ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

عقيدة علماء طرابلس في مائة سنة

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذا الكتاب:

1-) مقدمة الكتاب.

2-) من مقالات الشيخ أبو المحاسن محمدّ بن خليل القاوقجـي الطرابلسي رحمه الله.

3-) من مقالات الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله.

4-) من مقالات الشيخ عبدالقادر الأدهمي الطرابلسي رحمه الله.

5-) من مقالات الشيخ عبدالمجيد المغربي الطرابلسي رحمه الله.

6-) من مقالات الشيخ عبدالفتاح الزعبي الطرابلسي رحمه الله.

7-) من مقالات الشيخ محمد بن إبراهيم الحسيني الطرابلسي رحمه الله.

8-) من مقالات الشيخ مصطفى وهيب بن إبراهيم البارودي الطرابلسي رحمه الله.

9-) من مقالات الشيخ رامز بن محمود الملك الطرابلسي رحمه الله.

10-) الخاتمة.

11-) الهوامش.

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد أشرف المرسلين، أمّا بعد:

1- مقدمة من كلام الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله

قال الشيخ حسين الجسر رحمه الله في كتابه الحصون الحميدية:

إعلم أنّ علم التوحيد هو علم يُبحث فيه عن إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية وثمرته هي معرفة صفات الله تعالى ورسله بالبراهين القطعية والفوز بالسعادة الأبدية، وهو أصل العلوم الدينية وأفضلها، وقد جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من لدن سيّدنا ءادم إلى سيّدنا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

لكن لمّا كان الشيخ أبو منصور الماتريدي والشيخ أبو الحسن الأشعري أشهر من دوّن كتب هذا العلم وأقام الأدلة والبراهين على ردّ ما قاله المخالفون شاع أنّهما الواضعان له. ويفترض تعلّمه على كلّ مكلف من ذكر وأنثى ولو بأدلّة إجمالية.

وقد اعتنى العلماء من السلف والخلف بهذا العلم تدريساً وتحفيظاً وتفهيماً وأوْلوه اهتماماً كبيراً وألّفوا فيه المؤلّفات والرسائل وعقدوا لذلك المجالس وناظروا أهل البدع وكشفوا فساد معتقداتهم وردّوا شبههم وتمويهاتهم.

واقتداء بهؤلاء الأعلام درج علماء طرابلس الشام على تعليم أبناء مدينتهم العقيدة الحقّة وتأليف الرسائل في إرشادهم إليها وردّ تمويهات المنحرفين حفظاً لعقائد شبّان هذه الأمة من الوقوع في الزيغ والضلال.

ومن أكثر ما اعتنوا به جزاهم الله خيراً مسئلة تنـزيه الله عن المكان والجهة، لأنها أصلٌ عظيم من أصول الدين وهي عقيدة كل المسلمين، فقد اتفق المسلمون عامة سلفهم وخلفهم على أن الله تعالى لا يحلّ في مكان أو جهة ولا يحويه مكان أو جهة ولا يسكن السماء، ولا يسكن العرش، لأنّ الله تعالى موجود قبل العرش وقبل السماء وقبل المكان والجهة، ويستحيل على الله التغيّر من حال إلى حال ومن صفة إلى صفة أخرى، فهو تبارك وتعالى كان موجوداً في الأزل بلا مكان ولا جهة، وبعد أن خلق المكان والجهة لا يزال موجوداً بلا مكان ولا جهة.

وقد منّ الله علينا فجمعنا في هذا الكتيّب مختارات من أقوال هؤلاء العلماء في تنـزيه الله عن المكان والجهة، لتطمئن بها القلوب ويظهر لكلّ طالب هدى أنّ هذه المدينة العريقة بعلمائها وأصالتها كانت ولا تزال على عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقيدة مئات الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وليظهر أنّ ما خالف هذه العقيدة فهو شاذّ عن عقيدة علماء الحقّ وأئمّة الهدى والله المستعان وهو الهادي إلى الإيمان.

