ابحث عن       مساعدة
الصفحة الرئيسية >
 

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذا الموضوع:

1-) مقدمة من كلام الشيخ عبد الفتاح الزعبي الجيلاني قائمقام نقيب السادة الأشراف والخطيب والمحدث في الجامع المنصوري الكبير.

2-) بيان أن الاحتفال بالمولد النبوي هو احتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

3-) فصل فيمن شذَّ فحرم الاحتفال بالمولد الشريف.

4-) تاريخ عمل الاحتفال بالمولد الشريف.

5-) ذكر النقول على جواز عمل المولد النبوي الشريف.

6-) المولد الشريف في طرابلس الفيحاء.

7-) من كتاب قلائد العقيان في مولد سيد ولد عدنان للشيخ العلامة ابو المحاسن القاوقجي الطارابلسي الحنفي رحمه الله.

8-) من كتاب [البدر التمام في مولد خير الأنام تأليف الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله.

9-) تنبيه وفائدة.

10-) خاتمة من ديوان القاضي عمر الرافعي الطرابلسي.

1- مقدمة

الحمد لله الذي شرف هذا الشهر بمولد سيد العرب والعجم، وكشف به عن قلوب العالمين دياجي الغمة وبراقعِ الظّلَم.

اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الرؤوف ذي الجاه العريض والقلب العطوف سيدنا ومولانا محمد وعلى ءاله وأصحابه ما أومض البرق في الظلمات من إضم وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد فإنَّ الله تعالى خصّ شهر ربيع الأول منه بمزيد الفضل والكرم حيث ولد فيه من اختاره الله تعالى رحمة لجميع الأمم وظهرت عند ولادته العجائب إرهاصاً وإعلاماً بأنه صاحب السيف والعَلَم فرجمت الشياطين بالنجم الثاقب عندما ظهر بدره ونَجَم، وحُرست السموات حفظاً منها وانصدع إيوان كسرى وما التأم. وغاض ماء ساوة وفاض وادي سماوة وخمدت نار فارس ونُكِّسَ كل صنم. وبطلت حيلة السحرة والكهنة وخرست منهم الألسن اللَّسَنَةُ لولادة صاحب الحكم.

ولما ولد صلى الله عليه وسلم خرج معه من النور ما أضاء الكون وعم، وكم ظهر من الكرامات والبينات وكم وكم. إلى أنْ أطلعَ الله تعالى في سماء الكمال بدر جمال محمد الأتم وطلع عليه حلل الرسالة وأنزل عليه: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) اهـ.

نقلاً من المواعظ الحميدية في الخطب الجمعية

للشيخ عبد الفتاح الزعبي الجيلاني قائمقام نقيب السادة الأشراف

والخطيب والمحدث في الجامع المنصوري الكبير

2- بيان أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

هو احتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم

يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بقراءة قصة المولد الشريف في شهر ربيع الأول ويعدون عملهم هذا من أفضل الأعمال. إذ لا يشك عاقل صادق الحب بأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو احتفاء بصاحب الذكرى والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته وهو من التدليل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعلق بجنابه العالي والذي ورد في القرءان وصفه والثناء عليه اجمالاً وتفصيلاً، قال الله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك). قال الرازي في تفسيره: »واعلم انه عامّ في كل ما ذكروه من النبوة، وشهرته في الأرض والسماء، اسمه مكتوب على العرش، وإنه يذكر معه في الشهادة والتشهد، وانه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة، وانه صلى الله عليه وسلم ينتشر ذكره في الآفاق وانه ختمت به النبوة. وانه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل وعند الختم....

وجعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالـى: (سيجعل لهم الرحمنُ وداً) كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك، كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك...

لا تأنف السلاطين من اتباعك، بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك ويسلمون من وراء الباب عليك ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق إلى يوم القيامة اهـ.

