهُمْ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَوْقِف عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ " حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ النَّاس يُحْشَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاثَة أَفْوَاجٍ : فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ : وَفَوْج يَمْشُونَ وَفَوْج تَسْحَبُهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ " الْحَدِيثَ وَصَوَّبَ عِيَاضٌ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ وَبِقَوْلِهِ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب " تَقِيل مَعَهُمْ وَتَبِيت وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي " فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا . وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ " الْمَصَابِيح " : حَمْلُهُ عَلَى الْحَشْرِ مِنْ الْقُبُورِ أَقْوَى مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدهَا أَنَّ الْحَشْر إِذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْحَشْرُ مِنْ الْقُبُورِ مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّام لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ جَامِعًا بَيْن الصِّفَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُون رَاغِبًا رَاهِبًا فَقَطْ وَتَكُون هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا ثَالِثهَا حَشْر الْبَقِيَّة عَلَى مَا ذُكِرَ وَإِلْجَاء النَّار لَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَمُلَازَمَتُهَا حَتَّى لَا تُفَارِقهُمْ قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُم بِتَسْلِيطِ النَّارِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِ الشَّنْوَة مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ رَابِعهَا أَنَّ الْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضُهُ بَعْضًا . وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحِسَان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَوْس بْن أَبِي أَوْس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ " ثَلَاثًا عَلَى الدَّوَابِّ وَثَلَاثًا يَنْسِلُونَ عَلَى أَقْدَامهمْ وَثَلَاثًا عَلَى وُجُوههمْ " قَالَ : وَنَرَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث نَظِير التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي تَفْسِير الْوَاقِعَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَة ) الْآيَات فَقَوْله فِي الْحَدِيث " رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ " يُرِيد بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَيَتَرَدَّدُونَ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء يَخَافُونَ عَاقِبَة سَيِّئَاتِهِمْ وَيَرْجُونَ رَحْمَة اللَّه بِإِيمَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الْمَيْمَنَة وَقَوْله " وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ " السَّابِقِينَ وَهُمْ أَفَاضِل الْمُؤْمِنِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا . وَقَوْله " وَتَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار " بِهِ أَصْحَاب الْمَشْأَمَة وَرُكُوب السَّابِقِينَ فِي الْحَدِيث يَحْتَمِل الْحَمْل دَفْعَة وَاحِدَة تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْبَعِير الْمَذْكُور يَكُون مِنْ بَدَائِع فِطْرَة اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَقْوَى عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ غَيْره مِنْ الْبُعْرَان وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ التَّعَاقُب قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْوَاحِد إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَكُون لِمَنْ فَوْقهمْ فِي الْمَرْتَبَة كَالْأَنْبِيَاءِ لِيَقَع الِامْتِيَاز بَيْن النَّبِيّ وَمَنْ دُونه مِنْ السَّابِقِينَ فِي الْمَرَاكِب كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِب . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ الدَّلِيل ثَابِت فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّة أَحَادِيث وُقُوع الْحَشْر فِي الدُّنْيَا إِلَى جِهَة الشَّام وَذَكَرَ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيد الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ قَبْل وَحَدِيث مُعَاوِيَة بْن حَيْدَة جَدّ بَهْزِ بْن حَكِيم رَفَعَهُ " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْو الشَّام رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتَجُرُونَ عَلَى وُجُوهكُمْ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَسَنَده قَوِيّ وَحَدِيث " سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة وَتَنْحَاز النَّاس إِلَى