2- من مقالات الشيخ أبو المحاسن محمدّ بن خليل القاوقجـي

(توفي سنة 1305هـ)

مسند بلاد الشام في وقته وعلى أسانيده المدار في غالب بلاد الشام ومصر والحجاز.

نشأ يتيماً في كنف أخواله من ءال الحامدي ومن ثمّ سافر إلى مصر وتابع تحصيله العلمي في أزهرها، وأمضى أكثر من سبع وعشرين سنة يقرأ الفنون ويتلقّى العلوم على جماعة من العلماء المشهورين في مصر وغيرها.

وبعد أن أتمّ التحصيل عاد إلى بلده طرابلس وعكف على التدريس في مساجدها وبخصوص في مسجد الطحّام، إلى جانب الاشتغال بالتأليف.

أولى عنايته لتعليم أبناء مدينته العقيدة الحقّة التي توارثها العلماء عن سلفهم الصالح فوضع عدة رسائل في بيان عقيدة أهل السنّة والجماعة في الله وصفاته ورسله الكرام، منها (كفاية الصبيان فيما يجب من عقائد الإيمان)، و(الاعتماد في الاعتقاد)، و(سفينة النجاة في معرفة الله)، و(بغية الطالبين فيما يجب من أحكام الدين).

وقد ضمّن كتبه تنـزيه الله عن المكان والجهة والجسمية فقال رحمه الله في كتابه (الاعتماد في الاعتقاد) ص/5 ما نصّه: ) فإذا قال لك أين الله؟ فقل: مع كلّ أحد بعلمه - أي لا بذاته -، وفوق كلّ أحد بقدرته، منـزّه عن الجهة والجسمية(1)، فلا يقال: له يمين ولا شمال ولا خلف ولا أمامٌ ولا فوق العرش ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا داخل في العالم ولا خارج عنه ولا يقال: لا يعلم مكانه إلا هو.

فإذا قال لك: مادليلك على ذلك؟ فقل: لأنّه لو كان له جهة أو هو في جهة لكان متحيّزاً وكلّ متحيّز حادث، والحدوث عليه محالٌ. (

وقال في كتابه: (سفينة النجاة في معرفة الله وأحكام الصلاة)

ص/7 ما نصّه: ) نعتقـد بـأنّ ذاته تعالى لا يشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات ولا أفعاله تشبه الأفعال، ويستحيل عليه المماثلة للحوادث بأن يكـونذاته كالذوات يأخذ مقداراً من الفراغ، أو يتّصف بالأعراض كالبياض، أو يكون في جهة كالفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام، أو يكون جهةً كالأعلى والأسفل، أو يحلّ بمكان أو يُقيّد بزمان، أو يتصف بالصغر أو بالكِبَر أو التوسّط، أو النور -أي الضوء- أو الظلمة ( .

وقال في كتابه (بغية الطالبين فيما يجب من أحكام الدين)

ص/12 ما نصّه: ) فالجهات كلّها من توابع الأجسام وإضافاتها، فلو كان تعالى في جهةٍ، أو له تعالى جهةٌ لكان مشابهاً للحوادث وهو باطل. وأمّا رفع الأيدي عند الدعاء فلأنّ السماء منـزل البركات وقِبلة الدعوات. وأمّا تنـزههُ عن المكان فلأنّ المكان مخلوق ولازمٌ للتحديد، فالمكان ما استقر عليه الجسم لا فيه، والحيّز ما ملأ الجسم، فالمكان والحيّز أمران نسبيّان من لواحق الأجسام وتوابعها، والله تعالى كان ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان،(2) خلق المتمكّن والمكان، وأنشأ الخلق والزمان. ( اهـ.

وفي ص/35 ما نصّه: ) فيُرى سبحانه وتعالى لا في مكان ولا جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى ( . اهـ

وفي كتــابـــه (البدر المنير على حزب الشاذلي الكبير)

ص/21 يقول ما نصّه: ( } الرحمن على العرش استوى { استواءً يليق بجلاله(3)، بدون وصف التمكّـن والاستقـرار، فإنّـه تعالـى كان ولا مكان ولا عرش ولا زمان فإذاً خالق الخلق لا يحتاج إلى مكان) اهـ.