وبالجملة فشهر ربيع الأول من كل سنة موسم من أعظم مواسم الخير يتسابق فيه الموفقون ويتبارى فيه المفلحون وينتشر فيه البشر ويعم الفرح قلوب المؤمنين. وتقام الاحتفالات الدينية في المساجد والأسواق والبيوت يقرءون قصة المولد الشريف فيستذكرون بها شيئاً من سيرته وشمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم.

ولا ينكر العلماء شيئاً من هذه الأعمال، بل يرون فيها البر والتقوى ويرجون لمن حسنت نيته فيها من الله تعالى المثوبة والأجر، ونحن بهداهم نقتدي وعلى طريقتهم نسير.

وقد صح عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: »ما رءاه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن « صححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي.

3- فصـــــل فيمن شذّ وحرم الاحتفال

هذا وقد ظهرت فئة شاذة في هذا الزمان تحرم عمل المولد أشد التحريم حتى قال أحد دعاتهم البارزين اليوم إن الذبيحة التي تذبح لإطعام الناس في المولد أحرم من الخنزير. ثم إن من يعتبرونه إمامهم وشيخ دينهم وهو ابن تيمية الحراني لم يحرم عمل المولد ولم يتجرأ عليه مع أنه كان كثير الشواذ دائم المخالفة لإجماع المسلمين حتى وصلت مسائله التي خرج فيها عن الإجماع إلى ستين مسألة وأكثر.

فإذا ظهر هذا فمع من تكون هذه الفئة الشاذة، لا هي مع أهل السنة ولا هي مع زعيمها ابن تيمية، فإحياء المولد إجماع فعلي توارد عليه الملوك والمشايخ بمن فيهم من حفاظ الحديث والفقهاء والزهّاد والعباد والأفراد من العوام وله أصل يرجع إليه بطريق الاستنباط كما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره.

فليرجعوا إلى أنفسهم باللوم وليرجعوا عن غيهم. وهاك عبارته في اقتضاء الصراط المستقيم ص 297 (فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك. إهـ

4- تاريخ عمل الاحتفال بالمولد الشريف

قال ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية 13/163) ما نصه: الملك المظفر ابو سعيد كوكبري، أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد له آثار حسنة، وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً وكان مع ذلك شهماً شجاعاً عاملاً عالماً عادلاً رحمه الله وأحسن مثواه. وقد صنف الشيخ ابو الخطاب ابن دحية له مجلداً في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير. اهـ.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء 22/336 عند ترجمة الملك المظفر ما نصه: كان متواضعاً، خيّراً، سنّياً، يحب الفقهاء والمحدثين وأما احتفاله بالمولد فيقصر عنه التعبير.اهـ.

وقال سبط ابن الجوزي في تاريخه مرءاة الزمان: حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد انه كان يحضر عنده في الموالد أعيان العلماء والصوفية وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار. اهـ

وفي وفيات الأعيان لابن خلكان وصف مطول لما كان يفعله هذا الملك الجواد في ليلة المولد الشريف ومع ذلك قال: وأما احتفاله بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فإن الوصف يقصر عن الاحاطة به اهـ.

وذكر العلامة الشهاب المقري في كتابه نفح الطيب ان السلطان ابا حمو موسى صاحب تلمسان في القرن الثامن من الهجرة كان يحتفل ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الاحتفال كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله ونقل عن كتاب راح الأرواح وكتاب نظم الدر والعقيان كلاهما للحافظ أبي عبد الله التنّسي ان المولى ابا حمو المذكور كان يقيم ليلة المولد النبوي حفلة يحشر فيها الناس خاصة وعامة ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة وبعقب ذلك يحتفل المسمِّعون بأمداح المصطفى عليه الصلاة والسلام اهـ.