مَهَاجِر إِبْرَاهِيم وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْض إِلَّا شِرَارهَا تَلْفِظهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ النُّعْمَان بْن الْمُنْذِر عَنْ وَهْب بْن مُنَبَّه قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى لِصَخْرَةِ بَيْت الْمَقْدِسِ لَأَضَعَنَّ عَلَيْك عَرْشِي وَلَأَحْشُرَنَّ عَلَيْك خَلْقِي . وَفِي تَفْسِير اِبْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَنْ شَكّ أَنَّ الْمَحْشَر هَهُنَا يَعْنِي الشَّام فَلْيَقْرَأ أَوَّل سُورَة الْحَشْر قَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ اُخْرُجُوا قَالُوا إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى أَرْض الْمَحْشَر . وَحَدِيث " سَتَخْرُجُ نَار مِنْ حَضْرَمَوْت تَحْشُر النَّاس قَالُوا : فَمَا تَأْمُرنَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّام " ثُمَّ حَكَى خِلَافًا هَلْ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار عَلَى الْحَقِيقَة أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ الْفِتْنَة الشَّدِيدَة كَمَا يُقَال نَار الْحَرْب لِشِدَّةِ مَا يَقَع فِي الْحَرْب قَالَ تَعَالَى ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ) وَعَلَى كُلّ حَال فَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ لَا هَذِهِ الْأَحَادِيث نَار الْآخِرَة وَلَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمَهُ الْمُعْتَرِض لَقِيلَ تَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ إِلَى النَّار وَقَدْ أَضَافَ الْحَشْر إِلَى النَّار لَكَوْنِهَا هِيَ الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَتَخْتَطِف مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عِنْد أَحْمَد وَغَيْره ; وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ تَكُون النَّار كِنَايَة عَلَى الْفِتْنَة فَنِسْبَة الْحَشْر إِلَيْهَا سَبَبِيَّة كَأَنَّهَا تَفْشُو فِي كُلّ جِهَة وَتَكُون فِي جِهَة الشَّام أَخَفّ مِنْهَا فِي غَيْرهَا فَكُلّ مَنْ عَرَفَ اِزْدِيَادهَا فِي الْجِهَة الَّتِي هُوَ فِيهَا أَحَبَّ التَّحَوُّل مِنْهَا إِلَى الْمَكَان الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ شَدِيدَة فَتَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الرَّحِيل إِلَى الشَّام وَلَا يَمْتَنِع اِجْتِمَاع الْأَمْرَيْنِ وَإِطْلَاق النَّار عَلَى الْحَقِيقَة الَّتِي تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن وَعَلَى الْمَجَازِيَّة وَهِيَ الْفِتْنَة إِذْ لَا تَنَافِي بَيْنهمَا وَيُؤَيِّد الْحَمْل عَلَى الْحَقِيقَة ظَاهِر الْحَدِيث الْأَخِير وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّانِي أَنَّ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي آيَات سُورَة الْوَاقِعَة لَا يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون هُوَ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيث وَرَدَ عَلَى الْقَصْد مِنْ الْخَلَاص مِنْ الْفِتْنَة فَمَنْ اِغْتَنَمَ الْفُرْصَة سَارَ عَلَى فُسْحَة مِنْ الظَّهْر وَيَسَرَة فِي الزَّاد رَاغِبًا فِيمَا يَسْتَقْبِلهُ رَاهِبًا فِيمَا يَسْتَدْبِرهُ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الْأَوَّل فِي الْحَدِيث وَمَنْ تَوَانِي حَتَّى قَلَّ الظَّهْر وَضَاقَ عَنْ أَنْ يَسْعَهُمْ لِرُكُوبِهِمْ اِشْتَرَكُوا وَرَكِبُوا عَقِبَهُ فَيَحْصُل اِشْتَرَاك الِاثْنَيْنِ فِي الْبَعِير الْوَاحِد وَكَذَا الثَّلَاثَة وَيُمْكِنهُمْ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَة فِي الْوَاحِد فَالظَّاهِر مِنْ حَالهمْ التَّعَاقُب وَقَدْ يُمْكِنهُمْ إِذَا كَانُوا خِفَافًا أَوْ أَطْفَالًا وَأَمَّا الْعَشَرَة فَبِالتَّعَاقُبِ وَسَكَتَ عَمَّا فَوْقهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا الْمُنْتَهَى فِي ذَلِكَ وَعَمَّا بَيْنهَا وَبَيْن الْأَرْبَعَة إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الثَّانِي فِي الْحَدِيث وَأَمَّا الصِّنْف الثَّالِث فَعَبِّرْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " تَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار " إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ تَحْصِيل مَا يَرْكَبُونَهُ وَلَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث بَيَان حَالهمْ بَلْ يَحْتَمِل أَنَّهُمْ يَمْشُونَ أَوْ يُسْحَبُونَ فِرَارًا مِنْ النَّار الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث أَبِي ذَرّ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كَلَام الْمُعْتَرِض وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ السَّبَب فِي مَشْي الْمَذْكُورِينَ فَقَالَ " يُبْقِي اللَّه الْآفَة عَلَى الظَّهْر حَتَّى لَا يُلْقِي ذَات ظَهْر حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطَى الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ ذَات الْقَتَب " أَيْ يَشْتَرِي النَّاقَة الْمُسِنّ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَحْمِلهُ عَلَى الْقَتَب بِالْبُسْتَانِ الْكَرِيم لِهَوَانِ الْعَقَار الَّذِي عَزَمَ عَلَى الرَّحِيل عَنْهُ وَعِزَّة الظَّهْر الَّذِي يُوصِلهُ إِلَى مَقْصُوده وَهَذَا لَائِق بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا وَمُؤَكِّد لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَيَتَنَزَّل عَلَى وَفْقَ حَدِيث الْبَاب يَعْنِي مِنْ " الْمَصَابِيح " وَهُوَ أَنَّ قَوْله " فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ " مُوَافِق لِقَوْلِهِ " رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ " وَقَوْله " وَفَوْج يَمْشُونَ " مُوَافِق لِلصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى الْبَعِير فَإِنَّ صِفَة الْمَشْي لَازِمَة لَهُمْ وَأَمَّا الصِّنْف الَّذِينَ تَحْشُرهُمْ النَّار فَهُمْ الَّذِينَ تَسْحَبهُمْ الْمَلَائِكَة . وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّالِث أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ شَوَاهِد الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار الْآخِرَة وَإِنَّمَا هِيَ نَار تَخْرُج فِي الدُّنْيَا أَنْذَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهَا وَذَكَرَ كَيْفِيَّة مَا تَفْعَل فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة . وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الرَّابِع أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد مَعَ ضَعْفه لَا يُخَالِف حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ فِي لَفْظه وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَا بَعْد الْبَعْث فِي الْحَشْر إِلَى الْمَوْقِف إِذْ لَا حَدِيقَة هُنَاكَ وَلَا آفَة تُلْقَى عَلَى الظَّهْر حَتَّى يَعِزّ وَيَقِلَّ وَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ بْن زَيْد الْمَذْكُور عِنْد أَحْمَد أَنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلّ حَدَب وَشَوْك وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَرْض الْمَوْقِف أَرْض مُسْتَوِيَة لَا عِوَج فِيهَا وَلَا أَكَمَة وَلَا حَدَب وَلَا شَوْك وَأَشَارَ الطِّيبِيّ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث الَّذِي مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَلَى مَنْ يُحْشَر مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَكَان الِاسْتِقْرَار مِنْ الْجَنَّة أَوْ النَّار وَيَكُون الْمُرَاد بِالرُّكْبَانِ السَّابِقِينَ الْمُتَّقِينَ وَهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يَوْم نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) أَيْ رُكْبَانًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ عَنْ عَلِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا يُحْشَر الْوَفْد عَلَى أَرْجُلهمْ وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا وَلَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِنُوق لَمْ تَرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا عَلَيْهَا رِحَال الذَّهَب وَأَزِمَّتهَا الزَّبَرْجَد فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَاب الْجَنَّة وَالْمُرَاد سَوْق رَكَائِبهمْ إِسْرَاعًا بِهِمْ إِلَى دَار الْكَرَامَة كَمَا يُفْعَل فِي الْعَادَة بِمَنْ يَشْرُف وَيَكْرُم مِنْ الْوَافِدِينَ عَلَى الْمُلُوك . قَالَ : وَيُسْتَبْعَد أَنْ يُقَال يَجِيء وَفْد اللَّه عَشْر عَلَى بَعِير جَمِيعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَة حَال الْمَحْشُورِينَ عِنْد اِنْقِرَاض الدُّنْيَا إِلَى جِهَة أَرْض الْمَحْشَر وَهُمْ ثَلَاثَة أَصْنَاف وَحَال الْمَحْشُورِينَ فِي الْأُخْرَى إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار اِنْتَهَى كَلَام الطَّيِّبِي عَنْ جَوَاب الْمُعْتَرِض مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا بِزِيَادَاتٍ فِيهِ لَكِنْ تَقَدَّمَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد لَيْسَ فِي الْمَحْشُورِينَ مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار . ثُمَّ خَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ : هَذَا مَا سَنَحَ لِي عَلَى سَبِيل الِاجْتِهَاد ثُمَّ رَأَيْت فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي " بَاب الْمَحْشَر : يُحْشَرُ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاث طَرَائِق " فَعَلِمْت مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَب إِلَيْهِ الْإِمَام التُّورْبَشْتِيّ هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ . قُلْت : وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي صَحِيحه وَلَا فِي غَيْره وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا لَيْسَ فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة نَعَمْ ثَبَتَ لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمُنَبَّه عَلَيْهِ قَبْلُ وَهُوَ مُؤَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يَعْقُبُ ذَلِكَ فَيَكُون مِنْ مَجَاز الْمُجَاوَرَة وَيَتَعَيَّن ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّ الظَّهْر يَقِلُّ لِمَا يُلْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْآفَة وَأَنَّ الرَّجُل يَشْتَرِي الشَّارِف الْوَاحِد بِالْحَدِيقَةِ الْمُعْجَبَة فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر جِدًّا فِي أَنَّهُ مِنْ أَحْوَال الدُّنْيَا لَا بَعْد الْمَبْعَث . وَقَدْ أَبْدَى الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث الْبَاب اِحْتِمَالَيْنِ فَقَالَ : قَوْله " رَاغِبِينَ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى الْأَبْرَار وَقَوْله " رَاهِبِينَ " إِشَارَة إِلَى الْمُخَلَّطِينَ الَّذِينَ هُمْ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء وَاَلَّذِينَ تَحْشُرُهُمْ النَّار هُمْ الْكُفَّار . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ قَوْله " وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ " . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّغْبَة وَالرَّهْبَة صِفَتَانِ لِلصِّنْفَيْنِ الْأَبْرَار وَالْمُخَلَّطِينَ وَكِلَاهُمَا يُحْشَر اثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي وَقْت حَشْرِهِمْ إِلَى الْجَنَّة بَعْد الْفَرَاغ . ثُمَّ قَالَ بَعْد إِيرَاد حَدِيث أَبِي ذَرّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْفَوْجِ الْأَوَّل الْأَبْرَار وَبِالْفَوْجِ الثَّانِي الَّذِينَ خَلَّطُوا فَيَكُونُونَ مُشَاة وَالْأَبْرَار رُكْبَانًا وَقَدْ يَكُون بَعْض الْكُفَّار أَعْيَا مِنْ بَعْض فَأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلَى وُجُوههمْ وَمَنْ دُونهمْ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ مَعَ مَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْفُسَّاق وَقْت حَشْرهمْ إِلَى الْمَوْقِف وَأَمَّا الظَّهْر فَلَعَلَّ الْمُرَاد بِهِ مَا يُحْيِهِ اللَّه بَعْد الْمَوْت مِنْ الدَّوَابّ فَيَرْكَبهَا الْأَبْرَار وَمَنْ شَاءَ اللَّه وَيَلْقَى اللَّه الْآفَة عَلَى بَقِيَّتِهَا حَتَّى يَبْقَى جَمَاعَة مِنْ الْمُخَلَّطِينَ بِلَا ظَهْر . قُلْت : وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّأْوِيل مَعَ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث " حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطِيَ الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ " وَمِنْ أَيْنَ يَكُون لِلَّذِينَ يُبْعَثُونَ بَعْد الْمَوْت عُرَاة حُفَاة حَدَائِق حَتَّى يَدْفَعُوهَا فِي الشَّوَارِفِ ؟ فَالرَّاجِح مَا تَقَدَّمَ . وَكَذَا يَبْعُدُ غَايَة الْبُعْد أَنْ يَحْتَاج مَنْ يُسَاق مِنْ الْمَوْقِف إِلَى الْجَنَّة إِلَى التَّعَاقُب عَلَى الْأَبْعِرَة فَرَجَحَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون قَبْل الْمَبْعَث وَاَللَّه أَعْلَم .ا.هـ
وفي سنن النسائي لفظ : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...الخ وفي شرح سنن النسائي للسندي: قَوْله ( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْم الْقِيَامَة ) ظَاهِره أَنَّهُ حَشْر الْآخِرَة وَغَالِب الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ آخِر أَشْرَاط الْقِيَامَة وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِب لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ الْقَيْلُولَة وَالْبَيْتُوتَة وَنَحْوهمَا فَيُحْمَلُ قَوْله يَوْم الْقِيَامَة عَلَى مَعْنَى قُرْب يَوْم الْقِيَامَة أَوْ بَعْد زَمَان آخِر الْعَلَامَات مِنْ يَوْم الْقِيَامَة مَجَازًا إِعْطَاءً لِلْقَرِيبِ مِنْ الشَّيْء حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْء . ا.هـ
وفي شرح سنن النسائي للسيوطي : ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاث طَرَائِق رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ اِثْنَانِ عَلَى بَعِير .... الْحَدِيثَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا الْمَحْشَر فِي الدُّنْيَا قَبْل قِيَام السَّاعَة وَهُوَ آخِر أَشْرَاطهَا وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة . قَوْله ( وَتُحْشَر بَقِيَّتهمْ النَّار تَقِيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِح مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا ) وَفِي حَدِيث مُسْلِم فِي أَشْرَاط السَّاعَة وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تُرَحِّل