وفي ص/101 ما نصّه: ) وقربه تعالى ليس قرب مسافة ولا مساحة، لأنّه يتعالى عن الحدود والأقطار والنهاية) اهـ.

3- الشيـــــــخ حســين الـجســر

(توفي سنة 1327هـ)

ولد في طرابلس وتلقى فيها علومه الأولية عن عدة شيوخ أبرزهم الشيخ أحمد عبد الجليل والشيخ عبد القادر الرافعي والشيخ عبد الرزاق الرافعي.

سافر إلى مصر وجاور بالأزهر الشريف مدة خمس سنوات انكب خلالها على تحصيل العلم، ثم عاد إلى بلده طرابلس وتولى التدريس في الجامع المنصوري الكبير وفي جامع طينال.

وعليه تخرّج نخبة من علماء طرابلس أمثال الشيخ كامل الميقاتي أمين الفتوى، والشيخ عبد المجيد المغربي أمين فتوى طرابلس، والشيخ وهيب البارودي.

له عدة تآليف من أهمها (الرسالة الحميدية في حقية الشريعة المحمدية) ردّ فيها افتراءات المستشرقين على الشريعة الإسلامية.

ظهرت عنايته بإرشاد أبناء مدينته إلى علم التوحيد في قصيدته التي وضعها لتعليم الأطفال محاسن الأخلاق وحث فيها على تعلم علم العقيدة الحقة واعتبره من أوائل ما يُلقّن للأطفال فقال في رسالته (هديّة الألباب في جواهر الآداب)ص/2 ما نصه:

فــأول الكمــال لــلأولاد معرفــة المـولى العظيـم الهادي

وصحــة الإيمـان والإقــرار بكـل مـا صـح عـن المختـار

ثـمّ أداء واجــب العبــادة فإنهـا عـلامــة السعــادة

ولما انتشرت بعض الأفكار الهدامة والعقائد الزائغة سارع الشيخ حسين إلى وضع كتاب في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة وردّ تلك الشبه حفاظاً على عقيدة أبناء المسلمين من الزيغ والضلال وأسماه (الحصون الحميدية للدفاع عن العقيدة الإسلامية).

ذكر في مقدمته أنه نشأت شُبه لم تكن معهودة في غابر الأعوام وصار كل عاقل يخشى على إيمان الضعفاء من غوائل هذه الشُبه الجديدة وعلى عقائد شبان الأمة الزيغ والوقوع في الضلالات، فتجدد الاحتياج إلى استئناف الردود السديدة وتأليف كتب في حفظ الإيمان مفيدة.

وقد نبه في كتابه هذا على تنـزيه الله عن المكان والجهة فقال رحمه الله في ص/19 ما نصه:

) يجب لله تعالى المخالفة للحوادث ويستحيل عليه المماثلة للحوادث بأن يكون تعالى مشابهاً لهذه الموجودات الحادثة في خاصة من خواصها... وذلك كالجوهرية والجسمية والعرضية والتحيّز والتركيب والتجزؤ والتولد عن الغير وولادة الغير والاتصال والانفصال والانتقال من حيّز إلى حيّز). اهـ.

وفي ص/20 ما نصه: ) يجب لله تعالى قيامه بنفسه ويستحيل عليه قيامه بغيره، بمعنى احتياجه إلى مكان يقوم فيه أو محلّ يحلُّ فيه، أو مخصّص يخصصّه، أو موجد يوجده.

والدليل على ذلك أنّه قد ثبت في دليل المخالفة للحوادث أنّه تعالى ليس جوهراً ولا جسماً فلا يحتاج إلى مكان يقوم فيه(4)، لأن الاحتياج إلى المكان من خواصّ الجواهر والأجسام وثبت هناك انه تعالى ليس عرضاً فلا يحتاج إلى محل يحلّ فيه ويقوم به كما تحتاج الأعراض كالألوان والطعوم).

وفي ص/40 يقول: ) فاستواؤه تعالى على العرش هو صفة من صفاته تعالى اللائقة (5) به ليس كاستواء الحادث المستلزم للجسميّة والجهة ( اهـ.