وقال الحافظ الامام المؤرخ السخاوي في كتابه التبر المسبوك: ولا زال أهل الاسلام يحتفلون بشهر مولده صلى الله عليه وسلم ويعملون الولائم لذلك ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. قال ابن الجزري: (ومما جرى من خواصه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، وأكثرهم بذلك عناية أهل مصر والشام وللسلطان في تلك الليلة مقام يقوم فيه أعظم مقام. قال: ولقد حضرت ليلة مولد من سنة خمس وثمانين وسبعمائة عند الظاهر برقوق رحمه الله بقلعة الجبل فرأيت ما هالني). وأما ملوك الأندلس والغرب فلهم فيه ليلة تسير بها الركبان، يجتمع فيها أئمة العلماء من كل مكان، ويعلنون بها كلمة الإيمان.

وكان للملك المظفر صاحب إربل بذلك أتم عناية واهتمام، جاوز الغاية بحيث أثنى عليه بذلك الإمام ابو شامة في كتابه الباعث على انكار البدع والحوادث وقال إن مثل هذا يحسن ويشكر فاعله ويثنى عليه انتهى.

ولو لم يكن في ذلك إلا ارغام الشيطان وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى. فرحم الله امرءاً اتخذ ليالي هذا الشهر المبارك وأيامه أعياداً، انتهى كلام السخاوي.

وفي كتاب الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز للشيخ عبد الغني النابلسي يصف حال أهل المقدس في الاجتماع لقراءة المولد الشريف:

وكانت تلك الليلة ليلة المولد النبوي المنيف فجئنا الى المسجد الأقصى وجلسنا هناك ننتظر سماع المولد المبارك وكانت أوقدت تلك القناديل الكثيرة واستنارت تلك الشموع ونصب الكرسي قبالة المحراب وصعد عليه رئيس السادة الموالدية الرفيع الجناب وقرأ شيئاً من القرءان العظيم وقد اجتمعت الناس على طبقاتهم من الموالي والأكابر والعلماء والأفاضل وائمة المحاريب والمنابر والخواص والعوام من الرجال حتى النساء ذوات الحجال في ناحية من المسجد مجتمعات ومعهن الصبيان والبنات، ثم شرع في المولد الشريف وحوله جماعة من المؤذنين يترنمون بالصوت اللطيف، ثم فرقوا على جميع الحاضرين أنواع السكر والنقل وطيب الرياحين وجاءوا بالماء ورد ومباخر العود وكان وقتاً شريفاً حصل فيه كمال الخضوع والشهود. اهـ.

قال الشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني في كتابه جواهر البحار: ومازال بحمد الله تعالى في كل عصر طائفة من الاسلام ملتزمين له غاية الالتزام ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور به ويزيدون في المبرات ولا سيما ملوك الدولة العلية العثمانية وأمراؤها أصحاب الهمم القوية فانهم يعتنون بقرءاة قصة مولده الكريم صلى الله عليه وسلم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. اهـ.

قال محمد رضا، أمين مكتبة جامعة القاهرة سابقاً في كتابه (محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي زماننا هذا يحتفل المسلمون بيوم مولده صلى الله عليه وسلم في جميع الأمم الاسلامية، وفي القطر المصري تتلى الأذكار وتوزع الصدقات على الفقراء والمحتاجين. إهـ.

ومعلوم أن في كل الدول الاسلامية والعربية المعاصرة يجري الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وفي أكثر هذه الدول يعتبر يوم عطلة رسمية.

5- ذكر النقول على جواز عمل المولد النبوي الشريف

قال الإمام الحافظ ابو شامة المقدسي شيخ الامام النووي في كتابه (الباعث على انكار البدع والحوادث):

فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها، ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشىء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي، وذلك نحو بناء الربط والمدارس وخانات السبيل، وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة اربل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولـد النـبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف واظهار الزينة والسرور، فإنَّ ذلك مع ما فيه من الاحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله. وشكر الله تعالى على مـا مَنَّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى جميع المرسلين. وكان أول مَنْ فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب اربل وغيره رحمهم الله تعالى.إهـ.