النَّاس وَفِي رِوَايَة تَطْرُد النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ وَفِي حَدِيث آخَر لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَخْرُج النَّار مِنْ أَرْض الْحِجَاز وَفِي بَعْض الرِّوَايَات فِي غَيْر مُسْلِم فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهَا فَاخْرُجُوا إِلَى الشَّامِ كَأَنَّهُ أَمَرَ بِسَبْقِهَا إِلَيْهِ قَبْل إِزْعَاجهَا لَهُمْ وَذَكَرَ الْحَلِيمِيّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنَّ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : يُحْشَر النَّاس عَلَى ثَلَاث طَرَائِق إِشَارَة إِلَى الْأَبْرَار وَالْمُخَلِّطِين وَالْكُفَّار , فَالْأَبْرَار الرَّاغِبُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِيمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابه وَالرَّاهِبُونَ هُمْ الَّذِينَ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء فَأَمَّا الْأَبْرَار فَإِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِالنَّجَائِبِ وَأَمَّا الْمُخَلِّطُون فَهُمْ الَّذِينَ أُرِيدُوا فِي هَذَا الْحَدِيث وَقِيلَ إِنَّهُم يُحْمَلُونَ عَلَى الْأَبْعِرَة وَأَمَّا الْفُجَّار الَّذِينَ تَحْشُرهُمْ النَّار فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَبْعَث إِلَيْهِمْ مَلَائِكَة فَتُقَيِّض لَهُمْ نَارًا تَسُوقهُمْ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيث إِلَّا ذِكْر الْبَعِير , وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِبِل الْجَنَّة أَوْ مِنْ الْإِبِل الَّتِي تَحْيَا وَتُحْشَر يَوْم الْقِيَامَة فَهَذَا مَا لَمْ يَأْتِ بَيَانه وَالْأَشْبَه أَنْ لَا تَكُون مِنْ نَجَائِب الْجَنَّة لِأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ جُمْلَة الْأَبْرَار وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ حَمَلَة الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُ ذُنُوبه فَيُدْخِلهُ الْجَنَّة وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَاقِبهُ بِالنَّارِ ثُمَّ يُخْرِجهُ مِنْهَا وَيُدْخِلهُ الْجَنَّة وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَمْ يَلِقْ أَنْ يَرِدُوا مَوْقِف الْحِسَاب عَلَى نَجَائِب الْجَنَّة ثُمَّ يُنْزِل اللَّه بَعْضهمْ إِلَى النَّار لِأَنَّ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّه بِالْجَنَّةِ لَمْ يُهِنْهُ بَعْد ذَلِكَ بِالنَّارِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ الْغَزَالِيّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّذْكِرَة : وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أَظْهَر لِمَا فِي الْحَدِيث نَفْسه مِنْ ذِكْر الْمَسَاء وَالصَّبَاح وَالْمَبِيت وَالْقَائِلَة وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة .ا.هـ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا . رواه البخاري . قال الحافظ : قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبهمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد وَيَتَبَايَعَانِ الثَّوْب فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُوم وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة عَلَى رَجُلَيْنِ قَدْ نَشَرَا بَيْنَهُمَا ثَوْبًا يَتَبَايَعَانِهِ فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ " وَنِسْبَة الثَّوْب إِلَيْهِمَا فِي الرِّوَايَة الْأُولَى بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَة فِي أَحَدهمَا وَالْمَجَاز فِي الْآخَر لِأَنَّ أَحَدهمَا مَالِك وَالْآخَر مُسْتَام , وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى " يَتَبَايَعَانِهِ " أَيْ يَتَسَاوَمَانِ فِيهِ مَالِكه وَاَلَّذِي يُرِيد شِرَاءَهُ فَلَا يَتِمّ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ مِنْ بَغْتَة قِيَام السَّاعَة فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ , وَعِنْدَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " إِنَّ السَّاعَة تَقُوم عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَنْشُرَانِ الثَّوْب فَمَا يَطْوِيَانِهِ " وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر عِنْدَ الْحَاكِم لِهَذِهِ الْقِصَّة وَمَا بَعْدَهَا مُقَدِّمَة قَالَ " قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْلُع عَلَيْكُمْ قَبْل السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء مِنْ قِبَل الْمُغْرِب مِثْل التُّرْس , فَمَا تَزَال تَرْتَفِع حَتَّى تَمْلَأ السَّمَاء , ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيّهَا النَّاس - ثَلَاثًا يَقُول فِي الثَّالِثَة - أَتَى أَمْر اللَّه . قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَنْشُرَانِ الثَّوْب بَيْنَهُمَا فَمَا يَطْوِيَانِهِ " الْحَدِيث .
قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ ) أَيْ الرَّجُل . قَوْله ( يَلِيط حَوْضه ) بِفَتْحِ أَوَّله مِنْ الثُّلَاثِيّ وَبِضَمِّهِ مِنْ الرُّبَاعِيّ وَالْمَعْنَى يُصْلِحهُ بِالطِّينِ وَالْمَدَر فَيَسُدّ شُقُوقه لِيَمْلَأهُ وَيَسْقِي مِنْهُ دَوَابّه يُقَال لَاطَ الْحَوْض يَلِيطهُ إِذْ أَصْلَحَهُ بِالْمَدَرِ وَنَحْوه , وَمِنْهُ قِيلَ اللَّائِط لِمَنْ يَفْعَل الْفَاحِشَة , وَجَاءَ فِي مُضَارِعه يَلُوط تَفْرِقَة بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَوْض . وَحَكَى الْقَزَّاز فِي الْحَوْض أَيْضًا يَلُوط , وَالْأَصْل فِي اللَّوْط اللُّصُوق وَمِنْهُ " كَانَ عُمَر يَلِيط أَهْل الْجَاهِلِيَّة بِمَنْ اِدَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَام " كَذَا قَالَ , وَاَلَّذِي يَتَبَادَر أَنَّ فَاعِل الْفَاحِشَة نُسِبَ إِلَى قَوْم لُوط وَاَللَّه أَعْلَم . وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر الْمَذْكُور " وَإِنَّ الرَّجُل لَيَمْدُر حَوْضه فَمَا يَسْقِي مِنْهُ شَيْئًا " وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد الْحَاكِم وَأَصْله فِي مُسْلِم " ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر فَيَكُون أَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْضه فَيُصْعَق " فَفِي هَذَا بَيَان السَّبَب فِي كَوْنه لَا يَسْقِي مِنْ حَوْضه شَيْئًا , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم " وَالرَّجُل يَلِيط فِي حَوْضه فَمَا يَصْدُر - أَيْ يَفْرُغ أَوْ يَنْفَصِل عَنْهُ - حَتَّى تَقُوم " .
قَوْله ( فَلَا يُسْقَى فِيهِ ) أَيْ تَقُوم الْقِيَامَة مِنْ قَبْل أَنْ يُسْتَقَى مِنْهُ . قَوْله ( وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ ) بِالضَّمِّ أَيْ لُقْمَته إِلَى فِيهِ ( فَلَا يَطْعَمهَا ) أَيْ تَقُوم السَّاعَة مِنْ قَبْل أَنْ يَضَع لُقْمَته فِي فِيهِ , أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يَمْضُغهَا , أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يَبْتَلِعهَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْث مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ " تَقُوم السَّاعَة عَلَى رَجُل أُكْلَتُهُ فِي فِيهِ يَلُوكهَا فَلَا يُسِيغهَا وَلَا يَلْفِظهَا " وَهَذَا يُؤَيِّد الِاحْتِمَال الْأَخِير وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر " كِتَاب الرِّقَاق " فِي " بَاب طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا " بِسَنَدِ حَدِيث الْبَاب طَرَف مِنْهُ وَهُوَ مِنْ قَوْله " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا " وَذَكَرَ بَعْدَهُ " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبهمَا " وَبَعْدَهُ " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ اِنْصَرَفَ الرَّجُل بِلَبَنِ لِقْحَته فَلَا يَطْعَمهُ " وَبَعْدَهُ " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَهُوَ يَلِيط حَوْضه " وَبَعْدَهُ " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ " فَزَادَ وَاحِدَة وَهِيَ الْحَلْب , وَمَا أَدْرِي لِمَ حَذَفَهَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ أَوْرَدَ الْحَدِيث هُنَا بِتَمَامِهِ إِلَّا هَذِهِ الْجُمْلَة وَقَدْ أَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي جُمْلَة الْحَدِيث عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي ذَكَرْته فِي أَوَّل الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث , ثُمَّ وَجَدْتهَا ثَابِتَة فِي الْأَصْل فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرّ وَالْقَابِسِيّ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ " بِلَبَنِ لِقْحَته مِنْ تَحْتهَا لَا يَطْعَمهُ " وَأَخْرَجَ مَعَهُ الثَّلَاثَة الْأُخْرَى . وَاللِّقْحَة بِكَسْرِ اللَّام وَسُكُون الْقَاف بَعْدَهَا مُهْمَلَة النَّاقَة ذَات الدَّرّ , وَهِيَ إِذَا نُتِجَتْ لَقُوح شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ثُمَّ لَبُون , وَهَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْقِيَامَة تَقُوم بَغْتَة وَأَسْرَعهَا رَفْع اللُّقْمَة إِلَى الْفَم . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْهُ فِي آخِر " كِتَاب الْفِتَن " هَذِهِ الْأُمُور الْأَرْبَعَة إِلَّا رَفْع اللُّقْمَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد بِسَنَدِهِ هَذَا وَلَفْظه " تَقُوم السَّاعَة وَالرَّجُل يَحْلُب اللِّقْحَة فَمَا يَصِل الْإِنَاء إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُوم , وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب , وَالرَّجُل يَلِيط فِي حَوْضه " وَقَدْ ذَكَرْت لَفْظه فِيهِمَا . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَا يُعْرَف مِنْهُ الْمُرَاد مِنْ التَّمْثِيل بِصَاحِبِ الْحَوْض وَلَفْظه " ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّوَر فَلَا يَسْمَعهُ أَحَد إِلَّا أَصْغَى , وَأَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْض إِبِله فَيُصْعَق " أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ وَأَحْمَد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ " لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ إِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى فَتَذَاكَرُوا السَّاعَة فَبَدَؤُا بِإِبْرَاهِيمَ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْم , ثُمَّ سَأَلُوا مُوسَى فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْم , فَرُدَّ الْحَدِيث إِلَى عِيسَى فَقَالَ : قَدْ عُهِدَ إِلَيَّ فِيمَا دُونَ وَجْبَتهَا , فَأَمَّا وَجْبَتهَا فَلَا يَعْلَمهَا إِلَّا اللَّه " فَذَكَرَ خُرُوج الدَّجَّال , قَالَ : فَأُنْزَل إِلَيْهِ فَأَقْتُلهُ ثُمَّ ذَكَرَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثُمَّ دُعَاءَهُ بِمَوْتِهِمْ ثُمَّ بِإِرْسَالِ الْمَطَر فَيُلْقِي جِيَفهمْ فِي الْبَحْر ثُمَّ تُنْسَف الْجِبَال وَتُمَدّ الْأَرْض مَدّ الْأَدِيم , فَعُهِدَ إِلَيَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ السَّاعَة مِنْ النَّاس كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ لَا يَدْرِي أَهْلهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادَتِهَا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا . ا.هـ كلام الحافظ من الفتح .
وقال الحافظ: وَحَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ آنِفًا لَا يُنَافِي أَنَّ قَبْلَ السَّاعَة يَقَع عَشْر آيَات فَذَكَرَ مِنْهَا " وَثَلَاثَة خُسُوف خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف بِجَزِيرَةِ الْعَرَب " أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَذَكَرَ مِنْهَا الدُّخَان وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي سُورَة الدُّخَان , وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث صُحَارَى بِضَمِّ الصَّاد وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ حَدِيث " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُخْسَف بِقَبَائِلَ مِنْ الْعَرَب " الْحَدِيث , وَقَدْ وُجِدَ الْخَسْف فِي مَوَاضِع , وَلَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْخُسُوفِ الثَّلَاثَة قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا وُجِدَ كَأَنْ يَكُون أَعْظَم مِنْهُ مَكَانًا أَوْ قَدْرًا .ا.هـ
|
|||
| الصفحة الرئيسية > |