4- الشيـخ عبـد القــــادر الأدهمـــي

(توفي سنة 1328 هـ)

ولد بطرابلس وتلق فيها علومه على الشيخ أبي المحاسن القاوقجي والشيح محمود نشابة والشيخ عبد الرزّاق الرافعي.

رحل إلى المدينة المنورة وأقام فيها مجاوراً، ثمّ توجَّهت إليه من قبل السلطان عبدالحميد وظيفة الخدمة في الحجرة الشريفة.

وضع عدّة رسائل في أنواع من العلوم منها رسالة (وسيلة النجاة والإسعاد في معرفة ما يجب من التوحيد والاعتقاد).

قال في مقدمتها: ) هذه رسالة وجيزة غزيرة الفضائل فيما يجب اعتقاده في التوحيد على كل مكلف من العبيد).

وفي ص/4 يقول ما نصه: ) وهو تعالى لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له، ولا يشبه شيئاً من الحوادث، ولا يشبهه شيئ منها، ولا يحتاج إلى مكان ومحل، ولا يغيره زمان، ولا ثانـي له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، قائمٌ بنفسه، مستغن عن جميع خلقه، قادر مريد يفعل ما يشاء، أبدع خلق العوالم وسائر الأشياء، ويعلم الواجبات والمستحيلات والجائزات، ويرى كلّ شيء ويسمعه، لا يشغله شأن عن شأن. ( اهـ.

5- الشيـخ عبد المجيـد المغـربــــــي

(توفي سنة 1352 هـ)

ينتمي إلى عائلة تسلسل منها القضاة والمفتون والعلماء الأعلام تلقى علومه من نخبة من علماء طرابلس كالشيخ أبي المحاسن القاوقجي والشيخ حسين الجسر وغيرهما. اشتغل بالتدريس في مدارس طرابلس و في الجامع المنصوري الكبير.

تولى منصب أمين الفتوى في طرابلس، حتى أقيل في عهد الانتداب الفرنسي بسبب مواقفه السياسية و الوطنية. شغله أمر إصلاح عقائد أبناء المسلمين وتطهيرها من شُبَه الملحدين.

قال في كتابه (المنهاج في المعراج) وقد نشر حديثـًا تحت عنوان (رسالة علمية في الإسراء والمعراج) ص/26:

) وكم ذا وجدتني وأنا في ذاك الجمع يرجف قلبي رجفانـًا مزعجاً حين يستمع المستمعون من تالي القصّة قوله حكاية لقول موسى عليه السلام في مسئلة تخفيف أعداد الصلوات ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف فيرجع ثم يعود إلى موسى بالحط خمسًا فخمسًا من ذاك العدد، مما قد يوهم المكان و الجهة في حقه، سبحانه و تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ( . اهـ.

لذلك وضع عدّة تآليف في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة منها:

1-) علم العقائد وضعه بتكليف رسمي من المشيخة الإسلامية في اسطنبول.

2-) حُسنُ البيان في واجبات الإنسان كتبه بأمر من السلطان عبد الحميد.

3-) اللآلئ الثمان في شرح رسالة شيخه أبي المحاسن القاوقجي التي سمّاها (كفاية الصبيان فيما يجب من عقائد الإيمان).

4-) نيل الأمانـي على هداية الدجانـي في علم التوحيد.

5-) شرح الرسالة السنوسية في العقائد.

قال في رسالته(المنهاج في المعراج)ص/24 ما نصّه:

) ولا فرق بين جوف حوت يونس وطور موسى ومستمى (6) محمد عليهم السلام بالنسبة إليه تعالى، حيث لا يحويه مكان ولا تحصره جهـة، لا فـوق ولا تحت، كان الله تعالى في الأزل ولـم يكن شيء من الكائنات والأمكنة والجهات على الإطلاق(7) (

وقال في كتابه (الكوكب الشرقي في ردّ نظرية لابلاس ورفقائه) ص/55 ما نصّه:

قام البرهان القاطع على أنّ الله تعالى واجب الوجود فهو القديم بذاته وصفاته، وعلى أنّ كل ما سواه حادث وُجد بعد العدم، فكان الله ولم يكن شيء غيره ( . اهـ.