وقال نور الدين علي الحلبي في كتابه إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ما نصه: وقد سئل الامام المحقق ابو زرعة العراقي عن عمل المولد هل هو مستحب أو مكروه وهل ورد فيه شىء وهل نقل فعله عمن يقتدى به.

فأجاب رحمه الله تعالى بأن اتخاذ الوليمة واطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف اذا انضم الى ذلك الفرح والسرور بظهور نور النبوة في هذا الشهر الشريف ولا نعلم غير ذلك عن السلف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً فكم من بدعة مستحبة بل واجبة. اهـ.

قال الحافظ السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد) ما نصه: "وقد سُئل شيخ الاسلام حافظ العصر ابو الفضل ابن العسقلاني حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثَة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وءاله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى فنحن نصومه شكراً لله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »نحن أولى بموسى وأمر بصومه« فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من اسداء نعمة أو دفع نقمة... إلى أن قال: فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يُقتصر فيه على ما يُفْهِمُ الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شىء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة. اهـ

وقد سبقه إلى هذا الحافظ ابن رجب الحنبلي كما ذكر الزرقاني في شرح المواهب فقد قال ابن رجب في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة اظهار محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وإرساله اليهم كما قال تعالى: (لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسنٌ جميل، وهو من مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر. اهـ وهذا ما يقصده المحتفلون بالمولد الشريف مقابلة للنعم بالشكر.

وقد عقد الامام الحافظ السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي باباً أسماه حسن المقصد في عمل المولد قال فيه أوله: وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أم مذموم؟ وهل يثاب فاعله أم لا؟

والجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرءان ورواية الأخبار الواردة في بداية أمر النبـي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات، ثم يُمَدُّ لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح بمولده الشريف. اهـ

وقد مرّ معنا في الفصل السابق كلام الحافظ السخاوي في التبر المسبوك.

وقال الإمام الحافظ القسطلاني شارح البخاري في كتابه المواهب اللدنية ما نصه: ولا زال أهل الاسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم فرحم الله امرءاً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً. اهـ

وقال العلامة الزرقاني المالكي في شرحه علىالمواهب اللدنية: فهو بدعة وفي أنها حسنة قال السيوطي وهو مقتضى كلام ابن الحاج في مدخله فقد صرح بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات وهذا هو عمل المولد المستحسن.اهـ

وقال الشيخ أحمـد بن عابديـن الحنفي الدمشقي في شرحه على مولد ابن حجر:

اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف في الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وأول مَنْ أحدثه الملك المظفر صاحب اربل.

وقد أكثر الامام ابو شامة شيخ الإمام النووي الثناء على الملك المظفر بما كان يفعله من الخيرات ليلة المولد الشريف، وثناء هذا الإمام الجليل على هذا الفعل الجميل في هذه الليلة أدل دليل على أنَّ عمل المولد بدعة حسنة لا سيما وقد ذكر أبو شامة هذا الثناء الفائق في كتابه الذي سماه البواعث على انكار البدع والحوادث.

فالاجتماع لسماع قصة مولد صاحب المعجزات عليه أفضل الصلاة وأكمل التحيات من أعظم القربات لما يشتمل عليه من المبرات والصلات وكثرة الصلاة عليه والتحيات بسبب حبه المُوْصِل الى قربه وقد صرح الأعلام بأن عمل المولد أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة لنيل البغية والمرام كما صرَّح به ابن الجزري ونقله عنه الحلبي في سيرته وكذا ابن حجر الهيتمي والقسطلاني في المواهب. فينبغي لكل صادق في حبه أن يستبشر بشهر مولده صلى الله عليه وسلم ويعقد فيه احتفالاً لقراءة ما صـح في مولده من الآثار فعسى أنْ يدخل بشفاعته مع السابقين الأخيـار. اهـ