ثمّ قال ص/57 ما نصّه: ) وليُعلم ههنا أنّ الله تعالى صانع الكائنات ومُحدثها يجب عقلاً أن لا يكون مماثلاً لشيء منها من كل وجه، ولا شيء من هذه الكائنات إلا ويحصره المكان وتحدّه الجهة، وكل مكان محدود، وكلّ محدود ومحصور حادث، والله عزّ وجلّ قديم فلا يجوز عقلاً أن يكون في مكان أو تحده جهة(8). فهذه المنطقة الواسعة العظيمة المبتدأة بالعرش إلى السماء الدنيا كون من الأكوان المخلوقة، ومكان من الأمكنة الحادثة مَقرٌّ لمخلوق لا لخالقٍ موجِدِها، وقد كان في الأزل ولم يكن شيء منها. ( اهـ.

6- الشيـــخ عبــد الفتــــاح الزعــــبي

(توفي سنة 1354هـ)

من أكابر مشايخ السادة الزعبية في طرابلس.

تولى الخطابة والإمامة والتدريس في الجامع المنصوري الكبير ثم عُيّن نقيباً للسادة الأشراف، ومن بعده تولّى خطابة الجامع المنصوري ولده الشيخ علي ثم حفيده الشيخ معتصم بالله الزعبي.

جمعت خطَبهُ التي كان يُلقيها من على منبر المسجد المنصوري وغيره في كتاب سميَّ (المواعظ الحميدية في الخطب الجُمعية)، وفيه يقول:

في ص/84 ما نصّه: ) الحمد لله المقدس في ذاته عن المدارك العقلية، المنـزه في صفاته عن النقائص البشرية ( .

ويقول في ص/85 ما نصّه: ) وتفكروا في ءالائه ولا تتفكّروا في ذاته العلي، واعلموا أن خطرات الأفكار في ذلك وهمية، وكيف يحيط العقل بمن تقّدس عن الكمية والكيفية والأينية، فنـزّهوا ربّكم وقدّسوه عن الخواطر الفكرية. ( اهـ.

وفي ص/86 يقول: ) كلّ ذلك يدل على وجود صانع منـزّه عن الكيفية والمثلية، ومقدّس عن خطرات الأوهام ومزاعم الحلولية).

وفي ص/96: تحدّث عن معراج النبي إلى السماء الذي ليس المقصود به وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه، ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصد من المعراج هو تشريف الرسول باطلاعه على عجائب في العالم العلوي، وتعظيم مكانته ورؤيته للذات المقدّس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكان.

فقــــــال: ) مع شهودٍ منـزّهٍ عن الكيفية وقربٍ مقدّس عن المكان والأينية(9)، إذ الحقّ لم يفتقر إلى شيء فيتخذَ له تعالى محلاً، ولكن دعاه الحقّ تعالى إلى ذلك المكان ليريَه من آياته عجائب بدائع الإمكان ( . اهـ.

7- الشيـــخ محمّــد بن إبراهيــم الحسيـــــني

(توفّي سنة 1362 هـ)

تلقى علومه الأولية في بعض مدارس طرابلس ثم سافر إلى الأزهر وأتمّ دراسته هناك ثمّ عاد إلى طرابلس واشتغل بالتدريس وتولّى وظيفة ختم البخاري في جامع طينال.

تلقى علومه من مفتي طرابلس الشيخ عبد الغني الرافعي والشيخ محمود منقارة والشيخ حسين الجسر.

ومن أشهر تلامذته الشيخ بشير بن عبد الغني جوهرة والشيخ سعيد طنبوزة الحسيني.

وضع عدة تآليف منها تفسيره للقرءان الكريم وقد طُبع منه الجزء الأول، يقول في تفسيره هذا ص/62 ما نصّه:

) سبحانه ما أعظم سلطانه، لا تلاحظه العيون بأنظارها، ولا تطالعه العقول بأفكارها ( . اهـ.

وفي ص/101 يقول في تفسير قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقةُ وأنتم تنظرون} مــا نصّـــــــــه:

) ظنّوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسام(10) ويتعلق به الرؤيا تعلقَها بها -أي الأجسام- على طريق المقابلة في الجهات والأحياز ولا ريب في استحالته، وإنما الممكن في شأنه تعالى الرؤية المنـزَّهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة ( .

وفي ص/227 يقول: ) قال عليه الصلاة والسلام: } آية الكرسي سيّدة ءاي القرآن { ، لما ترى من انطوائها على أمّهات المسائل الإلهية المتعلّقة بالذات العلي والصفات الجليّة.

فإنّها ناطقة بأنّه تعالى واجب لذاته موجدٌ لغيره، لما أنّ القيّوم القائم بذاته المقيم لغيره منـزّه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغيّر والفتور، لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح، متعال عمّا تناله الأوهام عظيم لا تحدق به الأفهام ( .

8- الشيـــخ مصطفى وهيب بن إبراهيم البارودي

(توفّي سنة 1373 هـ)

تولّى الإمامة والتدريس في المدرسة القرطاوية زهاء أربعين عاماً، تلقى علومه من الشيخ حسين الجسر والشيخ محمد الحسيني والشيخ محمود نشابة وغيرهم كثير. وعليه تخرج ابنه الشيخ نصوح البارودي.

وحين شغر منصب إفتاء الجمهورية اللبنانية بوفاة الشيخ محمد توفيق خالد أجمع رأي علماء طرابلس على ترشيحه لهذا المنصب، إلا أنّه رفضه لزهده وتفرّغه للعبادة.

لـه عـدة مؤلفـات منها:

1-) إعلام وبيان في كمال الإسلام والإيمان.

2-) واجب الاهتمام فيما وصّى به الإسلام.

3-) مشتبهات القراءن.

قال في كتابه خلاصة البهجة في سيرة صادق اللهجة

ص/17 عند كلامه عن معراج النبي ورؤيته ربّه بفؤاده:

) وأثبت رؤية ربّه ليلتَئذٍ جماهير الصحابة والعلماء من غير إدراك ولا إحاطة (

وقال في كتابه (الفوز ا لأبدي في الهدي المحمدي) ص /73 ما نصه:

) إن الله تعالى منـزه الذات عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، وهذا أصل من أصول العقائد الإيمانية لأنّه لو احتاج إلى المكان لكان حادثاً وقد قام الدليل على وجوب القِدَم -له- واستحالة العدم -عليه-، ولأنّ هذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها)(11).

ثــم قــــــال : ) وإذ ثبت استحالة كونه جوهراً أو عرَضًا فقد استحال كونه مختصًا بالجهة، ولأنّه لو كان فوق العالم لكان محاذيًا له وكلّ محاذٍ لجسم فإمّا أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر، وكلّ ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأمّا رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء ( . اهـ.

ثــم قــــــال: ) استوى على العرش استواء قهر واستيلاء كما قال الشاعر):

قداستوى بِشْـرٌ على العـراق من غيـر سيف ودم مهــراق

لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال وما يؤدي إلى المحال فهو محال. وبهذا يفسَّر أيضاً قوله تعالى: } ثم استوى إلى السماء { أي بالقهر والاستيلاء.ا.هـ كلام الشيخ.

وقال في ص 92 ما نصه: ) فإذا جاز تعلّق العلم به تعالى وليس في جهة، جاز تعلّق الرؤية وليس بجهة، وكما يجوز أن يَرى اللـهُ تعالى الخلقَ وليس في مقابلتهم جاز أنْ يُرى كذلك).

9- الشيـــخ رامـــز بن محمــود الملـــك

(توفّي سنة 1408 هـ)

اشتغل بالعلم وتحصيله حتى كان يُعدّ في وقته من أعلم علماء طرابلس وكان من أبرز مشايخه الشيخ محي الدين الخطيب والشيخ وهيب البارودي والشيخ عبد المجيد المغربي والشيخ محمود نشابة.