قال السيد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة المكرمة في كتابه الدرر السنية: ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد واطعام الطعام وغير ذلك مما يعتاد الناس فعله من أنواع البر، فإن ذلك كله من تعظيمه صلى الله عليه وسلم، وقد أفردت مسئلة المولد وما يتعلق بها بالتأليف، واعتنى بذلك كثير من العلماء فألفوا في ذلك مصنفات مشحونة بالأدلة والبراهين فلا حاجة لنا إلى الإطالة بذلك.اهـ

وقال الشيخ محمد عليش المالكي في كتابه القول المنجي على مولد البرزنجي: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون ويهتمون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. وأول من أحدث فعل المولد الملك المظفر ابو سعيد صاحب اربل فكان يعمله في ربيع الأول ويحتفل احتفالاً هائلاً... فرحم الله امرءاً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً. اهـ

وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني المغربي في كتابه اليمن والاسعاد بمولد خير العباد:

وقد اختار ان عمل هذا المولد من البدع الحسنة والعوائد المستحسنة الحافظ ابو شامة الدمشقي شيخ الامام النووي والحافظ شمس الدين أبو الخير ابن الجزري وألف فيه (عرف التعريف بالمولد الشريف) والحافظ ابو الخطاب ابن دحية وألف فيه (التنوير بمولد البشير النذير) والحافظ ابن رجب الحنبلي والحافظ شمس الدين ابن ناصر الدمشقي وألف فيه (ورد الصادي بمولد النبي الهادي) والحافظ زين الدين العراقي الأثري والحافظ ابن حجرالعسقلاني وخرّجه على أصل ثابت في الصحيحين والحافظ جلال الدين السيوطي وخرجه على أصل ءاخر وألف فيه (حسن المقصد في عمل المولد) وقد أطال فيه في الاستدلال على أنَّ عمله بشرط محمود مثاب عليه، وفي الرد على مَنْ خالفَ فيه، والشيخ الامام الفقيه الأوحد ابوالطيب السبتي نزيل قوص وهو من أجلاء المالكية والعارف بالله ابو عبد الله سيدي محمد بن عباد النفزي في رسائله الكبرى في مواضع منها، وغيرهم ممن يكثر جداً. اهـ

وقد تم ما أردناه من النقول عن طائفة من العلماء والحفاظ في بيان مشروعية عمل المولد وأنه بدعة حسنة.

6- المولد الشريف في طرابلس الفيحاء

قدمنا في غضون الرسالة عمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالمولد الشريف وطرابلس كسائر البلاد العربية والاسلامية منذ قديم الزمان الى يومنا هذا يحتفل أهلها ابتهاجاً وفرحاً بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.

ويتذكر أغلب أهلها الى يومنا هذا مظاهر هذا الابتهاج الذي كان يعم المدينة وينتشر فيها من جنوبها الى شمالها في زمن العثمانيين وما بعد ذلك حيث تنتشر الزينة على شرفات البيوت وتضاء مآذن المساجد ويوزع أنواع الأطعمة والحلوى والشراب لوجه الله وحباً برسول الله على المارة وتعقد في مساجدها وساحاتها العامة والأسواق وزوايا الصوفية مجالس قراءة المولد وما زال في أذهان الطرابلسيين أباً عن جد ما كان يحصل في المسجد المنصوري الكبير من الاحتفالات وفرش الأسواق التي حول المسجد بالسجاد الأحمر ووضع أقواس الخشب على جوانبه مزينة بأوراق النخـل الأخضـر زيادة على التنافس في بذل المعروف بإدخال السرور إلى بيوت أهل الحاجة في هذه المناسبة الشريفة وحمل الحلوى إلى البيوت وتوزيع الشراب البارد أيام الصيف فقد كانت تُملأ أحواض المياه التي في المدينة بالشراب كبركة الملاحة وبركة خان الصابون بوضع الخرنوب والليموناضة فيها وتوزيعه على المارين، كما اعتيد خروج النوبات باسم الطرق الصوفية حاملة الرايات ويخرج معهم العلماء ووجهاء البلد ويجوبون شوارع طرابلس فينثر عليهم الورد والعطر ولعله لا يخلو بيت في طرابلس إلا ويذكر هذا أو عنده صور تذكارية عن هذه المواسم والى زمن قريب كان يُعمم من قبل أوقاف المدينة ودار فتواها على المساجد بإذاعة قصة المولد على المآذن طيلة ليالي المولد. ولا زالت دفاتر إنفاق الوقفيات الخاصة بالمولد تشهد على محبة أهلها لإحياء هذه الذكرى وتعلق قلوبهم بالإنفاق السخي لإظهار الفرحة بولادة سيد الناس عليه الصلاة والسلام.