انتسب إلى كلية أصول الدين بالأزهر ثم عاد إلى طرابلس مدرّساً في بعض مساجدها وجامعها الكبير.

تحول إلى أمانة فتوى طرابلس ومن ثم إلى إفتاء طرابلس بعد وفاة الشيخ نديم الجسر.

له عدة رسائل في الوقف ومصطلح الحديث، وتفسير الجزء التاسع من القرءان الكريم.

في أيامه قام البعض بنشر عقائد فاسدة كنحو القول بفناء النار وعدم تكفير سابّ الله أو الرسول وإطلاق بعض العبارات التي فيها نسبة التشبيه لله تعالى. فقام بعض الغيّورين من أبناء طرابلس بعمل رسائل يردّ فيها هذه التحريفات وينصر عقيدة أهل السنّة والجماعة في أن النـار باقيـة لا تفـنى ولا يفنى أهلها كما ورد في القرءان الكريم، والتنبيه على أنّ سابّ الله أو الرسول كافر ولو كان في حال الغضب، وذكر عقيدة السلف والخلف في تنـزيه الله عن المشابهة للخلق.

وقدمت هذه الرسائل إلى الشيخ رامز الملك الذي كان مفتياً في ذلك الوقت لتوزّع كمنشورات، فعمل على نشرها بين أبناء مدينته وهي تحمل توقيعه وموافقته ومنها إمساكية صدرت في شهر رمضان سنة 1403 هـ وهذا نصها:

(إنّ تنـزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين أفضل عمل يقوم به العبد وقد اعتنى به العلماء سلفاً وخلفاً رحمهم الله. وقد جاء في ذلك عن الإمام علي كرّم الله وجهه أنه قال: ] كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان [ أي أنه تعالى موجود بلا مكان لأنه هو خالق المكان فلا يحتاج إليه.

قال الإمام أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه: ] غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان]. وقال الإمام علي أيضاً: ] إن الله خلق العرش إظهاراً لقدرته ولم يتخذه مكاناً لذاته [ . أي أن الله تعالى خلق العرش الذي هو أكبر المخلوقات حجماً وهو سقف الجنة، وهو غنيّ عنه فلا يحتاج إليه ولا إلى السماء التي هي مسكن للملائكة.

فلذلك لا يجوز تفسير ءاية: } الرحمن على العرش استوى { بمعنى الجلوس، بل كما قال أبو حنيفة والغزالي وغيرهما، الله مستوٍ علىالعرش استواءً منـزّهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش، بل العرش وحملَتُه محمولون بلطف قدرته تعالى.

فائدة مهمة: يجب على من شبّه الله بخلقه أن يقلع عن هذا الكفر(12) وينطق بالشهادتين وهما: أشهد أن لا إلـه إلا الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله بنيّة الدخول في الإسلام، كالذي يسبُّ الله أو نبياً أو ملَكاً من الملائكة أو يستهزئ بهم، أو يعتقد فناء جهنم، وذلك كفر بإجماع الأئمة ( أهـ

10- خاتمة الكتاب

نحمد الله أن وفقنا إلى جمع ثمانية تراجم لأعلام عُرفوا في تاريخ طرابلس الشام على مدى مائة سنة، وتضمّنت هذه التراجم نصوصاً في تنزيه الله عن المكان والجهة.

وقد قمنا بذلك للدلالة على أنّ هذه العقيدة هي عقيدة أهل طرابلس التي نشأوا عليها وتوارثوها من علمائهم خلفاً عن سلف طيلة مائة سنة وما قبل ذلك، سمعوها منهم على منابر مساجد المدينة وفي مدارسها ودرجوا علىتعليمها أبنائهم في كتاتيبها.

ونحن ندعو أهل طرابلس إلى التمسك بهذه العقيدة، عقيدة أهل السنّة والجماعة، عقيدة مئات الملايين من المسلمين اليوم

11- الهوامش

(1) وهذا موافق لما قاله المفسر أبو الفرج ابن الجوزي: »لا يشغل الأمكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من الجهات الست« وقال: »والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز« وقال: »ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون« اهـ

(2) ومثل هذا قال الغزالي أيضاً في كتابه الإحياء: »تعالى أي الله عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان «.