وقد درج أهل طرابلس على قراءة موالد من تأليف علمائها وقل أنْ تجد من علماء طرابلس البارزين مَنْ لم يصنف مولداً على ترتيب السجع والاعتناء بالقافية ليسهل على المنشدين تلاوته إلا أنَّ أغلب هذه الموالد فقدت ولا تجد لها ذكراً إلا في تراجم هؤلاء الأعلام وقد وصل الى أيدينا بعضها.

ونعرض في هذه الرسالة نموذجين من تلك الموالد التي اعتاد أهل طرابلس قراءتها في المساجد والتجمعات الأهلية.

أولاً:

7- كتاب [قلائد العقيان في مولد سيد ولد عدنان]

تأليف الشيخ العلامة ابو المحاسن القاوقجي الحنفي رحمه الله. ويقع في عدة أوراق وهو مخطوط كان يتناقله أهل طرابلس وعكار فيما بينهم عن طريق النسخ وبين ايدينا نسخة كتبها السيد محمد بديع بن السيد حسين قاسم الزعبي. وفيه يقول الشيخ القاوقجي في ختامه:

"اللهم إنا نتوسل إليك بشرف الذات المحمدية وبآله واصحابه وشريعته الواضحة التبيان أنْ تخلِّقنا بأخلاقه وأقواله وأفعاله المرضية وتميتنا على حبه وترزقنا جواره أعلى الجنان وتعم جمعنا هذا بهداية ولطف ورحمة وغفران وتسهل لنا الأرزاق الحسية والمعنوية".

ثم قال داعياً لمن عقد مجلس قراءة المولد: "وأعظم الأجر لمن جعل هذا الخير في هذا اليوم ومجريه وامنحه السعادة مع العفو والعافية والرحمة والغفران".إهـ

ثانيـاً :

8- كتاب [البدر التمام في مولد خير الأنام]

تأليف الشيخ حسين الجسر رحمه الله وهو مطبوع وهذه بعض أبيات منه:

هـذا وإن مـن العجـائــــب عنـــــدمــــا

ولــد النبـي معظمـاً ومكرّمـا

ما قد روى الراوون فاسمع بعض ما

صلـــــوا عليــه وسلمـوا تسليمـا

وفي ءاخره يقول :

يــــا ربنـــــا بمحمـــــــد وبـــــآلــــــــه

وبحســـن طلعتــــه ونـــــور جمـالـــــه

وبجـــاهــــه وجــــــلالـــــه وكمـالـــه

يسّـــر لنـــا حســــن الختـــام عمــوما

ثــم يقـول :

والطــــف بمـــــن أنشــا نظــام المــولـــــــد

هو عبدك المسكين ذو القلب الصدي

يـدعــى حسـين الجســر نجـل محمـــد

فامنحــــه مـــن نظـــــر الحســــين الأمجـد

ومـِـــنَ الـــرســـــــول محمــــــــدٍ تـنـعـيـمـــــا

صلــوا عليـه وسلمـوا تسليمـا

والطــــف بمــــــن هـــو فـي قراءتـــه سَبَــبْ

وامنحــه من خيــرات جـــودك مــا طلـــب

وفي ءاخر المولد : ولما كان لحضرة ناظم هذا المولد الشريف عدة قصائد نبوية قد جرت عادة بعض المنشدين بإنشادها عقب صلوات هذا المولد كما هو العادة في بلادنا وفي الأذكار أيضاً آحببنا اثباتها عقب ختام هذا المولد الشريف اغتناماً لزيادة التبرك بمديح هذا الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم. إهـ