(3) فقد قال الإمام الرفاعي في كتابه البرهان المؤيد: »وطهروا عقائدكم من تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار، كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول، تعالى الله عن ذلك، وإياكم والقول بالفوقية والسفلية والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالإتيان والانتقال، فإن كل ما جاء في الكتاب والسنّـة ممـا يـدُلُّ ظاهـره على ما ذكر فقد جاء في الكتاب والسنّـة مثله مما يـؤيـد المقصـود« كما قال الإمام أحمد: »استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر« رواه البيهقي وقـال: »مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك« رواه الخطيب البغدادي في تاريخه. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية: »تعالى -أي الله- عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات«.

(4) قال الإمام جعفر الصادق: » مَنْ زعم أن الله في شىء أو على شىء أو من شىء فقد أشرك إذ لو كان في شىء لكان محصوراً ولو كان على شىء لكان محمولاً ولو كان من شىء لكان مُحْدثاً« رواه القشيري في رسالته.

وقال الإمام أبو حنيفة كما في شرح الفقه الأكبر: » مَنْ قال لا أعرف الله في السماء أم في الأرض فقد كفر لأنَّ هذا القول يوهم أنَّ للحق مكاناً ومَنْ توهم أن للحق مكاناً فهو مُشَبّه«.

(5) وقال الإمام مالك: } »الرحمن على العرش استوى { كمال وصف نفسـه } ليـس كمثلـه شـىء { ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع« رواه البيهقي.

(6) مراد المؤلف ما ورد في قصة المعراج، أن النبي، بعد انفراده عن جبريل بعد سدرة المنتهى، وصل إلى مستوى، أي مكان يسمع فيه صريف الأقلام التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ.

فبيّن المؤلّف رحمه الله أنّ اعتقاد البعض أنّ الرسول وصل إلى مكان هو مركز لله تعالى، هو ضلال مبين لأنّ الله موجودٌ بلا مكان، وأنّه بوصوله إلى هذا المكان لم يكن بأقرب إلى الله من يونس وهو في بطن الحوت في قعر البحر، وأنهما بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حدّ سواء ولو كان عزّ وجل مقيّداً بالمكان أو الزمان لكان النبي أقرب إليه فثبت بهذا نفي الجهة والاستقرار في المكان عن الله عزّ وجل.

(7) قال الإمام الشافعي: »إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزليه كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته« رواه الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين.

(8) وهذا موافق لما قاله الإمام أبو حنيفة في الفقه الأبسط: »كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلقْ الخلق، كان ولم يكن أينٌ ولا خلقٌ ولا شىء وهو خالق كل شىء« اهـ

وموافقة لما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في عقيدته: »ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضـون ولا السمـوات كـان قبـل أنُ كـوَّن المكان ودبر الزمان وهو الآن على مـا عليـه كـان«

(9) قال الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: »واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء) وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان« اهـ

(10) قال الشيخ عبد الغني النابلسي: »من اعتقد أن الله ملأ السمـوات والأرض أو أنه جسمٌ قاعدٌ فوق العرش فهو كافـرٌ وإن زعم أنه مسلم« اهـ

وقال الإمام الرفاعي: »والله تعالى كان ولا مكان ليس بجسم ولا جوهرٍ ولا عَرَضٍ ولا على مكان ولا في مكان بل كان جلّت عظمته ولا زمانٌ ولا مكان« اهـ

(11) قال الرفاعي: »وإنه أي الله لا يحل في شىء ولا يَحُلُّ فيه شىء تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان«.

(12) فقد قال الإمام الشافعي: »من انتهضَ لمعرفة مُدبره فانتهى إلى العدم الصرف فهو معطل. وإن انتهى إلى موجودٍ ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن انتهى إلى موجودٍ واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد « رواه البيهقي.

الصفحة الرئيسية >