نذكر منها هذه الأبيات التوسلية وهي قوله:

يــا رســول الله يــا سنـــدي يـا حبيـــب الله خــذ بيــــدي

يــا عــريــض الجـاه والمـدد بالـــذي ســــــوّاك كــالقمــر

****

يـــا مـــــلاذاً للـبــــرايــــا يــــوم يــشتــــــــد الـــزحام

ومفيضـــاً للـعـطــايـــــــا وشـفــيعــــــاً بــالأنـــــــام

كــن شفيعــي مـن ذنـوبــــي يـــــا شفيــــع المـذنبيـــــن

ومغيثــــي مــن كــروبــي يـــا مــجيــــــر الـعـالـمـــين

****

9- تنبيه وفائدة:

كان المسلمون إلى أواخر الدولة العثمانية يحتفلون بذكرى المولد بتلاوة رسائل مؤلفة في قصة المولد النبوي الشريف بلغنا منها

1-) مولد السيد جعفر البرزنجي مفتي الشافعية بالمدنية المنورة.

2-) ومولد الشيخ الدردير.

3-) واقدم منهما مولد الشيخ عبد السلام اللقاني.

4-) ومولد النجم الغيطي.

5-) ومولد ابن الديبع اليمني.

6-) ومولد عائشة الباعونية.

وفي دار السلطنة العثمانية كانت تتلى قصة المولد بالتركية نظماً وهي من نظم سليمان البرسوي وكان إماماً للسلطان بايزيد.

وليعلم المطالعون للكتب المؤلفة في المولد أنَّ أغلب الأحاديث المتعلقة بقصة المولد ليست صحيحة الأسانيد إذ لا يصحُّ منها إلا القليلُ وما سواه ضعيفٌ، وقد قال العلماء يجوز رواية الحديث الضعيف في الفضائل وقالوا يُعمل به إلا في العقائد والأحكام.

وهناك كتبٌ ألفت في المولد فيها الكذب الصريح المفترى منها كتابٌ نُسِبَ إلى ابن حجر وليس له وكتابٌ نُسِبَ إلى ابن الجوزي وليس له وهو المسمى مولدُ العروس فيجب اجتناب هذين وما أشبههما.

والله سبحانه وتعالى أعلم

***

10- خاتمة من ديوان القاضي عمر الرافعي الطرابلسي

قال عمر الرافعي الطرابلسي القاضي في بيروت والمدرس في مدارسها في ديوانه مناجاة الحبيب:

ميــــلاد خــــيرالــبرايـا خــير مـيـــلادِ

بــه الهــدى قـــد تجـــلى بالنبي الهادي

هـــــادي الأنــــام ومصبـاح الأنام ومـن

هـــــو المـرجّـــى لــــــــوُرّادٍ وقـُصّــــادِ

إن طــاب إنشــاد شعــر في الـمديح فقد

وقفـت في مدحـه شعـــري وإنشـــادي

أو كــــان في حبــــه قلـــــبٌ يطـير لــه

شوقاً فقد طرت قلباً مُذ حدا الحادي

حقيقـــة المـــرء حيــث القلـبُ متجهٌ

فـــلا عـدمــتُ اتجاهــي نحـو أسيادي

وحسبُــهُ حـــرمٌ حـفّـــت بـــه أمـــــمٌ

في يـــوم ميــــلاد طــــه خـيرِ ميــلاد

حتــى الـمـلائـــك حفّتــــــه مبشـــرةً

وحيــــاً مــــن المـــلإ الأعلــى بــإرشـــاد

تقول : مَنْ كــان ذا قلـــبٍ يـعـيـشُ بــه

فليــــدّ خــــره بــحب المصطفى الهادي

الصفحة الرئيسية >